ايجي بوست
صورة الكاتب محمود عبد الشكور

«حصن التراب».. المستقبل هو التاريخ

الكاتب الصحفي “محمود عبد الشكور” كتب تحت عنوان “«حصن التراب».. المستقبل هو التاريخ” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-08-25”

نشر فى : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:35 م

لا تبدو رواية «حصن التراب» لمؤلفها أحمد عبداللطيف، والصادرة عن دار العين، حكاية عن الماضى، رغم أنها تستعيد محنة الموريسكييين فى الأندلس وفى المهجر، من خلال أصوات وكتابات وذكريات عائلة محمد دى مولينا، ورغم أن التاريخ الشخصى للأسرة وللأماكن يظهر قويًا وواضحًا..
ذلك أن القراءة الأعمق للرواية هى أنها تستحضر الأمس تعبيرًا عن مأساة رفض الآخر فى الحاضر، وترجمة لكارثة استخدام الدين كقناع للجشع وللاستئثار بالسلطة وبالثروة، ولعلها تنذر بمستقبل لا يختلف كثيرا عن الماضى، طالما كان من السهل أن يعذّب المرء ويقتل ويطرد بسبب اختلاف العقيدة والدين، وطالما ظل هناك من يعتقدون أنه يمكن للقهر أو الخوف أن يمحو الهوية، أو ينسف الذاكرة.
روايات كثيرة كان موضوعها محنة الموريسكيين، أولئك المسلمين الذين أجبروا على تغيير ديانتهم وأسمائهم بعد سقوط الأندلس، ورغم ذلك تعرضوا لقهر محاكم التفتيش، ثم طردوا أخيرًا إلى المغرب، فعاشوا غرباء فى الأندلس، ومنبوذين فى المهجر، وإن ظلت الهوية حاضرة جيلا بعد جيل، ولكن «حصن التراب» ببنائها وأصواتها المتعددة، وباقتباساتها من الأشعار والعبارات، وببراعتها فى جعل بطلها حلقة من سلسلة، وبتكثيفها للزمن فكأن الحكاية صفحة واحدة، تصنع خصوصيتها ومغزاها بدون استطراد أو ثرثرة.
ولأن الطرق الطويلة دائرية، فإن حركة السرد ترسم دائرة بين تطوان، بلد المهجر، و«كوينكا» بلد الاضطهاد، وحصن التراب أرض الزيتون وملجأ الأحفاد، وفى النهاية لا تظهر معنى الكلمات فوق الورقة البيضاء إلا فى حصن التراب، حيث تتجمع بقايا العائلة أحياء وموتى؛ ذلك أن الهوية عند أحمد عبداللطيف مرتبطة بالمكان، وبالثقافة، بالذاكرة، وبالذكريات، بل إنها ليست ثقافة وحيدة فقيرة، وإنما ثقافات يمزجها الإنسان معًا، فيصنع شيئا جديدًا فريدًا، يترجم رحابة العقل والروح، فى مواجهة نقائص البشر، وجشعهم، وطمعهم، وميل ملوكهم إلى السلطة والتسلط.
الدائرة هى مفتاح «حصن التراب»، ولذلك تظهر كلمة فى عبارة، ثم تظهر من جديد فى عبارة تالية، وتتكرر طقوس ما قبل الوفاة بأربعين يومًا فى صورة ورقة شجر تسقط على الأرض فى حلم، وعليها اسم الشخص، ولذلك أيضا ينتهى كل موت إلى بعث جديد، فى شكل وصية وأوراق وصور ورسوم.
ويتعمد أحمد عبداللطيف أن تتداخل الأصوات فى السرد، وبعض هذه الأصوات يبدو كما لو كان بديلا عن أصوات غابت بالموت، فكأنها سلسلة لا تعنى فيها الأسماء شيئًا، ولا تزعجنا فيها جذورها الإسبانية أو العربية، طالما أن الذاكرة المكتوبة والمرسومة والمصورة تصنع حبلا متينًا لا ينقطع، وطالما أن المفتاح لم يعد مجازًا، وإنما صار أداة للوصول.
مغزى الرحلة كله فى أن الهوية موجودة، ومفتاحها فى أيدى أصحابها، إذا أرادوا أن يستعيدوها، وأن الكتابة هى حصن الذاكرة الأبقى، وهى وحدها التى ستُنطق التماثيل والأحجار، وهى وحدها التى ستجعل من الأوراق الساقطة شجرة تتشبث بالحفيد العائد.
يبدو النص، هنا، قويًّا بحيث لا يحتاج إلى روابط موسيقية أو وثائق مصورة إضافية، لأن فيه موسيقاه الموقّعة بتكرار الكلمات، وبتواصل الفقرات، وفيه صوره وأصواته الهائمة؛ بحثًا عن حصن الهوية.
روايتنا تفضح ببراعة عبث فكرة محو الآخر، وعبث فكرة القهر فى مواجهة قوة القلب والذاكرة، وهى لا تقصد الموريسكيين فحسب، وإنما تنتصر لكل موريسكى ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، يمكن أن ترى فيها فلسطينيًا فقد بيتًا، فاحتفظ بمفتاحه، ومضطهدًا يفتشون فى ضميره وعقيدته، بل لعلك قد ترى فى سلوك بعض المسلمين اليوم تجاه الآخر؛ تكرارًا لما فعله ملوك الأمس بالمسلمين فى الأندلس.
هذه رواية تنتصر للإنسان عمومًا رغم ارتباطها بزمن وعصر ومأساة محددة.

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...