ايجي بوست
صورة الكاتبة نيفين مسعد

ساعة زمان

الكاتبة “نيفين مسعد” تكتب تحت عنوان “ساعة زمان” بتاريخ “2017-08-25” في جريدة “الشروق المصرية”.

نشر فى : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:30 م | آخر تحديث : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:30 م

كثير هو الاختلاف بين سلوك الرجل والمرأة فى مناسبات عديدة، وإحدى هذه المناسبات الاستعداد للمصيف. كان والدى يتوتر بشدة صبيحة يوم السفر للمصيف وكنت أظن أن هذا السلوك خاص به وحده ثم اكتشفت لاحقا أنه سلوك على درجة عالية من الشيوع بين الرجال. هو كان يفضّل السفر المبكر بل والمبكر جدا، ولم يكن تفضيله هذا يرتبط بتجنب زحام الطريق أو باتقاء حرارة الشمس فمصر الستينيات كانت براحا وحركة المرور فيها لا تعانى اختناقا، ولم تكن التغيرات المناخية قد فعلت فعلها فدرجات الحرارة مقبولة وتكفى لتلطيفها نسمات تتسلل من النافذة أو تجود بها مروحة من الورق المقوى. ومع ذلك كان تأخر السفر يوتر والدى، وكنا نحن الصغار نتابع هذا الموقف بحذر كبير وكل ما يعنينا أن يمر النهار على خير فالبحر ينادينا ورماله الملساء تشتاق لقصورنا المنيفة. على الجانب الآخر كانت تبدو أمى متماسكة تنتقل فى ثبات من غرفة لأخرى تلملم الأغراض وتنتقى منها ما تريد، ومع أن نظرات أبى كانت تلاحقها وتتعجلها فإن شيئا لم يكن يستوقفها أو يثنيها عن إنهاء مهمتها المقدسة: الاستعداد العظيم لأسبوعين من الغياب عن القاهرة. 
***
كانت الشبكة التى تعلو السيارة أو تستقر فوق حقيبتها تمتلئ عن آخرها بكل ما تتصور أمى أننا سوف نحتاج إليه من أدوات ومؤن وأشياء تخصها وتخصنا، ومع أننا كنا نسافر إلى مناطق مأهولة بل وأحيانا ما نستأجر شاليها فى قلب منطقة تجارية جدا كحى سيدى بشر مثلا إلا أن هذا لم يكن له تأثير من أى نوع على سلوك أمى، وهكذا كانت الصناديق المغلفة والأكياس المغلقة تصطف أمام باب المنزل فى انتظار حارس العقار لينقلها فى عدة رحلات مكوكية من الشقة إلى السيارة. مثل هذا السلوك كان يستفز والدى جدا، وكان النقاش حول ما نأخذه معنا وما نتركه بندا ثابتا من بنود مناقشات ما قبل السفر، هى تَرى كل أشيائها مهمة وهو لا يشاطرها الرأى، حتى إذا ما حط بِنَا الرحال فى وجهتنا المقررة واستقر بِنَا المقام وبدأ والدى يستمتع بما لذ وطاب من مأكولات جلبناها معنا من القاهرة كانت أمى تشعر بالانتصار وكثيرا ما عبرت عن هذا الشعور على طريقتها!
***
كيف تسلل هذا السلوك إليّ حين صرت فى مكان أمى وأصبحت مسئولة عن زوج وأولاد؟ لست أدرى. تغيرت ظروف السفر بالكامل، امتلكنا شاليها صغيرا وإن تغيرت وجهة سفرنا فهجرنا مرغمين الإسكندرية الساحرة لنقترب من حدود مصر الغربية، أصبحت أشعة الشمس أقسى وفرضت علينا اتقاءها بالكريمات المضادة، وتحول الطريق الصحراوى إلى خلية نحل ــ يُعٓد محظوظا ذلك المسافر الذى يفوز فيه بممر آمن، هكذا تغير كل شيء وأوجد مبررا منطقيا للتمسك بفكرة السفر المبكر لكن ليس لكل منطق قوته عندنا نحن النساء. ما زلت آخذ راحتى بالكامل فى تجهيز احتياجاتى، وها هو الزوج يتقمص شخصية الوالد فيتعجل ويستحث ويطارد وأنا أراوغه، أعرف جيدا ما يمكن أن يصرف انتباهه عن الأشياء غير الضرورية التى أدسها فى حقائب السفر فأعيد تذكيره بما يعمل حسابا كبيرا لتأمينه: الماء والكهرباء والغاز والنوافذ.. إلخ، ويسمح لى هذا السلوك الصبيانى بدقائق إضافية لكنها لا تكفى فأظل أتلكأ وأدور وأناور حتى ننطلق فى الميعاد الذى أطمئن فيه إلى أن كله تمام. 
***
اختفت الشبكة من السيارات الحديثة لكن أصبح فيها حيز أكبر لأشياء الأسرة، فها هو الحاجز الذى يفصل بين مقعد السائق والمقعد المجاور له قد صار مقسما على نحو يسمح بوضع مستقر لحاويات السوائل والأشياء الرجراجة، وهاهما المشجبان اللذان يعلوان المقعدين الخلفيين يتيحان الاستعداد للمصيف بعدد مناسب من الملابس يضاف إلى ما تحويه الحقائب.. ها هى وها هو… تتحول السيارة إلى شقة متكاملة التجهيز تسير على عجلات أربع، حتى إذا اطمأننت إلى أن كل المساحات استُغلت وكل الفراغات شُغِلت رجعت برأسى للخلف وأدرت مؤشر الراديو على محطة ١٠٥،٨.
***
يشعر الرجال أن مسئوليتهم تتحدد بالوصول بالأسرة إلى وجهتها المحددة، لذلك فإن رحلة السفر تتحول عندهم إلى هدف فى حد ذاته وكلما كان السفر أبكر وأخف حملا كان ذلك أفضل، هم يعتبرون التحسب للطريق نوعا من التفكير الاستراتيجى لأنهم يخشون مفاجآت الطريق ويستعدون لها، أما نحن النساء فنتعامل مع مشوار السفر باعتباره وسيلة لا أكثر ونجد أن الاستعداد للإعاشة أو لمرحلة ما بعد الوصول هو عين الاستراتيجية. الرجال عادة لا يرحبون بأن تشاركهم المرأة مسئولية السفر «الكبرى» لذلك فإن قليلات من النساء هن اللائى يقدن سيارة وإلى جوارهن الأب أو الزوج أو الأخ، فالرجال يعتبرون أنهم متى حضروا لابد أن يمسكوا بمقود السيارة، أما نحن النساء فنشعر بمسئوليتنا عن كل تفاصيل رحلة المصيف أو رحلة الحياة لا يوجد فارق كبير بين المعنيين، هم يُقلِعون بنا ونحن نتولى ما عدا ذلك من أمور.
***
هل يتغير سلوك المرأة لو أنها جلست فى مقعد السائق وأمسكت بعجلة القيادة؟ هل تعيد النظر حينها فى توقيت السفر وتجهيزاته الكثيرة؟ أشك فى ذلك، فالمرأة شديدة الارتباط بالأشياء التى تعتاد عليها حتى وإن لم تخصها بشكل مباشر، وهى تحب قربها من أشيائها وترتاح إليه، ولذلك فإنها قليلا ما تستجيب لمنطق أن فى المصيف مثل أوانيها أو أدوات زينتها أو توابلها أو حتى لعب أطفالها فالمؤقت عندها لا يأخذ مكان الدائم، وهى فى قرارة نفسها تعتبر أن الطعام المطهو فى بيتها هو الأصل بعكس طعام الشاليه حتى وإن كانت هى الطاهية فى الحالتين. المرأة بينها وبين أشيائها علاقة أمان غير مرئية تشبه علاقة ارتباطها بالوجوه والأماكن والذكريات، علاقة تجعل تقبلها التغيير أبطأ وتعودها على ظرف الإجازة أصعب وتأقلمها مع إحساس الفقد أقل بكثير جدا من الرجل، ولذلك فإنه ما بقيت للطبيعة الإنسانية أحكامها وطالما ظلت ذات المرأة هى ذات المرأة فسوف يستمر بين توقيتنا نحن النساء وبين توقيت الرجال صبيحة يوم السفر ولو حتى ساعة زمان!

المصدر: الشروق المصرية

تعليقات
Loading...