ايجي بوست
الشيخ جمال قطب

مراجعة..لا تراجع -4- هجر القرآن

الشيخ “جمال قطب” كتب مقالا جديدا في جريدة “الشروق المصرية” تحت عنوان “مراجعة..لا تراجع -4- هجر القرآن” بتاريخ “2017-08-25”

نشر فى : الخميس 3 أغسطس 2017 – 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 3 أغسطس 2017 – 8:40 م

لازالت الأمة تعانى أشد المعاناة من هجر العلماء للقرآن الكريم هجرا غير مبرر. ووجه الهجر الذى أشير إليه اليوم هو اكتفاء أجيال عديدة بمقالات أجيال سابقة، فراحوا يتخذونها مرجعا يحتكمون إليها فى حين أن تلك المقالات لا تزيد عن رأى رآه البعض وارتاح له فتناقله من بعده على أنه الوجه الوحيد أو الأكثر صوابا!!! هكذا دون الرجوع إلى القرآن وإعطائه بعض حقه من التوقير والتدبر. وأحاول أن أشير إلى بعض مظاهر هجر القرآن وعدم الرجوع إليه والبحث فيه وتدبره.
ــ1ــ
كل الناس يقولون أن القرآن الكريم هو كتاب هداية وإرشاد كما أخبر الله جل جلاله حيث يقول: ((إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم..)). وآيات كثيرة تؤكد هذا المعنى حتى تصل هداية القرآن إلى شفاء الناس من أمراض الأنفس والقلوب كما عبر القرآن الكريم بقوله: ((وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين..)). ومع ذلك الإجماع تسمع وتقرأ لمن يقول ومن يدرس ومن يتصدى لتعليم.. تسمع عجبًا إذ يقولون إن «آيات الأحكام» لا تتجاوز الـ500 آية من آيات القرآن الكريم التى تتجاوز الـ 6000 آية.. وهذا قول عجيب وعدوان غريب وهجران مريب للقرآن الكريم.. فهؤلاء يرون أن القصص القرآنى وكذلك الأمثال التى ضربها القرآن لا أحكام فيها!! فهل إذا ساق القرآن أخبارا وتصرفات عن فرعون وقومه وعمله نعتبر كل ذلك قصصا وأدبا ومجرد عظة لا يترتب عليها التزامات؟!
ــ2ــ
فما معنى إغراق فرعون وجنده وإطباق البحر عليهم؟ أليس هذا أمر واضح بعدم الاستعلاء والتكبر، وعدم استخفاف الفراعنة بمواطنيهم كما أشار القرآن ((فاستخف قومه فأطاعوه)). أليس هذا تحذير صريح من الله لعباده ألا ينساقوا وراء كل ناعب، وألا يصدقوا إلا ما تدل البراهين على صدقه؟!
فلماذا تمتلىء ساحات البلاد الإسلامية خصوصا باستخفاف الفراعنة من ناحية وخنوع المكلفين بحوارهم ومراجعتهم، بل وانسحاب أهل الرقابة من مواقعهم وتفويض المستبدين أن يتصرفوا وأن يراقبوا أنفسهم.. فهل نتج هذا البلاء إلا من زعم هؤلاء أن آيات الأحكام لا تزيد عن 500 آية؟! إن كل آية فى القرآن هى حكم وحكمة لا يستغنى عنها أهل الدنيا.
ــ3ــ
ومن مظاهر هجر القرآن هجرا عجيبا ومعيبا أن تزدحم كتب التفسير والفقه بمئات الصفحات عن الطهارة والصلاة والزكاة… ثم لا يكون الحديث عن فريضة «الشورى» إلا بضع أسطر أو كلمات.. وما هذا العجز والهجر إلا نتيجة طبيعية لقول من قال إن آيات الأحكام محدودة. ورتب على ذلك أن «الشورى» فضيلة جعلها الله تعليما للحكام وليس إلزاما لهم!!! ثم يستشهدون على هذا التصور الغريب بمقولتين كل منهما أكذب من الأخرى. إذ يدعى هؤلاء أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يشاور ويسمع ثم يتصرف كما يريد!!! وهذا افتراء شديد على القرآن وعلى الرسول وعلى الحقيقة، فالثابت الذى لم يتغير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور ويلتزم بنتيجة الشورى التزاما كاملا ولو خالفت الشورى رأيه.. وقد التزم بذلك فى جميع شئون الناس خصوصا حينما اندفع شباب الأنصار وتحمسوا لخروج الجيش خارج المدينة لملاقاة مشركى مكة، وكان ذلك عكس ما كان يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك التزم الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى وخرج، وكانت نتيجة الخروج سيئة… ورغم ذلك وتأكيدا من الله على استمرارية الشورى وضرورتها جاء القرآن يواسى الجميع (النبى وأصحابه) ويقول: ((فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر)) أى لا تتركوا الشورى ولا تتجاوزوها بسبب ما كان.
ــ4ــ
فإذا رجعت البصر كرة أو كرتين فى أحوال 54 دولة مسلمة تبينت أن المسلمين ـدون غيرهم ــ قد هجروا القرآن هجرانا يضرهم ولا يضر القرآن.. فالقرآن دواء.. وعلى المريض أن يبحث عنه وأن يتعاطاه ويلتزم تعليمات الطبيب.. أما أن ترى ساحات الأمة ومساجدها تشتد فى مساواة صفوف الصلاة، وتعجز عن مساواة الناس بعضهم لبعض، وتراهم يضبطون مواعيد الصلاة ولا يضبطون مواعيد العمل والإنتاج؟!!
فهذا الدواء الإلهى متاح مجانا لكن المرضى يبتعدون ويتناسون بل ويتكبرون.. فغفرانك اللهم..

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...