ايجي بوست
الكاتب محمد المنشاوي

المساعدات الأمريكية والمناورات وكوريا الشمالية

الباحث السياسي والكاتب “محمد المنشاوي ” نشرا مقالا جديدا بعنوان “المساعدات الأمريكية والمناورات وكوريا الشمالية” في جريدة الشروق المصرية وذلك بتاريخ “2017-08-25”.

نشر فى : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:35 م | آخر تحديث : الخميس 24 أغسطس 2017 – 9:35 م

كتبت قبل شهر ونصف هنا أن المكالمة الهاتفية الأهم بين الرئيسين الأمريكى دونالد ترامب ونظيره المصرى عبدالفتاح السيسى جرت يوم الخامس من يوليو الحالى من داخل الطائرة الرئاسية الأمريكية عندما كان ترامب فى طريقه للمشاركة فى قمة دول العشرين بألمانيا. وتنبع أهمية هذه المكالمة مما صدر عقبها من البيت الأبيض الذى أشار بيانه عن تناول موضوع كوريا الشمالية فى النصف الثانى من المكالمة. 
وأشار البيان إلى أن ترامب طالب «جميع دول العالم بالعمل على تنفيذ قرارات المقاطعة المفروضة من مجلس الأمن الدولى ووقف استضافة عاملين من كوريا الشمالية أو إمدادها بحوافز اقتصادية أو عسكرية». 
وطرحت حينها من جانبى سؤالا حول طبيعة وعمق علاقات القاهرة مع بيونج يانج خاصة. فعلى الرغم من العلاقة العسكرية الوثيقة بين القاهرة وواشنطن، فإن مصر كانت دوما تحاول الحصول على أسلحة كورية شمالية، تتواءم مع ترسانة روسية سوفيتية قديمة فى مصر. ويبدو أن ما لا نعرفه عن خبايا هذا الملف تتعدى المنشور والمعلن حيث أشارت نيويورك تايمز قبل يومين إلى أن إدارة ترامب تعاقب مصر بتجميد مساعدات عسكرية بسبب ملف حقوق الإنسان التقليدى، وعلاقات مصر بكوريا الشمالية. وتاريخ موقف واشنطن من علاقات متطورة بين مصر وكوريا الشمالية يشير إلى انزعاج أمريكى كبير ومستمر. 
فجأة جاءت أخبار وقف إدارة دونالد ترامب لمساعدات مالية للحكومة المصرية تقدر بنحو 290 مليون دولار، أغلبها من نصيب المساعدات العسكرية على خلفية انتهاكات حقوقية، حسب ما نقلت وكالة رويترز قبل أيام، لتمثل صدمة للجانب المصرى. فلم يكن سرا أن نخبة مصر وحكامها عبروا عن سعادة كبيرة بنتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة والتى أتت بدونالد ترامب للبيت الأبيض، وذهب البعض لتصوير نتائج هذه الانتخابات وكأنها نصر سياسى للنظام الحاكم فى مصر. ونبع الغرام الرسمى المصرى بترامب من اعتقادات قائمة على أوهام صدقتها النخبة الرسمية والإعلام الحكومى مفادها أن الرئيس الأمريكى يحكم مستبدا بقراره ولا يخضع لمعادلات تضعها وتضبطها توازنات واشنطن السياسية حيث لا يحكم الرئيس وحده بل يشاركه فى الحكم مجلسا الكونجرس، ووزارات بيروقراطية وجماعات مصالح ورأى عام ووسائل إعلام.
***
بعيدا عن الملف المصرى، كانت سلوكيات ترامب كاشفة عن أنه يغنى فى كوكبه منفردا لا تكترث به تعقيدات السياسة الأمريكية، وظهر ذلك واضحا فى تناوله لثلاث أزمات خارجية رئيسية حتى الآن.
كانت البداية مع ملف الأزمة الخليجية وتصريحاته غير المسئولة تجاه الأزمة والتى تجاهلتها أجهزة صنع السياسة الأمريكية. واعتقب ذلك تصريحاته وبياناته وتهديداته غير المسئولة تجاه كوريا الشمالية وصواريخها النووية، والتى تجاهلتها أيضا أجهزة صنع السياسة الأمريكية. وجاء المثال الثالث متمثلا فى تصريحاته الصبيانية تجاه الأزمة السياسية الداخلية المستمرة فى فنزويلا، والتى هدد فيها بالتدخل العسكرى، وهو ما بعدت عنه أجهزة الدولة الأمريكية.
قررت إدارة ترامب وقف معونة مقدارها 95,7 مليون دولار بالإضافة إلى تأجيل 195 مليون إضافية بسبب «فشل فى إحداث تقدم فى احترام حقوق الإنسان والأعراف الديموقراطية»، وفق ما ذكرت وكالة رويترز، وهو ما اعتبرته الوكالة يعكس رغبة أمريكية فى استمرار التعاون الأمنى، إلا أنه يعبر أيضا عن رفض الموقف المصرى الرسمى تجاه الحريات المدنية خاصة ذلك التشريع الجديد الذى ينظم عمل الجمعيات الأهلية. إلا أن نيويورك تايمز أشارت إلى أن هناك أزمة صامتة بسبب علاقات القاهرة بكوريا الشمالية.
جاءت هذه الأنباء بمثابة الصدمة حيث تفاءلت القاهرة بقدوم ترامب، ولم تتخيل إقدام إدارته على اتخاذ مثل تلك الخطوات العقابية، بل بالغت فى توقع إعادة إدارته لطريقة تمويل شراء الأسلحة المفضل لصالح الحكومة المصرية والذى أوقفه أوباما، وهو الذى حرم مصر من إمكانية فتح خط ائتمان يسمح بالدفع الآجل، ويسمح بتمويل صفقات عسكرية كبيرة تتخطى قيمتها إجمالى قيمة المساعدات فى عام واحد، وهو ما أعطى مصر ميزة التعاقد والدفع اللاحق. وبالغت القاهرة فى تفاؤلها وذهب البعض لتصور إمكانية أن يزيد ترامب مقدار المساعدات العسكرية البالغ 1.3 مليار دولار سنويا، وأن يُسمح لمصر بالحصول على أسلحة أكثر تطورا وأن يجرى تسلمها بطرق سريعة. ولم يُقدم ترامب أى إشارات لتغيير الشروط التى فرضها أوباما عندما أعاد المساعدات بعد تجميدها لأكثر من عام. 
***
قبل خروج تقارير تجميد جزء من المساعدات العسكرية، خرجت تقارير تؤكد على عودة مناورات النجم الساطع، والتى اُجريت آخر مرة عام 2009، على أن تكون فى بدايات شهر أكتوبر القادم وهو ما يدل على تحسن كبير فى علاقات القاهرة بواشنطن فى المجال العسكرى. وأكد المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (تُشرف عسكريا على منطقة الشرق الأوسط من باكستان وحتى مصر) أن مشاركة الجيش الأمريكى مع القوات المسلحة المصرية فى مناورات النجم الساطع 2017 تعزز العلاقات العسكرية بين القوات الأمريكية وشريكتها المصرية. إلا أنه أكد على ما ذكرته هنا منذ شهور من أن المناورات ستتغير من حيث الشكل والحجم والمضمون. وسيشارك فقط 200 جندى أمريكى فى المناورات. وكانت المناورات فى الماضى تشهد مشاركة آلاف الجنود الأمريكيين، واليوم يتحدثون عن مشاركة 200 جندى أمريكى فقط.
ومعاودة مناورات النجم الساطع العسكرية جاءت مع استمرار وجود خلافات فى وجهات نظر الطرفين حول طبيعة هذه المناورات والتحديات العسكرية التى يجب للجيش المصرى التدريب على مواجهتها فى المستقبل. كُنت قد سألت منذ شهور وزير الدفاع الأمريكى الجنرال جيمس ماتيس، عن رؤيته لطبيعة العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن، ورد بقوة داعيا لضرورة مساندة النظام المصرى فى هذه المرحلة المضطربة من تاريخ الشرق الأوسط. ونادى الجنرال، الذى كان مسئولا عن الجيوش الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط بين عامى 2010 ــ 2013، بضرورة تغيير طبيعة المناورات لتركز على تدريبات مكافحة الارهاب، وليس على حروب المدرعات التقليدية بين جيشين نظاميين. وكتب فى السابق كذلك أن المناورات القادمة ستكون مثل سابقتها سواء من حيث أعداد القوات الأمريكية المشاركة فيها، أو من حيث طبيعة وحداتها العسكرية، وستمثل بداية عهد جديد من التدريبات العسكرية المشتركة لمواجهة أخطار وتحديات غير تقليدية.
***
تجميد جزء من المساعدات العسكرية واستئناف المناورات المشتركة عند هذا المستوى المنخفض من المشاركة الأمريكية يشيران إلى أن واشنطن هى من تتحكم فى طبيعة وكثافة ونوعية العلاقات التى تجمعها بالقاهرة. ولا يبدو أن القاهرة تشارك واشنطن فى التخطيط المشترك لمستقبل العلاقات بين الدولتين، ويبدو أن القاهرة تتفاجأ بتحركات وخطوات الإدارة الأمريكية فى ضوء استمرار ما يبدو وأنه عدم تفهم لطبيعة ديناميكيات العاصمة واشنطن وتفاعلات أركان الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بملف العلاقات مع القاهرة وذلك على الرغم من تضخم مساحة الاستعانة المصرية بشركات لوبى وشركات علاقات عامة ينفق عليها بملايين الدولارات من أجل الترويج لمصالح النظام المصرى بواشنطن. وإلى أن تستطيع النخبة المصرية تفهم واستيعاب تعقيدات المشهد السياسى الواشنطونى فى عهد ترامب، ستظل المفاجآت تتوالى من الحليف المُتخيل دونالد ترامب.

المصدر : جريدة الشروق

تعليقات
Loading...