ايجي بوست
الدكتورة بسمة عبد العزيز

رهاب المكتبات

الطبيبة بسمة عبد العزيز كتبت مقالا بعنوان “رهاب المكتبات” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-08-26” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

نشر فى : الجمعة 25 أغسطس 2017 – 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 25 أغسطس 2017 – 9:10 م

تعمَّدت ألا أستخدم فى عنوانِ انطباعاتى اليوم كلمة «فوبيا» رغم جاذبية التناص مع خطاب السُلطة السياسية، فالكلمة سهلةُ الترجمةِ إلى العربية، لا تحتاج لليِّ اللسان وضَبطه على النغمة واللكنة الأجنبية. 
«الفوبيا» فى قاموس الطبّ النفسيّ هى ببساطة الخوف المرَضيّ الذى قد يصيب المرءَ مِن بعض الأشياء العادية. هناك على سبيل المثال؛ الخوفُ من الأماكن المغلقة أو المرتفعة أو شديدة الضيق أو الاتساع، وهناك الخوفُ مِن الحيوانات والحشرات، كما أن هناك أيضًا الخوف من الطيران، وغيرها من أنواع المخاوف التى قد تعوق حياة المُبتلَى بها وتُحيلُها إلى اختبار يوميّ عسير.
المُصطَلَح العِلميّ المُتعارف عليه والمُستَخدَم فى لغتنا العربية لمثل هذه الحال، هو كما حَمَلَ العنوان: «الرهاب»، والكلمة مُشتقة كما هو واضح مِن «رهب». رَهَبَ الشيءَ رهبةً؛ أى خاف منه خوفًا شديدًا.
***
سمعنا فى الآونة الأخيرة عن نوعٍ جديدٍ مِن الرهاب، اقترح النظامُ الحاكمُ على الإعلاميين صناعتَه؛ هو ذاك الخاص بإفشال الدولة، والإفشالُ فى حدِّ ذاته مُصطَلَحٌ جديد ودَخيلٌ على عِلم السياسة، كَتَبَ ينتقده بعضُ أساتذتها الأكاديميين المشهود لهم بالكفاءة، لكن هذا ليس بأمر يُلتَفَتُ إليه فما أكثر سقطات الخطاب فى أيامنا هذه. 
على كُلِّ حالٍ ثمّة رهاب آخر أصاب النظامَ نفسه، لكنه لم يُفصِح عنه قولا، بل بدأ فى اتخاذِ إجراءاتٍ مُباشرة للتعامُل معه ودفَعَ مساوئه؛ ذاك هو رهاب الثقافة أو فلنقل عنه: رهاب المكتبات.
على مدار الأشهر الماضية سعى النظامُ إلى إغلاقِ سلسلة مَكتبات الكرامة، ثم تَحَفَّظَ منذ أسابيع قليلة على أموالِ سلسلة مكتبات «أ» ولكليهما أفرع كثيرة وحضور قوى؛ الأولى تخدم الأطفال فى الأحياء المتوسطة والفقيرة والثانية تخدم القراء كبارًا وصغارًا فى جميع الأنحاء، وتسهم فى الحياة الثقافية إسهامًا مشهودًا منذ فترة طويلة. 
***
هُوجِمَت مَكتباتُ الكرامة لأن صاحبها مِمَن يحملون لقبَ «حقوقىّ» وهُوجِمَت مَكتباتُ «أ» لاتهام أصحابِها بأنهم ينتمون إلى «جماعة الإخوان». الأولى فى إطار التنكيل بمنظمات العمل الأهلى والثانية فى نطاق حملة مُوسَّعة للتحفُّظ على شركات أعضاء الجماعة ومؤسساتها. ثمّة مسافة بين الاثنين، لكن النظام الذى يحب المساواة فى بعض الأحيان، اختصر المسافاتِ وجَثَمَ على أنفاس الجميع؛ فالمكتبات التى لا تقع فى نطاق طاعته لا يجدر تركُها وشأنها، وأصحابُ المكتبات الذين لا يعلنون التأييد الجارف اللا مشروط للسُلطة الحاكمة، لا بد مِن تأديبهم وتهذيب سلوكهم وإرشادهم إلى الطريق القويم.
***
يبدو أن النظام يخشى المكتباتِ فيُغلقها؛ مَرة بأحكام القضاء ومراتٍ خَرقًا للقانون. النتيجة واحدة والهمّ والغمّ يغشيان الأجواء والنكد يُعشِّش فى النفوس، فمكتبة ليست بنشاط مشبوه ولا بكيان عديم الفائدة، بل مُنشأة يُحتَفى بها فى أُممٍ أخرى وبلدانٍ أخرى كما لو كانت هبةً من السماء. 
فى رَدِّه على سؤالٍ حول إغلاق المكتبات، قال الحاكمُ إن الدولة لا تتخذ أى إجراء إلا حماية لتسعين مليون مواطن، والحقُّ أن الدولة لا تنفك تتَخِذ من الإجراءات ما يُحَقِّق الإيذاءَ المباشر لغالبية هؤلاء المواطنين، ولا تفتأ تعاقبهم وتهينهم وتكاد تفتح حافظاتهم وتفتش فى جيوبهم، وهى تستكثر عليهم أن يقرأوا أو يمارس أبناؤهم الغناءَ والرسمَ والتلوين، فربما كان فى الكُتُب ما يؤرِّقُ أو يُقلقُ أو يُحرِّض على رفض المَظالِم، وربما كانت فى الألوان مَباهجٌ تُوسِّع الآفاق وتُولِّد الأفكارَ وتدعو إلى التفاؤل وتُحفِّز على التغيير.
***
لن أتحدث عن وزير الدعاية فى زمن النازى ولا عن المسدس الذى اشتهر بتحسُّسه كلما سمع كلمة «ثقافة»، فشتان ما بين الزمنين، وشتان ما بين أدوات الفريقين ومبلغ معارفهما وعلومهما، لكنى فقط أتعجب من محاولات السلطة الدءوبة اعتقال الأفكار، فقد أثبتت على مدار قرون وفى مختلف الأرجاء، فشلا عظيمًا؛ فلا المَحارِق التى أُقيمَت لنصوص ابن رشد قد أنست الناس مَن كان، ولا جرائم جوبلز قد مَحَت مِن الوجود المثقفين الألمان الذين وقفوا فى وجه النظام.
***
حين طُرِحَ السؤالُ منذ أشهر وجاء ذكر المكتبات التى أُغلِقَت وانقطع عملُها عن الناس، لم يخجل أحد المسئولين المضطجعين فى مقاعدهم ولا كان منهم مَن طأطأ الرأسَ ونظر أرضًا؛ الأمر عاديٌّ فى أعينهم لا يستوجب الشعور بالعار. عَقَّبَ الحاكمُ ضاحكًا ألا إجراءات استثنائية تُتَّخذ ضد المُعارِضين، ولا أتذكر إن صفَّق المصفقون فى ساعتها أو زغردت المُهلِّلات.
لا أعتب على مَن أصدر أمرًا وأغلق مَكتبةً أو أحرق كتابًا أو منعه حتى مِن الإصدار كما فعل مؤخرًا بعض رجال الدين، فعلى أقل تقدير أثبت أولئك وهؤلاء أنهم يدركون ما للمعرفة مِن قوة وما للكتابة مِن مكانة وما للكلمة مِن رهبة وكذلك ما للمَكتَبات مِن رهاب.

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...