ايجي بوست
صورة الدكتور إكرامي لمعي

الدين وعصر ما بعد الإنسان

الأستاذ “إكرامي لمعي” كتب مقالا جديدة في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “الدين وعصر ما بعد الإنسان” ونشر بتاريخ “2017-08-26” ويمكنك الأن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

نشر فى : الجمعة 25 أغسطس 2017 – 9:10 م | آخر تحديث : الجمعة 25 أغسطس 2017 – 9:10 م

فى المقال السابق 12 أغسطس 2017 بعنوان عصر ما بعد الإنسان تحدثنا عن أن السمة الأساسية لهذا العصر هى «بنية الحمض النووى» DNA والذى يشكل الموروثات المتحكمة فى الإنسان، والتى من خلالها يتم التحكم فى علاج الأمراض والأوبئة ومن ثم يتحكم الإنسان فى وجوده على الأرض بتحقيق حياة بلا معاناة أو مرض، ويتمثل ذلك فى انتقاء أجنة خالية من العيوب الوراثية، واختيار شكل ونوع الطفل القادم وزرع جينات ليكون الطفل المولود أكثر ذكاء وجمالا بهدف تحسين السلالة البشرية، بل وإمكانية إيجاد جيل من العباقرة، ولقد كان وما زال السؤال العمدة بهذا الشأن هو: ما تأثير هذه الثورة الجينية على مبادئ الأديان وقصة الخلق فى الكتب المقدسة ومشكلة الألم… إلخ؟ وأمام هذه القوة الجديدة (العملاق الجديد) أثيرت وتثار أسئلة جديدة عادت بنا إلى أسئلة قديمة قدم الإنسان نفسه منها مثلا: كيف نقرر أنه يجب علينا أن نتبنى مثل هذه الثورة العلمية أم نرفضها؟ هل نقرر هذا بناء على النتائج المرجوة، أم بناء على موقف أخلاقى فقهى لاهوتى بغض النظر عن النتائج؟ هل علينا أن نقرر ما هو الخير فنتبناه وما هو الشر فنتركه فى هذه التقنيات؟ وهل يمكن للفقه الإسلامى واللاهوت المسيحى أن يقدما إجابات واضحة للأسئلة التالية: هل يوجد نموذج للإنسان العادى الطبيعى الذى يمكن أن نقول عنه إنه النموذج الذى من الله أو الذى يريده الله ولا نتعداه أو نتجاوزه سواء بالتغيير أوالتبديل أو التطور؟ أم أن النموذج المطلق للإنسان ــ حسب فكر الله ــ هو نموذج (خليفة الله فى الأرض) أى الإنسان القوى المتحكم والمتسلط فى قوى الطبيعة الخارجية (مياه – عواصف – بروق – رعود…. إلخ) وأيضا المتسلط فى القوى الداخلية للإنسان ومن ضمنها الجينات؟ وهل توجد قواعد أخلاقية لاستخدام القوى الجديدة التى يكتشفها الإنسان أم أن هذه القوى ُتترك لمبدأ المنفعة؟ ما هو مفهوم الصحة فى الفقه واللاهوت خصوصا فى مسألة الجينات؟ ما هو الموقف الأخلاقى المتفرد من كونك أبًا أو أمًا تتحكم فى نوعية وصحة الطفل القادم سواء بالسلب أو الإيجاب (ولادة طفل معوق أو صحيح؟)، هل تساعد هذه التجارب فى التزامنا الأخلاقى نحو الأجيال القادمة لتكوين جيل أكثر صحة وذكاء؟ هل تهز هذه التجارب فكرة الزواج فى الأديان واحترامها، دعونا نستعرض معا أفكار المؤيدين والمعارضين من علماء الدين. 
***
يستند المؤيدون لاستخدام التقنية الحديثة لتطوير الإنسان على عدة أسس أهمها نظرية الكم والكيف وذلك بالقول: إن التحكم فى الأجيال ليست فكرة جديدة أو غير مقبولة، فهناك فقهاء ولاهوتيون معتمدون قبلوا فن التحكم فى الكم بتنظيم الأسرة لأسباب اقتصادية واجتماعية وصحية، وما الهندسة الوراثية إلا تحكما فى الكيف أو تنظيما للأسرة من نحو الكيف، فإذا كنا نقبل التحكم فى الكم لماذا نرفض التحكم فى الكيف؟ 
أما الأساس الثانى للقبول فهو ما يدعى الجريمة بالامتناع، إن عدم استخدام أية تقنية حديثة للارتقاء بالإنسان تعتبر جريمة بالامتناع بمعنى أنه فى القانون العادى هناك ما يسمى جريمة بالامتناع فالأم التى تمتنع عن إرضاع طفلها حتى يموت تحاكم بجريمة القتل، والشخص الذى يرفض إعطاء دواء معين لشخص ويتركه يموت يرتكب نفس الجريمة، وبناء على هذه القاعدة فإن الامتناع عن استخدام الهندسة الوراثية لضبط النسل فينتج عن ذلك ولادة أطفال مشوهين أو مرضى أو من أصحاب الاحتياجات الخاصة فهذه تعتبر جريمة بالامتناع.
أما الأساس الثالث فهو علاج العقم من خلال التلقيح خارج الرحم، وهذا يحدث بطريقة طبيعية جدا فى عالم الطيور والحيوانات بل وفى عالم الإنسان يمكن لأم أن تعطى لبنها لطفل ليس بطفلها ويمكن لشخص أن يقدم دمه أو عضوا من أعضائه (كلية مثلا) لآخر، وعلى نفس النسق لماذا لا يسمح لشخص أن يتبرع بجين لآخر هو فى حاجة إليه. أما الأساس الأخير فهو علاقة الأخلاق بالمجتمع والحضارة؛ وهنا يقولون إن الأخلاقيات الناضجة لا تنفصل عن الاقتصاد والاجتماع والعدالة والصحة العامة، فإذا كان المطلوب إنسانا أكثر صحة نفسيا واجتماعيا فالمفهوم الصحيح للأخلاق هو العمل على إنتاج مثل هذا الإنسان وليس الامتناع بحجة أن الأخلاقيات تمنع استخدام الهندسة الوراثية.
***
بالنسبة إلى الأفكار المعارضة والتى يتبناها رجال الدين والأخلاق المحافظون فهم بصفة مبدئية يتحفظون على استخدام الهندسة الوراثية على أساس المبادئ التالية: مبدأ محدودية الإنسان فالعلم والتكنولوجيا يساعدان الإنسان ليكون أفضل صحيا أو عقليا لكنهما لا يغيران من طبيعته الأصلية كإنسان محدود قاصر روحيا وأخلاقيا، والتاريخ الإنسانى يثبت كل يوم المفهوم الدينى عن محدودية الإنسان، فالإنسان المحدود بطبيعته يحتاج إلى الله غير المحدود لكى يغير من طبيعته الداخلية الروحية والأخلاقية ليتجه نحو الحب والسلام وهو لا يستطيع بمفرده أن يفعل ذلك بدون الله.
أما المبدأ الثانى يتلخص فى المخاوف من وراء استخدام الهندسة الوراثية فالخوف هنا أن يحكم العلم والتكنولوجيا الإنسان وليس العكس، فمثلا اليوم تتكلف برامج الفضاء ملايين الدولارات فى الوقت الذى تموت فيه شعوب بأكملها بسبب المجاعات، فالاندفاع نحو التكنولوجيا لا يجب أن ينسينا الإنسان ثم أيضا الخوف من تحويل الإنسان إلى حقل أو فأر تجارب وإلى أى مدى يعتبر هذا الفكر صحيحا دينيا أو نفسيا أو حضاريا، ثم الخوف أيضا من إخضاع القيم الأخلاقية للنتائج المادية وليس للمعنى، فيجب أن نناقش القيم من خلال المعنى وليس من خلال النتيجة، فنحن نحتاج إلى أخلاقيات المعنى كما نحتاج إلى أخلاقيات النتائج بالضبط. 
أما المبدأ الثالث فيلخص إلى إن الفكر الدينى يعلن أن عظمة الحياة الإنسانية تتجلى فى أنها هبة من الله بالخلق والجسد الإنسانى له كرامته ولا يجب العبث به، فهناك بعض التجارب التى لا يجب أن نتبناها مثل خلق جيل من العباقرة أو التحكم فى الشكل والشخصية… لكن تجارب علاج الأمراض الوراثية المستعصية يمكن قبولها. والمبدأ الأخير أنه لابد من التوازن بين الحرية والقدرة فعظمة الفكر الدينى تتلخص فى تقنين التوازن عند الإنسان بين حريته وقدرته، وكيف يستطيع الإنسان أن يوازن بين الاثنين بين القدرة التى بين يديه وحرية استخدامه لها.
***
بعد عرض كل هذه الأفكار والآراء المعارض منها والمؤيد؛ نكتشف أنه من الخطورة بمكان النظر إلى مثل هذا الموضوع بمنظور الحلال والحرام، الأبيض والأسود، لأن الهندسة الوراثية فى أغلب حالاتها هى احتياج معين لشخص معين (إنسان مريض ــ امرأة عاقر ــ طفل سيولد) لذلك فهذه الأمور لا تستند على عقيدة دينية عامة أو مبدأ عام يمكن تطبيقه على كل الحالات والمعنى هنا: إننا لا يمكن أن نحكم حكما عاما مقدما على حالة فردية بعينها بالخطأ أو الصواب، فمثلا أحيانا يكون الإجهاض صوابا وأحيانا أخرى يكون خطأ وكل أمر له جانب سلبى وآخر إيجابى، لذلك علينا أن نشفق على الإنسان المحتاج مع الأخذ فى الاعتبار النتائج مع المعنى وليس الاكتفاء بأحدهما وعلينا أن ندرك أن الخير نسبى والشر أيضا نسبى فلا يوجد خير مطلق أو شر مطلق. وأخيرا علينا أن نتحلى بالشجاعة فى قبول مسئوليتنا فى اتخاذ مثل هذه القرارات.
لقد بدأنا تاريخنا كبشر بتعلم كيفية التحكم فى القوى الطبيعية والمادية (رياح – أنهار – وحوش – زلازل… إلخ) ومازال الإنسان حتى فى هذه الأمور يرتكب أخطاء فادحة. ولقد حققنا تقدما ملحوظا فى التحكم فى حياتنا الاجتماعية وتعلمنا كيف نتحكم فى سلوكياتنا فى علاقاتنا كأفراد وجماعات ودول (وأيضا هناك أخطاء واضحة). يبدو أنه قد حان الوقت الذى فيه نقبل التحدى فى التحكم فى صفاتنا وأمراضنا الوراثية، فإلى أى مدى نجد أخطاءنا محدودة فى هذا المجال؟!

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...