ايجي بوست
د. محمود خليل

الصدّيقة مريم.. «أم الحنان»

د.محمود خليل كتب مقالا في جريدة “الوطن المصرية” تحت عنوان “الصدّيقة مريم.. «أم الحنان»” وذلك بتاريخ “2017-08-27” ويمكن قرائته الأن عبر موقع مقالات مصرية.

تقدست السيدة مريم العذراء بالتبتل والطهر فصارت قديسة تحمل العطف والحنان لبنى الإنسان. يجتمع المسيحيون والمسلمون على الاحتفال بمولدها العاطر كل عام فى تعبير فريد عن حنينهم الجارف إلى «أنشودة حنان» وحاجتهم الملحة إلى «شلال عطف»، يمسح فوق جراحاتهم، ويربت على رؤوسهم، فى تأويل مدهش للآية الكريمة التى تربط المسلمين والمسيحيين برباط القربى «ولتجدن أقربهم للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى». حدد القرآن الكريم المكانة الخاصة التى تحظى بها الصديقة مريم فى الآية الكريمة التى تقول: «وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين»، يحبها المسيحى، كما يحبها المسلم، فعندها يتحقق المعنى الخالد الذى تحمله عبارة: «الله محبة».

لعلك تلاحظ أنه ما من مقرئ للقرآن الكريم إلا تألق وتجلى فى قراءة سورة «مريم»، استمع إليها بصوت الشيخ محمد رفعت أو عبدالباسط عبدالصمد أو مصطفى إسماعيل أو طه الفشنى أو كامل يوسف البهتيمى لتستمتع بروعة التلاوة. وكأنى بقراء الكتاب الكريم فى مصر يتلون سورة مريم بإحساس خاص، ووجدان يشعر بما تتدفق به من معانٍ بصورة شديدة العمق. تبدأ السورة الكريمة بداية مدهشة تجللها الرحمة، وذلك فى قوله تعالى: «ذكر رحمة ربك عبده زكريا». عبر هذه الآية تتحدد الفكرة المركزية فى السورة الكريمة، فكرة «الرحمة» التى تجلت بصورة رائعة فى قصة زكريا، العبد الذى نادى ربه نداء خفياً، بعد أن وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً، بحثاً عن الذرية، فكان أن رزقه الله تعالى بيحيى أو «يوحنا» فى اللاهوت المسيحى. ذلك الوديع الذى وصفه الله تعالى بقوله: «لم نجعل له من قبل سمياً». اسم يحيى بالفعل يستحق التوقف أمامه، ذلك الاسم الذى يتردد فيه صدى نسائم الرحمة والحنان. وكلمة الحنان وردت فى السورة الكريمة تأكيداً لهذا المعنى الآسر الذى تشتمل عليه الآيات، معنى الرحمة والحنان: «وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً».

يطلق المسيحيون على سورة مريم «سورة العدرا»، ويحبون الاستماع إليها بأصوات أعلام التلاوة من المصريين، حين تتدفق أصواتهم العذبة بآياتها. المبدع يوسف شاهين (رحمه الله) كان واحداً من هؤلاء، كان يحب الاستماع إلى صوت المرحوم الشيخ محمد رفعت، حين يخشع صوته بآياتها الكريمة، كان «شاهين» يصف صوت الشيخ «رفعت» بأنه: «يبعث على السكينة ويساعد على التأمل». هذا الشغف من جانب المخرج الكبير دفع البعض إلى الظن بأنه أسلم، وواقع الحال أن الرجل عاش ومات مسيحياً، ومن ذهب إلى هذا الظن لم يستوعب حقيقة الرباط العاطفى الذى يربط المسلمين والمسيحيين بالسيدة مريم «أم النور».

فوق تراب مصر سارت العائلة المقدسة ووجدت فى أرضها ملاذاً آمناً، وشاء الله أن تمنح الصديقة «أم الحنان» بركاتها ونورها لهذا البلد. تلك حقيقة يفهمها المصريون جيداً، وذلك إحساس يسكن وجدانهم جميعاً، مسلمين ومسيحيين، إحساس يجمع بين شتاتهم كل عام فى ذكرى مولد الصديقة مريم «أم الحنان».

المصدر : الوطن المصرية

تعليقات
Loading...