ايجي بوست
الكاتبة البحرينية خولة مطر

مشاهدات صيفية

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “مشاهدات صيفية” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-08-28” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

نشر فى : الأحد 27 أغسطس 2017 – 9:25 م | آخر تحديث : الأحد 27 أغسطس 2017 – 9:25 م

الصيف ليس شهرا للإجازات والسفر فى منطقة الخليج وللخليجيين فقط ولكنه فى كل بقاع الكون هكذا، حيث تكتظ المطارات وتنشط سوق بيع الحقائب وترتفع أسعار التذاكر حتى تتضاعف أحيانا ويهرول الكثيرون إما صوب البحر أو صوب الجبال والخضار ورائحة الصنوبر.
والصيف أيضا فترة للاسترخاء والاغتسال من عام طويل من العمل والتعب وهو أيضا فسحة للتجديد وربما لدى قليل من البشر للاطلاع على حضارات وعادات وشعوب عدة. ولكن يبقى للصيف أهدافه لدى بعض أبناء الخليج التى لا تفسر إلا بأن كثيرا من الكبت والمنع سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا لا يمكن إلا أن يولد جيل إن لم تكن أجيال مشوهة.. ترحل لتقول بكل ما هو ممنوع أو محرم فى مجتمعاتها حتى لو كان ذاك أمرا بسيطا وعاديا جدا فى مجامعات أخرى.. وفى ذلك لا عيب فيهم بل فى ربما مجتمعاتهم ومسئوليهم الذين لم يستطيعوا حتى الآن التفكير الحقيقى فى تحسين صورة الخليجى الذى يعرفه كثير من الاوروبيين على انه عربى فيختلط الجميع ويوضعوا جميعا إما فى سلة المتطرف حتى ذاك الذى لا يحمل السلاح ولكنه يمارس أنماطا سلوكية تبدو وكأنها من بقايا عصور ماضية.
***
ولا يمكن للمسافر للسياحة أو العمل إلا وأن تهزه بعض تلك المشاهد وما التالى سوى بعض وليس كل: 
فى صباح أحد المدن العربية العريقة وفى ذاك الفندق الفخم يبدأ العمل على توفير أشهى الأطعمة لإفطار يليق بالضيوف القادمين من السياح، يدخل خمسة شباب خليجيين حتما من لهجة واضحة.. ثلاث فتيات فى عمر الزهور مرتديات ملابس غاية فى الأناقة وأيضا فى الحداثة ورجلان.. يدخلون إلى صالة الطعام فيحدثون جلبة وأصواتا عالية حتى أصبح من الصعب على الجالسين على الموائد الأخرى ألا ينتبهوا لهم.. ما هى إلا لحظات ويكتشف الجميع أن «الشلة» الخليجية قد حضرت للتو من سهرتها الطويلة فى أحد ملاهى العاصمة الفخمة وأن الجميع لا يزالون فى حالة نشوة السكر وربما ما هو أكثر منه! يصر أحد الشباب أن يجلس عند النافذة و هى منطقة عدم المدخنين وهو يجلس حاملا سيجارته ويصرخ للجرسون بكل كلمات الإهانات والتعالى، يتجمع الجرسونات محاولين إقناع السياح الخليجيين بالالتزام بقواعد الفندق الفخم.. ينتهى المشهد بخضوع الخمسة للتعليمات ولكن بعد!
***
مشهد آخر:
يكتظ بهو الفندق الفخم فى عاصمة عربية أخرى بالعائلات الخليجية واضح من اللهجة والعباية، والتى تحولت مؤخرا إلى مادة استهلاكية لا علاقة لها بأصل العباية الخليجية ولا بالحشمة والتوجهات الدينية الحديثة فى المجتمعات! أى عباية مسخ شىء من الموضة أو الصرعة. 
العائلات التى رحلت للاستمتاع بأجواء مختلفة وربما عودة التلاحم للأسرة، يجلس كل عند هاتفه النقال يقرأ أو يشاهد ويتابع بشغف أخبار من بقى فى حر الخليج ولم يسعفهم الحظ للرحيل.. وآخرون يتابعون مشاهد لنكت أو زيارات أو سخافات أخرى!!! الرجال يتربعون فوق الكراسى الفخمة فى فندق خمس نجوم آخر والنساء يرتدين ما ارتفع سعره للاعلان عن وضع اجتماعى اكثر منه محبة فى ذاك الرداء أو تلك الشنطة.. تقول النادلة فى بهو الفندق التى تعمل به منذ سنين إنهم يقومون سنويا وبعد انتهاء موسم الصيف بتغيير قطع الاثاث او تغيير اقمشة الكراسى بعد ان يصر الخليجيون على وضعه ارجلهم حتى عندما يطلب منهم ان يمتنعوا عن ذلك احترام للآخرين!!
***
مشهد ثالث:
مطعم أسماك وأطعمة بحرية مطل على البحر الأزرق والمشاهد فى الخارج لنساء وأطفال ورجال بملابس البحر يغتسلون بنسمة اغتسلت هى الأخرى بملح البحر، والعائلة المصطفة رجل وخمسة نساء لن نستطيع التعرف على العلاقة بينهن لأنهن جميعا منتقبات ويدخلون الأطعمة ومنها السمك بأصنافه المقلية والمشوية من خلف النقاب! والرجل مستمتع بالمشاهد فى الخارج والطعام الشهى. ينظر زبائن المطعم إلى المشهد بكثير من التقزز ويدركون أنه مشهد موسمى مع الصيف وعليهم تحمله كما يتحملون حرارة الجو الحارقة فى مدن عربية تنادى بالسياحة وتعجز عن توفير الكهرباء وأحيانا الماء!
***
ربما تتغير المشاهد بعض الشىء فى أوروبا التى أصبحت أكثر إغراء للخليجيين بعد أن اشتعلت النيران وانتشرت فى مدن عربية كانت هى عاصمة الثقافة والجمال والحضارة. فى أوروبا قد لا يمتلك الخليجى أن يضع رجله فوق كرسى فى بهو أى فندق وقد لا يستطيع أن يقوم بأمور أخرى ولكنه حتى هناك يمارس أشكالا من التصرفات التى لا يمكن تفسيرها لدى المشاهدين سوى أنها نتيجة حتمية لكثرة الممنوعات والكبت والحرمان وانعدام الحريات الشخصية فى منطقة تعمل جاهدة على رسم صورة أخرى غير تلك المرتبطة بمدن الملح كما وصفها بدقة شديدة الراحل الباقى عبدالرحمن منيف.
***
ليتهم يطلقون الحريات ويكثرون من التعليم والثقافة ويعلمون الجيل الثانى أو الثالث من شباب الخليج على احترام الآخر كما كان أجدادهم الأول، وعلى نقل صورة أكثر إشراقا عن منطقة لا يعرفها أحد إلا بنفطها وكبتها وغرورها المرتبط بالمال فقط والقبض على القشور من الحضارة والقشور من المدنية والقشور حتى من الموضة التى هى ثقافة لا يعرفها أكثرهم ولعًا بها.

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...