ايجي بوست
الدكتور أحمد عبد ربه مدرس العلوم السياسية

ما هو أعمق من الميراث!

الدكتور ” أحمد عبد ربه” كتب مقالا بعنوان “ما هو أعمق من الميراث!” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-08-28” ويمكن قرائته عبر موقع مقالات مصرية.

نشر فى : السبت 26 أغسطس 2017 – 9:55 م | آخر تحديث : السبت 26 أغسطس 2017 – 9:55 م

على مدى الأسابيع الثلاثة الفائتة، احتل النقاش حول قضية الميراث فى الشريعة الإسلامية نصيبا من الجدل العام بدرجة نافست الجدل الموازى حول موضوع التعديلات الدستورية! كانت البداية من تونس ــ كالعادة ــ وانتقلت إلى مصر وإلى بلدان عربية أخرى وتحولت النقاشات إلى اتهامات متبادلة سواء بالجمود والتخلف، أو بالعلمنة والتغرب.
فى تقديرى فإن الجدل الذى وما زال دائرا فى الفضاء العام عبر عن مجموعة أزمات مزمنة وعن أسئلة دائرية لم تحظ أبدا بإجابات شافية فى مساحات ثلاث، مساحة العلاقة بين الله والإنسان، ومساحة العلاقة بين الدولة المعاصرة والدين، وأخيرا مساحة العلاقة بين الدولة والمواطن. والحقيقة فإن الجدالات والأسئلة المرتبطة بالمساحات الثلاث ما زالت تشغل النقاشات العامة خارج النظم العربية، لكن بدرجة حدة وإلحاح أقل بكثير من نظيرتها العربية والمصرية كون أن هذه المساحات تم بالفعل حسمها فى ترتيبات دستورية وقانونية فى الغرب والشرق وهو أمر نفتقر إليه بشدة فى المنطقة!
***
الأمر إذن أعمق بكثير من مجرد الحديث عن قضية الميراث أو غيرها من القضايا الجدلية فى الشريعة، ولا تهدف هذه المقالة المحدودة بالتأكيد إلى حسم الأمر فى المساحات المذكورة، لكنها تسعى إلى تسجيل ملاحظات مبدئية حول هذه القضايا.
الملاحظة الأولى هى حالة التشنج التامة التى تصيب قطاع من المتدينين ـ على عمومية الكلمة من مجرد النقاش حول أمور الشريعة الإسلامية، متخفية وراء عبارات مقدسة ليس فقط بغرض الهيمنة على النقاش، ولكن أيضا إنهاء هذا النقاش وغلقه تماما بحجة أن الأمر محسوم بـ«إجماع العلماء» أو لأنه «لا اجتهاد مع النص» أو أن «هذا كلام الله والاعتراض عليه اعتراض على حكمة الله وشريعته»! بل وقد يتخذ الحوار منحنيات بائسة مثل قطع النقاش الجدلى بطريقة مفاجئة وسؤالك بشكل استنكارى تهكمى مهيمن «هل تؤمن أن كلام الله حق؟» وهكذا يتحول النقاش البشرى بغرض الفهم والتجديد إلى حوار مقدس يتم استدعاء الله عز وجل فيه على نحو مقصود لا لشىء إلا لغلق النقاش! المشكلة هنا أن من يستخدم هذا الأسلوب يدعى عادة أنه لا كهنوت فى الإسلام، رغم أن هذا الأسلوب هو الكهنوت بعينه، فإن لم يكن الكهنوت هو منع المؤمن الراغب فى نقاش أمور دينه من الكلام بحجة أنه غير متخصص فماذا يكون إذن؟!
الملاحظة الثانية، تتعلق بالحالة الدفاعية التى يكون عليها بعض من يدعى الدفاع عن الشريعة، فما لاحظته من خلال الانخراط فى هذه النقاشات، هو التمسك بأن «كلام الله حق» أو أن «الشريعة عادلة»، والحقيقة لا أعلم من قال بغير ذلك؟ ولماذا دائما يمس النقاش حدود حقيقة القرآن أو حقيقة وجود الله أو حقيقة عدل الشريعة؟! ما أعرفه أن من يحاول النقاش من زاوية الشريعة ومن يحاول البحث فى التراث على ما يخالف هذا الإجماع المزعوم للعلماء، هو أيضا متفق من حيث المبدأ أن الله حق وأن القرآن حق ولكنه يبحث عن كيفية تحقيق هذا الحق بشكل عملى على الأرض!
***
الملاحظة الثالثة فى هذا السياق أن هناك توجها واضحا لنصرة الشريعة فى بعض المواضع والسكوت عن نصرتها فى مواضع أخرى! فمثلا حينما طرحت على صفحتى الخاصة سؤالا عن سبب عدم انتفاض الناس للدفاع عن حق الميراث «الشرعى» للمرآة الذى يتعرض للانتهاك فى الكثير من قرى مصر ونجوعها، وباستثناء قلة محدودة، فإن عددا من إجابات المدافعين المتشنجة جاءت إما مدعية أن هذا انتهاك «فردى»، وهذا قطعا غير حقيقى لأن منع الميراث عن السيدات تحول إلى قاعدة عرفية عامة فى مئات القرى المصرية التى لا ينقصها المساجد ولا دور تحفيظ القرآن ولا المشايخ والمتحدثين باسم الدين – عموما ــ الذين يثورون عادة لأمور هامشية ويسكتون عن هذه القضايا المحورية، أو ادعى البعض أن مخالفة النص فى «الواقع» أقل ضررا من إقراره فى «القانون»! وهذا قطعا منطق مغلوط بل ومقلوب لأنه يعنى أننا فقط نهتم «بالمراسم» ولا نهتم «بالتطبيق»، وتصورى وتصور أى إنسان لديه فهم للحد الأدنى من مبادئ الإسلام أن الهدف من الشريعة هو العكس تماما! فبدون تطبيقات لتحويل العدل النصى إلى عدل معاش فينتفى هنا أى معنى وأى مقصد للشريعة!
رابعا واتصالا بالنقطة الفائتة، فهناك توجه كبير فى الفكر الإسلامى المعاصر للانتصار للنص والفهم الحرفى على حساب مقاصد الشريعة وهو أمر منتشر بشكل يثير الكثير من علامات التعجب حول العقلية الإسلامية المعاصرة التى استسلمت استسلاما مثيرا للشفقة والتعجب للفهم النصى وتصر فى الوقت نفسه على أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ! الانتصار للفهم النصى على حساب المقاصد يحصر الشريعة فى زمن معين وفى بيئة معينة لا يمكن الخروج من حدودها والعكس صحيح. هنا ليس المطلوب هو تغيير كلام الله كما يدعى البعض، لكن المطلوب هو تحديد المقاصد العليا للشريعة ثم تأطير النص فى ضوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المعاصرة، ومن ثم إعادة فهم النص على نحو مغاير. المؤكد أن هذا ليس اختراعا حداثيا ولا علمانيا، بل إن بعض الخلفاء الراشدين وفى مقدمتهم الخليفة عمر بن الخطاب قد لجأ لهذا بعد سنوات قليلة من وفاة الرسول! بل والتراث الإسلامى ملىء باجتهادات لثقات العلماء تختلف عن هذه العبارة الغامضة المسماه بـ«إجماع العلماء»، وفى قضية الإرث تحديدا، يمكن مثلا مراجعة فتوى ابن عرضون قبل مئات السنين عن «حق الكد» أو موقف الخليفة عمر نفسه بعد وفاة زوج حبيبة بنت زرق، لكن كالعادة تختفى هذه الاجتهادات لصالح الفهم الحرفى التقليدى بل ويتم قتل حتى مجرد النقاش فى مهده بدعوى عدم جواز المخالفة!
***
الملاحظة الخامسة والأخيرة هنا، أن كل هذا النقاش يعيدنا إلى القضية الأوسع والأهم، وهى قضية تصورنا عن الدولة الحديثة وما إذا كانت شخصية اعتبارية تمثل عموم المواطنين، أم أنها تمثل ديانة الأغلبية العددية فقط مع توسط مؤسسات أخرى لتمثيل مصالح الأقليات؟ هذا السؤال ليس فقط مطروحا على المسلمين ومؤسسة الأزهر ولكنه وبالقدر نفسه مطروح على المسيحيين ومؤسسة الكنيسة وسلطة البابا! فمثلا، هل تكون الكنيسة هى صاحبة الحق الحصرى فى الطلاق واستخراج تصاريح الزواج الثانى أم أن هذه قضية مدنية بحتة متروكة لقرار المواطن المسيحى إذا شاء أن يخضع لفقه الكنيسة فعل، وإن شاء أن يخضع للسلطة المدنية كان له ذلك؟!
هذه الملاحظة الخامسة تثير تصورا لابد وأن يتم مناقشتة بجدية فى يوما ما، هذا التصور المبدئى يتساءل، هل يمكن وجود مسارين تشريعيين متوازيين إحداهما دينى والآخر مدنى بخصوص الأحوال الشخصية (الميراث، الزواج، الطلاق، التبنى…إلخ)، ينطبق الأول على المواطنين الراغبين فى الاحتكام إلى الفقه المنتصر لمؤسستهم الدينية (الأزهر فى حالة المسلمين والكنيسة فى حالة غير المسلمين)، بينما ينطبق الآخر على المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المواطنين الراغبين فى اللجوء إلى القوانين المدنية التى تنطبق على الجميع؟!
الموضوع لا يتوقف عند قضايا الميراث، والنقاش فى هذه المساحة لا ينتصر بالضرورة للطرح التونسى، فقد لا يحقق الأخير العدل أو المساواة بالضرورة، أو قد يحققها فى الحالة التونسية ولا يحققها فى غيرها، الموضوع هو أن نقرر هل سنخضع للكهنوت الذى ينتصر لتفسير معين للنصوص المقدسة ويكون هذا التفسير المنتصر عادة انعكاسا لانتصار طبقات اجتماعية أو استجابة لظروف سياسية أو ثقافية فى لحظات تاريخية بعينها، أم أننا سنقرر فتح باب النقاش للجميع مع توفير بيئة آمنة للجدل سعيا نحو عرض كل التفسيرات والاجتهادات من أجل حياة أفضل وأكثر عدلا ومساواة بين المواطنين جميعا؟ هذا نقاش مفتوح.

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...