ايجي بوست
الدكتور محمد المنسي قنديل

ريهام سعيد

تحت عنوان “ريهام سعيد” كتب الكاتب والروائي ” محمد المنسي قنديل” مقالا جديدا في جريدة “التحرير المصرية” وذلك بتاريخ “2017-08-28” .

ارسال بياناتك

لست من هواة مذيعة التليفزيون ريهام سعيد، لا أشاهد من برامجها إلا التي تثير ضجة وتتسبب عادة في إيقافها.. من الصعب تقبل الجانب الفضائحي والحرص على الإثارة، ولكني وجدت نفسي متعاطفا معها في أزمتها الأخيرة، بسبب تلك الحلقة التي تجمع بين زوجة صغيرة السن تركت بيتها لتهرب مع عشيقها، واستضافتهما المذيعة معًا، ثم استضافت أيضا الزوج الذي كان يبدو مخدوعا، والأب الذي يتظاهر بالغضب، وتمت محاسبة المذيعة هنا كأنها طرف في هذه العلاقة الشائكة، رغم أنها لم تصنع الحدث ولكنها كشفت عنه فقط، وضعته أمام كل الذين يغمضون عيونهم حتى لا يروا الواقع، الذين يتحدثون كالببغاوات عن الأعراف والعادات والتقاليد دون أن يعنوا أي حرف منها، أرادت أن تكشف إلى أي مدى تدنت العلاقات الاجتماعية والأخلاقية ليس في القاهرة، العاصمة المفتوحة فقط، ولكن في المدن الإقليمية الصغيرة أيضا.

لوقت قريب لم تكن هذه النوعية من البرامج تقدم على شاشة التليفزيون إلا بتحفظ شديد، مثل البرامج التي تقدم من داخل السجون، خلف القضبان بعد أن يكون المجرم قد نال عقابه وانتهى الأمر، ولكن الأمر اختلف، مع ازدياد الفقر وسط الطبقات الدنيا، لم يعد من الممكن تجاهل ما يحدث في انتظار العقاب، الذي ربما لن يجيء، فالقانون أعجز من أن يطول هذا السلوك المختل الذي يلوث حياتنا من زنى المحارم إلى خيانة الأهل إلى السحر والشعوذة.. جرائم من كثرتها خرجت من قاع المجتمع لتطفو على سطحه، تقدم صورة قاتمة تنفي ما تقدمه الشاشات من ماكيتات ملونة وأرقام زائفة عن مصر التي ستصبح «قد الدنيا».

ولكن ماذا تكشف عنه الحلقة التي قدمتها ريهام سعيد والتي تسببت في إيقافها؟
إنها حالة فردية، لم يقل أحد إنها ظاهرة كما ادعى قرار الإيقاف، تتكون الحالة من عدة مثلثات متداخلة، مثلث تقليدي تكونه الزوجة والزوج والعشيق، ومثلث زنى المحارم من الزوجة والزوج والأب، ومثلث التدني الاجتماعي من الجهل والفقر والمخدرات، كلها معًا تكوِّن ملامح الصورة التي رأيناها على الشاشة، الزوجة المارقة هي العامل المشترك الذي تدور حوله بقية الشخصيات، فتاة في العشرينيات من عمرها، ظهرت دون زينة أو مكياج ولكن بملامح قوية ونظرة مليئة بالتحدي تحمل استهانة من اتخذ قراره وتحمل مصيره، لا تهمها نظرات الآخرين ولا تبالي بتهديداتهم، رضيت أن تتبع عشيقها من بلدتها الصغيرة لتضيع وسط زحام القاهرة، وحيدة في معظم الأحيان، بصحبتها ابنتها الشرعية، وفي بطنها جنين آخر غير شرعي، ورغم موقفها الصعب فهي لا تتردد في مواجهة الكاميرا لتدافع عن هروبها من تحت أسر زوجها وإلحاح أبيها ولتعلن أنها مستمرة في تمردها، والشخصية الثانية هي العشيق الذي قررت الزوجة أن تهرب معه، شاب قوي يتمتع بكثير من الوقاحة، يكبرها بعشر سنوات ويهيمن عليها في زهو من حصل على زوجة رجل آخر، رغم أنه متزوج، وهو متأكد أن زوجته الأصلية لن تتركه مهما لعب بذيله، ويدرك أن الزوج الأصلي والأب أضعف من يأخذا بثأرهما منه، يتهمه الجميع بأنه تاجر مخدرات، وحتى الزوجة الهاربة لا تنفى هذه التهمة تماما، ولكنها تراه كفارس، أنقذها من قسوة أبيها ومن محاولاته المستمرة لمعاشرتها أو دفعها لطريق الدعارة، وهناك الزوج، الحلقة الأضعف في هذه المجموعة، شاب ضئيل الحجم من السهل ترويضه والتنمر عليه، يبدو عاجزا أمام الموقف الذى وجد نفسه فيه، لا يريد أن يطلق زوجته رغم نشوزها، لا يجرؤ حتى أن ينطق كلمة الطلاق، يعتقد بغرابة أن زوجته لم تهرب منه بإرادتها ولكن العشيق هو الذي أغواها تحت تأثير مخدر ما، وأنها ستفيق وتعود إليه، يسكن في بيت أبي زوجته، طائعا وخانعا لكل ما يفعله به الأب، حتى إنه ينام وحيدا في الدور السفلي، بينما تنام الزوجة في الأعلى بجانب أبيها لتكون تحت حمايته. 
وأخيرا هناك الأب، الرجل الذي كان حتى وقت قريب يمسك بكل خيوط اللعبة، يبدو على الشاشة بملامح شرسة، يهدد ويتوعد بطريقة جوفاء، يحول خلفها أن يخفي رغباته  المحرمة، يكتشف أن اتهام عشيق ابنته بالمتاجرة بالمخدرات هي مجرد تهمة تقليدية، غير كافية لاستنفار السلطات فيقرر أن يضيف إليه تهمة الإرهاب، يتهم العشيق بأنه يقوم بتهريب السيارات والدراجات النارية لمنفذي العمليات الإرهابية، ولكننا نكتشف بعد فترة أنه والزوج لا يملكان غير ترديد التهديدات نفسها، ونكتشف أيضا أنهما لا يريدان إلا عودتها، رغم كل ما حدث، ربما ليعاودا افتراسها من جديد، ويناشد كل المسئولين للانتقام له وإعادة الفريسة إلى حظيرته.

الوجوه ليست هي التي تتكلم، ولا الكلمات هي التي تعبر، ولكنه صوت الغرائز وقد تغلبت على كل الأصوات، على العقل والمنطق، لم نعد نعيش في مدن ولكننا أشبه بحيوانات داخل غابة مشوشة، تحركنا غرائز الجوع والشراهة والبحث عن المتعة، لا نرفع رؤوسنا حتى ننظر لأبعد من أقدامنا ولا للعالم من حولنا، هذه الحادثة فردية، ولكنها تتكرر بصور مختلفة، يحكمها قانون الغرائز وحده، علاقات متفسخة ارتفعت إلى السطح في ظل الفقر وتدني مستوى المعيشة، وتفشت مع انهيار مستوى العملية التعليمية، فالتعليم هو الوسيلة الوحيدة التي ترفعنا من مستوى الحيوانات إلى مستوى البشر المتحضرين، فالأمي مثل الحيوان الأعجم، تنوب عنه غرائزه، وما فعلته ريهام سعيد هي أنها كشفت عن المستوى الخطير الذي تدنى إليه مستوى الغرائز. 
وهؤلاء الذين يظهرون على شاشة برنامجها ما هم إلا دلائل قاتمة على ما يحدث في القاع.

ولكن لا بد من كلمة أخيرة للصديق والإذاعي القدير حمدي الكنيسي نقيب الإعلاميين.. حجب البرنامج، أي برنامج، لن يصلح الأمور، فقط سيخفي الحقيقة، ومن الغريب أن يكون هذا القرار هو الإعلان الأول عن مولد نقابة الإعلاميين، لم يكن هذا جديرا بشخص موهوب مثله، فهو ليس مذيعا عاديا ولكنه كاتب موهوب، عندما كنا جميعا تلاميذ في ورشة يوسف إدريس كان الكاتب الكبير يلقي بقصصنا جميعا في الزبالة وينصت باهتمام خاص إلى قصص حمدي الكنيسي، كان كاتبا يلفت الأنظار بحساسية أسلوبه ونظرته الثاقبة، وكنت أحسب أنه عندما يكون نقيبا للإعلاميين لا يكون سيفا للمنع، ولكن درع تحمي حرية الرأي، لذا أستغرب أن يمارس أول نشاطاته بالمنع والمصادرة، ريهام سعيد لم تخترع شيئا، ولكنها فقط كشفت جانبا صغيرا من المسكوت عنه.

المصدر : التحرير الالكترونية.
العنوان : ريهام سعيد.
التاريخ : 2017-08-28

تعليقات
Loading...