ايجي بوست
الكاتب جميل مطر

لا شىء يفاجئنى

الكاتب “جميل مطر” كتب مقالا جديدا علي موع الشروق، بعنوان “لا شىء يفاجئنى” بتاريخ 2017-08-29 ويمكن قراءه المقال كاملا الأن علي موقع مقالات مصرية.

نشر فى : الثلاثاء 8 أغسطس 2017 – 9:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 8 أغسطس 2017 – 9:35 م

كان الخبر الأول فى نشرات الأخبار الأجنبية ذات يوم من أيام الأسبوع الماضى والمقال المنشور فى العدد الأخير من مجلة نيتشر (الطبيعة) عن توصل فريق من العلماء الصينيين والكوريين والأمريكيين إلى فصل بعض الجينات الناقلة لأمراض وراثية من الأهل إلى الأطفال وإحلال جينات أخرى جيدة محلها. سمعت الخبر وانتقلت للخبر التالى. لم أتوقف بين الخبرين كالعادة عندما يكون أول الخبرين صاعقا. الخبر الصاعق لم يفاجئنى، أنا الذى كتبت قبل عقود محذرا من انغماس العلماء فى بحوث توريث الذكاء الاصطناعى الفائق أو القوة العضلية المبهرة. وقتها خفت أن تقع نتائج هذه البحوث فى أيدى حكام مستبدين أو مهووسين فتصدر أوامرهم للعلماء فينتجوا ميليشيات من بشر فائقى الذكاء أو حائزين على قوة عضلية أسطورية. 
***
أعلنت شركة غربية أن منتجا إلكترونيا جديدا من منتجاتها سوف ينزل إلى الأسواق خلال أيام. الابتكار الجديد ــ الذى تعلن عنه الشركة بأسلوب عادى ومتواضع كأسلوب إعلان عن معجون أسنان جديد ــ لا يخرج عن كونه طائرة «درون«، أى بدون طيار، فى حجم حشرة متوسطة الحجم، يحركها من داخل محيط قطره الكيلومتر أو أكثر محرك عن بعد (ريموت). تستطيع الطائرة / الحشرة النفاذ إلى الغرف محكمة الغلق تلتقط ما شاء لها أن تلتقط من الصور وأفلام الفيديو وتسجل ما شاء لها أن تسجل من أحاديث خاصة، أحاديث غرف النوم أو أحاديث مكاتب وقاعات اجتماع. لا شىء ولا أحد يهدد وجودها فهى مستعدة للخروج من حيث أتت إذا شعرت بالخطر على عكس الأجهزة المثبتة. أعرف من السوابق أن هذا النوع من الابتكارات لا ينزل إلى أسواق الاستهلاك المدنى إلا بعد أن تتشبع حاجة المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، أو تكون المعامل قد انتقلت إلى ابتكار أحدث وأخطر. معنى هذا أن مثل هذا الابتكار الذى يأتى مزودا بقدرات تخريبية هو الآن فى طريقه إلى التنظيمات الإرهابية التى يقال عنها كما اتضح من حملة الرباعية لتأديب دولة قطر، أنها تحصل على دعم من حكومات دول أعضاء فى الحلف الدولى لمكافحة الإرهاب. لم يفاجئنى هذا الخبر أو ذاك ــ خبر الطائرة الحشرة التى تباع بثمن لا يزيد على 200 دولار للواحدة منها ــ ولا خبر أنها قد تكون مزودة بآليات تفجير وتخريب، ولا خبر أن دولا فى الحلف ضد الإرهاب كانت أو لعلها ما زالت تدعم داعش والقاعدة ومشتقاتهما بالمال والابتكارات الحديثة. أنا، كمواطن مصرى ومواطن عالمى، لست متفاجئا.
***
فى اليوم نفسه قرأت خبرا مثيرا آخر ولم يفاجئنى. قرأت أن المملكة السعودية قررت تأهيل عشرات بل ربما مئات الجزر فى البحر الأحمر الغنى بثرواته البحرية من أسماك ونباتات، لاستقبال ملايين السياح الأجانب. لم يفاجئنى الخبر لأننى كنت فى انتظاره منذ أن أطلقت السعودية خطة 2030 التنموية، فهى من وجهة نظرى «خطة ثورية» ليس بما أعلنته ولكن بما تكتمته. سمعت مشجعا مطمئنا إلى أنه بانتهاء تأهيل الجزر لاستقبال السائحات والسياح سيكون الواقع الاجتماعى فى المملكة قد تغير بتأثير خطة 2030 لصالح قبول المجتمع لهذا النوع من السياحة. مشجع سعودى آخر قال ما معناه إن الكتلة السكانية المحافظة تعيش فى المملكة بعيدا عن شواطئ البحر الأحمر وغيرها من المواقع المرشحة لهذا النوع من السياحة. 
***
شاهدت وقرأت تقارير عن تقدم ملموس حققته جامعات أوروبية وآسيوية يسمح لها بأن تعلن قريبا عن إنتاج إنسان آلى يؤدى معظم وظائف الإنسان «البشرى». تقول التقارير إنه لم يتبق أمامهم من أجل الإعلان عن هذا الإنسان الجديد سوى تفاصيل قليلة جدا. يأمل باحثون شاركوا فى تحقيق هذا الإنجاز فى أن يتمكنوا خلال سنوات قليلة من إنتاج جهاز عصبى لهذا الإنسان يسمح له بأن يحب ويكره، يتعاطف وينبذ، يداعب وينفر. لم تفاجئنى هذه الأخبار فقد زرت فى الخارج مستشفيات تستعد فعليا لإحلال الممرض الآلى محل الممرضة التى عودتنا أن نشفى على ابتسامتها وحنانها. 
***
لا شىء يفاجئنا. أعتقد أن العلم صار أسرع من قدرتنا على اللحاق به. نكاد لا نفرغ من فهم واستيعاب إنجاز علمى حتى نجد أنفسنا مرغمين على التعامل مع ابتكار علمى جديد. استسلمنا لابتكارات بعينها، سلمنا لها قيادتنا وربما سيادتنا وحريتنا ووقتنا. انتهت عصور الرتابة والتغيير البطىء. أقارن بين السنوات الأربع التى قضيتها طالبا جامعيا فى عقد الخمسينيات بآخر أربع سنوات أو بأى أربع سنوات خلال العشرين عاما الماضية. أذكر جيدا جدا أن لا شىء كبيرا أو كثيرا تغير على صعيد التكنولوجيا خلال مرحلتى الجامعية. التليفون الأرضى فى مكانه وربما أضافوا إلى السلك طولا فصار ينتقل من غرفة إلى أخرى. عشت آخر أيام «الثورنيكروفت»، الأوتوبيس المنحنى على جانبه يحك فى سيره الأسفلت، وبدايات أوتوبيسات «أبو رجيلة» من طراز لم يختلف إلا فى الشكل. فاجأتنا الشركة المسئولة عن ترجمة الأفلام الأمريكية مفاجأة سارة ومذهلة حين أعفتنا من متابعة الترجمة على شاشة جانبية، واحدة على يمين الشاشة التى تعرض الفيلم وأخرى على يسارها. ثم تخرجت وجاء التلفزيون. 
كنا نفاجأ بأى تحسين أو ابتكار فى صنع أدوات منزلية ومكتبية. كنا متواضعين فى تطلعاتنا التكنولوجية بل والحياتية عموما. الطالب يتخرج فى الجامعة وفى الشهر التالى يصدر قرار تعيينه فى الحكومة. كانت البطالة استثناء، أى مفاجأة. الفتاة لا تتأخر كثيرا فى مرحلة ما قبل الزواج. إذا تأخرت فى العثور على من يناسبها تولت العائلة مسئولية تزويجها، كنا دائما نتفاجأ بالفتاة التى لم تتزوج ونتفاجأ كلما سمعنا عن حادث طلاق. نادرا ما كنا نسمع فى دوائرنا عن طلاق. 
الآن، ليست مفاجأة أن نقابل صديقا أو ابن صديق عاطلا عن العمل فالعاطلون صارت نسبتهم فى بعض المجتمعات ــ ومنهم مجتمعنا ــ تتجاوز ربع أو ثلث الشباب. الآن لا يفاجئنى خبر عن طلاق زميل أو صديق أو قريب فما أكثر المطلقين فى كل مكان. لم يفاجئنى استعداد حكومات وكنائس عديدة للاعتراف بزواج المثليين والمثليات، فالعلاقات المثلية منتشرة بأكثر مما نتصور وهى أقدم فى وجودها مما نتخيل. إنكار وجودها لا يعنى اختفاءها. لم أتفاجأ وأنا أقرأ مقال «كارى جنكيز» عن الأساس الفلسفى لتعدد الأزواج. «كارى» تدافع عن حق النساء فى تقليد الرجال الذين يقعون فى حب أكثر من امرأة وترد على الذين يعتقدون أن المرأة بحكم طبيعتها وتكوينها العاطفى لا يحق لها أن تحب أكثر من رجل فى وقت واحد. قلت لم أتفاجأ بالمقال مثلما تفاجأ بعض من أطلعتهم عليه. هناك فى الغرب من ينظم حملات نسائية لنشر ما يثبت أن المرأة تمتلك قدرة على العطاء العاطفى المتنوع تفوق قدرات الرجل وتتجاوز حاجات شخص واحد، وبالتالى يحق لها ما يحق للرجل فى هذا المجال.
***
تقول الرواية إن ملك فرنسا بعث بأحد مهندسيه إلى إنجلترا فى عام 1830 ليشهد تدشين خط سكة حديد يربط مدينتى مانشستر وليفربول. وقف المهندس أمام القضبان والقاطرة البخارية مذهولا، أصابته المفاجأة بصدمة جعلته ينكر ما رأى ويكتب فى تقريره أن الفشل مصير هذا الابتكار. تأخرت فرنسا وتقدمت إنجلترا. تقول رواية أخرى إن أهل قرية مصرية فاجأهم مشهد قطار يمشى على قضبان، لا تجره بغال أو يدفعه بشر ويقف عند مشارف بلدتهم طلبا للماء. كانت المفاجأة شديدة إلى الحد الذى جعل القرويين يفكرون فى إعداد وليمة للقاطرة. لم تتكرر أحداث هذه الرواية ولن تتكرر فقد انقضى عصر الاندهاش ونعيش الآن فى عصر فيه ما يبهر وليس ما يدهش أو يفاجئ.

المصدر : موقع الشروق

تعليقات
Loading...