الكاتبة آلاء الكسباني

الأصولية العلمانية “البتنجانية” جدًا

مشهد (١)

منشور على موقع التواصل الاجتماعى “فيسبوك” ينتشر بسرعة الصاروخ عن واقعة في إحدى القرى السياحية “الهاى كلاس”، حيث تجلس الفتيات والسيدات على الشاطئ يستمتعن بالشمس والمياه الجميلة في نهار صيفى يحتدم بيقظ أغسطس، وكانت الأمور تسير بطبيعية شديدة، حتى لمحت إحداهن امرأة تسبح في البحر بالـ “بوركينى”، لتقوم الدنيا ولا تقعد، ولتذهب إلى الأمن طالبة منهم إخراج هذه الجرثومة المُلَوِثَة لمياه البحر، وتعقيمها بالديتول إذا أمكن الأمر، فيجذبونها من حجابها على الشاطئ أمام مرأى ومسمع من الجميع، مطالبين إياها بعدم النزول للبحر وعدم الاستمتاع بمياه الشاطئ إلا في نطاق الجلوس أمامه لمشاهدته فحسب، حامدةً ربها وشاكرةً فضله إن من يقطنون المنتجع السياحى الخمس نجوم!

 

أثارت الواقعة موجة من الاعتراضات على البوركينى، بل على الحجاب بشكل عام وعلى المحجبات قاطبة، الرجعية والتخلف كانتا كلمتين أساسيتين في هذه الاعتراضات، سيل من الانتقادات اللاذعة الذى وصل إلى حد السباب بأشنع الشتائم، كل هذا لإن محجبة تجرأت ونزلت إلى البحر بمايوه ارتأى غيرها إن خامته قد تكون سبباً في تعفُنهم، مع إنها لا تختلف كثيراً عن خامات بذلات الغوص، ومع إنه ليس ثمة حق لأحد في أي يعترض على شيء لا يخصه من الأساس!

 

مشهد (٢)

حلا شيحة تقوم بنشر صورة لها بالنقاب، فيتداوله الكثيرون، ويعلق عليها أكثر، بتعليقات عدوانية وكأنها قد انضمت لجيش الاحتلال الصهيوني، لم ترتدِ فقط نقاباً بمحض إرادتها الشخصية ساعيةً في هذا إلى إيجاد سلامتها النفسى في علاقتها مع الله تعالى، التي تخصها وحدها فحسب، ليصبح الأمر عبارة عن تراشق بالألفاظ وخوض في العرض والشرف، تقوم بشكل أساسى على اتهامها بتعسيف الدنيا وتحريم الحلال والنظر لنفسها على إنها صندوق قمامة أو خيمة سوداء، أو امرأة دميمة في الأساس لا تحتاج إلى أن تختبئ عن عيون الناس خلف نقاب ، مع إنها لم تدعُ أحد لأن يفعل مثلها، ولم تعرض تجربتها بغرض التباهى مصلاً، إنما هي امرأة اتخذت قراراً في حياتها بإرادتها وقررت مشاركته على صفحتها الشخصية، لكنها لم تسلم من التنمر الإلكترونى والسب البذئ!

 

مشهد (٣)

خلعت المذيعة غادة جميل الحجاب في قرار شخصى منها، وهو بالطبع ما لم يمر مرور الكرام في بلادنا، بل تراشق الكثيرون أخبارها ما بين اتهامات بالعُهر والفجور والرذيلة التي حلت على مجتمعنا بدون رادع ولا سابق إنذار، وما بين لعنات وأمنيات بالتفحُم في جهنم مع القتلة والزناديق، وإنها إن كانت تظن ولو لوهلة إن خلعها للحجاب سيزيد من نسب مشاهدة البرنامج الخاص بها فهى بالطبع مخطأة، لإن الجمهور سيقوم بحملة مقاطعة جماعية لهذه المذيعة الساعية لنشر الرذيلة بين بنات مجتمعنا، فهذه المرأة الحقيرة قد اختارت بمحض إرادتها -اللهم احفظنا- قراراً خاصاً بحياتها تجاه الشعور بالرضا عن مظهرها، وهو ما يعنى بالضرورة إنها عاهرة!

 

***

تجارب كثيرة لنساء قررن خلع الحجاب أو النقاب ارتدا أي منهما، وفى الحالتين يتم سبابهن باعتبارهن مدافعات عن الأصولية أو العُهر، وهن لا يكن في الأساس ساعيات حتى لإثبات وجهات أنظارهن في هذا القرار، إنما يحتفين بشكل أساسى بقدرتهن على أخذ القرار!

 

القرار،، وهل يستحق اتخاذ قرار في أمر شخصى كل هذا الاحتفاء؟ إذا كانت من تتخذه امرأة وفى مصر، فهى بالضرورة كانت تقوم ب لولولولي فرح، فكرة أن تقوم امرأة بالقيام بشىء في حياتها فيما يتعلق تحديداً بتغيير مظهرها هو شيء جلل لو تعلمون، فالمرأة المصرية غير مخولة باتخاذ الحق في تقرير المصير، تخرج يومياً من بيتها حاملةً على عاتقها هم الخروج بمظهر ترضى عنه نفسها قبل كل شيء، لإنه مهما كان جيداً فى نظرها فهو غير كافى للناس، فهو إما تعبيراً عن الانحلال، أو هو تعبيراً عن الرجعية والتخلف والأصولية.

 

وما بين التيارين المشيرين بأصابع الاتهام لكل النساء على اختلاف شاكلاتهن، تبقى الأصولية متجذرة فيهم جميعاً، وليس في تيار بعينه، فإن الأصولية في أنظاركم تعنى تقصير البنطال وإطالة اللحية والرد بجزاك الله خيراً وتلقيب الزوجة بالجماعة أو البيت وارتداء النقاب فأنتم لا تفقهون عن الأصولية شيئاً، لإن أياً من البشر ممن يجعلون من أيديولوجياتهم سقف أحمر وليس حتى خط لآلا تسول لأى أحد نفسه تحطيم هذا السقف هم بالضرورة أصوليون، لإنهم ينزهون أنفسهم عن النقص، ويجبرون غيرهم على اتباع رؤيتهم في الحياة، والتى لا نناقش مدى صحتها من عدمه هنا، إنما نناقش اعتبار الأيديولوجيا الخاصة بالأفراد أمر مسلم به لا يجب تجاوزه من أي تيار منافى لهذه الأيديولوجيا، وما يثير السخرية، إن إحدى هذه الأيديولوجيات تقوم ولا تقعد إذا ما تدخل من يعارضها في اختيارات المؤمنين بها، بل إنها تقوم بشكل أساسى على احترام حقوق وحريات الآخرين! ازدواجية تكاد تعصف بكل منطق في رؤوس البشرية جمعاء!

 

وحقيقةً لا أعرف ما الذى ينبغي علينا فعله كنساء في هذا البلد، فإما ارتدينا ما يوافق المجتمع وإما لم نفعل نحن دائماً معرضات للانتهاك البدنى والنفسى، يتدخل المجتمع في دواليب ملابسنا كإنها تخصه، وهو حقيقةً أمر يستدعى الإحساس بالقهر، فتخيلوا معى إن كنت تستيقظ كل صباح ليختار لك أحدهم ماذا ترتدى رغماً عنك، سواء أكان هذا شورت أم بزة رسمية، في النهاية أنت مجبر على ارتداء ما يوضع أمامك بدون أن تنبث بنت شفاه، وإن لم تفعل فمصيرك لعنات الرب المتلاحقة على ألسنة عبيده الذين لا يملكون من صبها عليك شيئاً، أو اعتبارك إنسان جاهل ومتخلف يجب تفعيل حد اليوجنيا الاجتماعية فيه من أجل تحقيق مكان أفضل بتطهير المجتمع منه، حتى أصغر قراراتك وأقلها بساطة، ليست من حقك!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...