ايجي بوست
الكاتب أحمد جمال زيادة

أزهى عصور البطيخ

الباحث أحمد جمال زيادة كتب مقالا عبر موقع ” مصر العربية ” بتاريخ ” 2017-09-01 ” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية .

لم يكن والده، رحمه الله، يعلم أن ابنه الوحيد عندما يصير صحفيًا، سيضطر إلى بيع البطيخ بعد الظهر، كي يتغلب على مصاعب الحياة، وكي يقاوم أعراض المرض المنتشر في الصحافة والمعروف باسم “كردوسي”، لذلك شجعه على أن يعمل في الصحافة، اعتقادًا منه بأنه سيعمل في قناة صدى الفضاء مع إعلامي شهير كان يعمل سابقًا أمين شرطة.

 

كان يخرج من الجريدة يوميًا ويذهب إلى مكان ما، بعيدًا عن الجريدة والبيت ليبيع البطيخ، ولم يُخبر أحدًا من أَصْدِقاؤُه بهذا السرّ، لأنه لو علم أَصْدِقاؤُه قد يصل الخبر إلى زملائه الصحفيين، وإذا وصل الخبر إلى زملائه الصحفيين قد يصل إلى مدير الجريدة، وإذا وصل إلى مدير الجريدة قد يصل إلى النقابة، وإذا وصل إلى النقابة سيصل إلى رئيس النقابة، وهنا يستدعي الأمر وقفة رجل واحد، ستجتمع لجنة من كبار النقابة للدفاع عن شرف المهنة، وتناقش موضوع البطيخ: كيف يمكن لأحد من يعمل في الصحافة أن يبيع بطيخًا بعد الظهر؟!

 

فيطرح أحدهم رأيه: “أعتقد أنه لو كان يبيع البطيخ بعد العصر، لكان أمرًا عاديًا”.

 

فيعترض آخر ويقول: “أنسب وقت لبيع البطيخ، بعد المغرب، حتى تكون الشمس غربت”.

 

وفي مخيلتي أن أحدهم سيظن أن لجنة من النقابة قد انعقدت خصيصًا لتساعد بائع البطيخ الصحفي على أن يتخطى صعوبات الحياة ويقاوم مرض الكردوسي المنتشر، ولكن الواقع أن اللجنة ستفصله من النقابة؛ لأنه لا يُسمح للصحفي بأن يعمل في أي شيء لا علاقة له بالصحافة.

 

وفي ليلة قالت له أمه بحسرة شديدة:

– الحمد لله أن والدك مات كي لا يراك يومًا تبيع البطيخ، ثم ماذا نقول لتُجّار الحشيش الكبار عندما يعلمون أن ابن صاحبهم يتاجر في البطيخ؟! إن تجارة الحشيش من المحيط إلى الخليج هي التجارة الأكثر ربحًا، ثم أريد أن أسألك سؤالًا يا ولدي، لماذا تبيع البطيخ بالذات ومن أين جاءتك الفكرة؟!

أبيك كان يبيع الحشيش

عمك يبيع الترامادول

عمتك تبيع الدولار

خالك يبيع الكلام

خالتك تبيع السكوت

جدك يبيع نفسه

جدتك تبيع جدك

فلماذا تبيع البطيخ؟!

– لأننا في أزهى عصور البطيخ يا أمي!

= دعك من هذا الهراء؛ لقد تحدثت مع أحد زملاء والدك كي تعمل معه وتتعلم تجارة الحشيش، ولأن والدك له باع في تجارة الحشيش، وأخلاقه عالية جدًا ولم يخلط الحشيش بالتوابل إلا في أوقات قليلة، وافق الرجل فورًا. على الأقل تجارة الحشيش سرية ولن يصل أمرها إلى النقابة، أما بيع البطيخ فهو أمر يخص الرأي العام على المستوى العربي، ولو رآك أحدهم قد ينكشف أمرك للنقابة ويفصلوك.

 

ولكنه تمسك بالبطيخ كما يتمسك حيوان الكنغر بأمه في السبعة أشهر الأولى من ولادته، ورفض أن يتاجر في الحشيش.

 

وفي صباح يوم ذهب إلى الجريدة بعد يوم شاق من بيع البطيخ، فوجد أن الجريدة مظلمة على غير العادة، وأن اللافتة الكبيرة على باب المدخل والتي كتب عليها اسم الجريدة قد اختفت، وأن أغلب أجهزة الحاسوب غير موجودة، كما لم يجد الصحفيين، ولا رئيس التحرير، لم يكن هناك سوى السكرتيرة والحارس وهو، ولما سأل السكرتيرة عما يحدث، أخبرته أن قوات حفظ السلام قد تحفظت على الجريدة!

 

– ما علاقة حفظ السلام بالجريدة؟

 

= بالطبع لها علاقة، الجريدة تعادي السلام، لذا كان واجبًا على قوات حفظ السلام أن تتدخل!

 

مع أنه لم يفهم ما قالته إلا أنه هزّ رأسه كعضو مجلس شعب يمثل أنه فاهم.

 

سألها عن مكتبه الصغير الذي حصل عليه بعد 5 أعوام من العمل في هذه الجريدة.

 

= للأسف؛ قوات التحفظ على أموال الإخوان تحفظت عليه، وقالوا أنهم وجدوا به صورة جيفارا، وكتاب رأس المال لكارل ماركس، وأسطوانة رقص شرقي.

 

– جميل، ولماذا غيروا اسمها من “لجنة التحفظ على أموال الإخوان” إلى “قوات”؟!

 

= لم يغيروها على الورق، ولكني رأيت معهم قوات الأمن فبدى لي أن كلمة قوات تليق عليهم أكثر من لجنة!

 

لم يفكر في أي شيء مما قالته السكرتيرة، فيبدو أنها لا تفهم شيئًا، وإلا ما كانت لتضحك وهي تتحدث معه وكأنها تحدثه عن أن الجريدة حصلت على جائزة أحمد موسى في التطبيل للحكومة، ولكنه فكر فيما قالته أمه في مسألة التخلي عن بيع البطيخ والانتقال إلى بيع الحشيش، ولما عاد لأمه قال لأمه أنه يوافق على الانضمام لزميل والده تاجر الحشيش الكبير.

 

ولكنها أخبرته أنه الرجل ترك تجارة الحشيش، وافتتح جريدة كبرى للدفاع عن الحكومة.

المصدر : مصر العربية

تعليقات
Loading...