ايجي بوست
صورة الكاتبة نيفين مسعد

مشاعر تتجدد

الكاتبة “نيفين مسعد” تكتب تحت عنوان “مشاعر تتجدد” بتاريخ “2017-09-01” في جريدة “الشروق المصرية”.

انقضت الأيام التسعة الأولى من شهر ذى الحجة ووصلنا إلى أول أيام عيد الأضحى المبارك، كل عام وحضراتكم بخير. فى مثل هذه الأيام من العام الماضى كنت فى الأراضى المقدسة، وهى تجربة تركت فى نفسى أثرا لم أتصوره رغم كل ما سمعته من حكايات نقلا عن «الرايحين للنبى الغالى». بدأت علاقتى بالموضوع من زاوية أن الحج فريضة وطالما امتلكتُ المقدرة على أدائها تكون واجبة، لكن إحساسا دفينا بالخوف وربما أدق بالحذر كان يدفعنى إلى تأجيل الحج عاما بعد عام. كان مبعث الحذر هو النظرة الشائعة للحج باعتباره مكافأة نهاية العمر، وعبارة نهاية العمر مثلها مثل الكثير من العبارات التى تبدأ بكلمة «نهاية» كنهاية الطريق تُشعل هواجس النفس، فهى إن كانت نهاية سعيدة فإنها تعنى أن تلك هى ذروة السعادة التى لا مزيد بعدها والحق أنه لم يصادفنى بعد من تكفيه سعادته، وإن كانت نهاية مؤلمة فإنها تعنى إنزال الستار على مشاعر الانكسار وحرمان الأبطال من فرصة جديدة لتغيير واقعهم إلى الأفضل.
***
عندما شاءت إرادة الله وتسلمت جواز السفر خُيل إلى أنه مختوم بختم الجنة وبدا كل ما كان حولى وكأنه يعزف على هذا الوتر. الثياب البيضاء من قمة الرأس إلى أخمص القدمين تحيل مرتديها إلى كائن نورانى شفاف، عشرات الدعوات التى حملنى بها كل من بلغه أمرى تُشعرنى أنى إلى الله أقرب من الآخرين، المصحف الكبير والمسبحة وسجادة الصلاة والكتب التى تشرح شعائر الحج كلها تجهيزات تختلف عن تجهيزات أى سفر آخر فتتحول معها حقيبتى إلى زاد المعاد، المعنى الرائع لكونى ذاهبة إلى زيارة الكعبة المشرفة وأن من دعانى لزيارتها هو الله ــ عز وجل ــ يملؤنى بشعور فريد لا وصف له فتلك هى أول دعوة أتلقاها من الله.
***
تحول الخوف من أن أتخذ خطوة الحج إلى خوف من أن أخطئ فى طقوس الحج، تطوع كل صاحب تجربة سابقة فى الحج بالنصيحة؛ فكان هناك من بالغ فى التيسير وكان هناك من بالغ فى التشدد، قلت: يا رب اهدنى للأصوب وارضنى به، يا رب لا تحرمنى جائزتك التى وعدت بها زائريك. إذ فجأة ألح على دعاء متكرر يقال لكل من غادر دنيانا: اللهم شفع فيه كذا وكذا وشفع فيه حج بيتك الحرام فكيف أضمن أن تكون حجتى سندا للشفاعة لى يوم يقوم الحساب؟. اتخذت قرارا بينى وبين نفسى واسترحت إليه، قررت أننى لن أعطى أذنى لأحد فلرحلة الحج شيخها المسئول عنها وأنا جزء من مسئوليته. وهكذا فعندما كان يحين موعدنا اليومى للقاء شيخنا السمح كنت أُبكر بالحضور، أجلس فى أقرب مكان إليه، أدون إجاباته على أسئلتنا بحرص شديد كأيام التلمذة فى قاعات الدرس، وحين أدخل غرفتى فى المساء تبدأ فقرة المراجعة. بعض الناس لا يفهمون إلا بالتدوين وأنا منهم.
***
عندما تعاودنى ذكرى سفرة حجتى الأولى أتوقف عند مشاهد ثلاثة محببة أحسب أنى لن أنساها ما حييت. المشهد الأول ونحن فى مطار المدينة استعدادا للتوجه لجدة ومنها إلى مكة المكرمة، ها نحن قد أحرمنا وتهيأنا وبتنا قاب قوسين أو أدنى من زيارة أول بيت وُضِعَ للناس، نمشى فى المطار فنكون أشبه بسحابة بيضاء متحركة أو بسرب من أسراب حمام المدينة غير وجهته، حتى إذا شرع شيخنا فى التكبير ونحن نكبر من خلفه بلغ بنا الشوق منتهاه فما عدنا نطيق صبرا على بلوغ المراد. المشهد الثانى ونحن نلتقى مع الكعبة المشرفة لأول مرة.. ها نحن نقف أمام قِبلتنا.. لا نحتاج أن نغلق عيوننا استحضارا للخشوع كما نفعل فى صلواتنا الخمس فالعيون المفتوحة على هذا البيت وتلك الأستار وذاك الحجَر والحِجر والمقام هى عين الخشوع وذروة سنامه، يدق القلب وتلتف الساق على الساق وأنسى كل ما حفظته عن شيخنا وكل ما دونته فى مفكرتى… هل تقبل طواف الفطرة يا ألله؟ تنساب الدموع. فى غفلة من الزمان أفوز بلمسة للكعبة.. مثل سنبلة قمح يحركها الهواء ذات اليمين وذات اليسار راحت حشود الناس تمايلنى فأتشبث بالجدار وأعتصم.. ذنوب العمر كله تتخايل أمام ناظرى فأرتعد خوفا وأبكى كما لم أبكِ أبدا. المشهد الثالث ونحن فى يوم عرفة.. هذا هو يوم الركن الأعظم للحج ولا يجب أن أترك القياد لمشاعرى العفوية هكذا حدثتنى نفسى؛ لا أريد المغامرة ولا أقدر على تحمل نتائجها، سأجمع تركيزى ما استطعت، سأتلو القرآن كما يتلون وأدعو الله كما يدعون وأُكبر وأهلل كما يكبرون ويهللون حتى إذا غربت شمس يوم عرفة أكون قد اقتربت من اللقب الموعود: الحاجة فلانة. قال لنا شيخنا احذروا مكر الشيطان فلسوف يستميت فى هذا اليوم ليصرفكم عن ذكر الله فأستعيذ بالله منه كثيرا وأردد «ويمكرون»، حتى إذا ألقمته فى اليوم التالى أحجارى غشانى شعور بالراحة كبير.
***
ها هى زجاجات مياه زمزم الضخمة تنساب أمام الحجاج العائدين فوق سير الحقائب فى مطار القاهرة فألتقط منها ما يخصنى، يقولون ماء زمزم لما شُرِبَ له فأشرب منه وأدعو الله أن أعود فهل أعود؟ فى اليوم التالى تجد صعوبة كبيرة فى التأقلم مع كل أشيائك التى تركتها من وراء ظهرك وذهبت.. تنظر إليها كأنها ليست لك مع أنها لك.. وتطالع نفسك فى المرآة فتجد ملامح تشبه ملامحك لكن دون أن تطابقها.. ثم تمضى الحياة فإذا الأشياء تستعيد مكانتها بالتدريج وإذا بك تتعرف على صورتك فى المرآة فور أن تطالعها.. تأخذك خطواتك بعيدا عن يوم عرفة فلا يبقى لك منه إلا صيام ساعات ولا تبقى لك صلة به إلا مشاعر حنين تتجدد عاما تلو عام.

المصدر: الشروق المصرية

تعليقات
Loading...