ايجي بوست
صورة الكاتب الصحفي عماد الدين حسين

جريمة حى النرجس!

تحت عنوان :جريمة حى النرجس! كتب الأستاذ “عماد الدين حسين” هذا المقال بتاريخ : 2017-09-02 في جريدة الشروق المصرية

==

إذا صحت الرواية التى نشرتها غالبية وسائل الإعلام فى نهاية الأسبوع الماضى عن «حادثة النرجس فى التجمع الخامس»، فعلينا أن نقلق كثيرا مما هو آت.
التفاصيل لمن لا يعلمها، أن سيدة كانت تقود سيارتها الفارهة بسرعة شديدة، وكادت تصدم طفلة كانت تلهو أمام حديقة فيللا جدها. الجد وهو لواء جيش متقاعد يدعى «مدحت. ط»، نهَر السيدة، وطريقة قيادتها التى كادت تقتل الحفيدة. السيدة قالت له: «سوف أعود بعد ساعتين وأعلمك الأدب ومن أكون!!».
بعد ساعتين جاء زوج السيدة ويدعى إبراهيم سليمان ويعمل فى مجالات المقاولات والعقارات، ومعه عشرات الفتوات، والبلطجية، وقيل إن عددهم وصل إلى سبعين شخصا. حاصروا الفيللا من كل الاتجاهات، ثم دخلوا وعاثوا فيها فسادا، كسروا ساق زوجة اللواء، ويد ابنه الذى يعمل رئيسا لشركة بترولية، وضربوا اللواء بصورة مبرحة، ثم كسروا كل ما وجدوه أمامهم فى الفيللا.
انتشرت القصة التى وقعت يوم الإثنين الماضى ٢١/٨، وحينما نشرتها وسائل الإعلام، بدأت الشرطة والأجهزة المختصة تتحرك، وقبضوا على رجل الاعمال وبعض البلطجية.
ومساء السبت الماضى كانت «الغوايش أو الكلبشات» تلتف حول معصمى رجل الأعمال، الأمر الذى هدأ قليلا من ثورة الرأى العام الغاضبة.
دلالة ما حدث خطيرة للغاية وبها الكثير من العبر والمواعظ. نسمع كثيرا عن «النعرة الكدابة» لكثيرين حينما يتشاجرون ويطلقون شعاراتهم الخالدة ومنها: «انت مش عارف أنا مين وابن مين»، وكنا نظن أن ذلك مجرد فشخرة أو «طق حنك» كما يقول «اخوتنا الشوام«، لكن التهديدات تم تطبيقها هذه المرة، على أرض الواقع.
كنا نظن أيضا أن الفوضى والتخريب ستأتى من طبقات اجتماعية دنيا وعشوائية، لكن هذا الحادث يشير إلى أن الطبقة التى ينتمى إليها إبراهيم سليمان، لا تقل خطرا.
هذه الطبقة كونت ثرواتها فى ظروف غامضة ومريبة، ومعظمها لم يتلق تعليما جيدا، وبعضهم لا يقرأ ولا يكتب، ولا يؤمن إلا بقوة المال، معتقدا أنه يشترى كل شىء، ويضرب به كل شىء وأى شخص!.
لكن الأخطر على الإطلاق أن هذه الحادثة تعنى أن نوعية إبراهيم سليمان لم تعد تخشى من سيادة القانون. حينما تحرك هذا الرجل لمحاصرة فيللا لواء جيش، فإنه كان يدرك تماما أنه آمن تماما من أى عقاب، وأن سطوته ونفوذه وعلاقاته وأصحابه سيوفرون له الحماية الكاملة.
لو كنت مكان وزارة الداخلية وسائر الأجهزة الحكومية المختصة، لقلقت كثيرا من هذه الحادثة؛ لأنها تقول بوضوح أن سطوة القانون تراجعت، وحتى العنف الذى يفترض أن تحتكره الدولة فقط يتآكل.
هذه الحادثة تؤشر إلى إمكانية تفكير البعض فى تشكيل ميليشيات وعصابات سواء لحماية أنفسهم أو لتأديب آخرين وفرض الهيمنة والنفوذ.
المفترض بالطبع أن وزارة الداخلية توفر الأمن للجميع، وتطبق القانون على الجميع، هى وسائر الهيئات القضائية، لكن للأسف فإن هذا الأمر لا يتحقق بالكامل على أرض الواقع. هنا يضطر الناس إلى أخذ حقوقهم بأيديهم. للأسف أيضا فإن بعض أجهزة الشرطة، تنسحب تماما من كثير من أدوارها، ويتداول الناس حكايات كثيرة عن سرقة سيارات أو خطف أشخاص طلبا للفدية، وحيمنا يلجأون للشرطة يتلقون جوابا: «مشّوا حالكم واتصلوا بالخاطفين أو اللصوص»!!!.
لا أعرف مدى دقة هذه الحكايات، وأتمنى ألا تكون صحيحة، لكن كثرة تداولها يشير إلى انخفاض الإحساس بالأمن الاجتماعى والجنائى إلى حد كبير.
تفشى الإحساس بالقوة الغاشمة لدى من يملكون الفلوس والقصور والنفوذ فى الأحياء الراقية الجديدة حول القاهرة، يمثل خطرا داهما على الأمن القومى والاجتماعى لهذا البلد. بعض هؤلاء يتصرفون باعتبارهم بلدا مختلفا، ويتعاملون مع الفقراء باعتبارهم «جربا» ينبغى تجنبه.
وأمثال هؤلاء ينبغى أن تلتفت إليهم أجهزة الدولة، وأن تبعث إليهم برسالة واضحة مفادها: «لستم فوق القانون، وسوف تنالون عقابكم».. وأتمنى أن تكون صورة رجل الأعمال وهو مكلبش بداية هذا التغيير!.

==
هذا المقال نشر في جريدة الشروق المصرية والرابط الأصلي له
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=01092017&id=34956903-1b34-43ed-9511-62d8950cab0b

تعليقات
Loading...