ايجي بوست
الإقتصادي مدحت نافع

في رحاب الأربعين

الإقتصادي ” مدحت نافع ” كتب مقالا جديدا علي موقع ” مصر العربية ” بعنوان ” في رحاب الأربعين ” بتاريخ ” 2017-09-02 ” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

ما زلت أذكر أياماً كنت أحصيها ثقالاً بين عيدي ميلادي! هذا عام أدخل فيه المرحلة الإعدادية أنتقل إلى صفوف الكبار الذين بدت شواربهم ترسم خطوطاً دقيقة في صفحات وجوههم. وذلك عام أستخرج فيه بطاقة شخصية، أهرع إلى مكتب السجل المدني في اليوم التالي مباشرة لتمام السادسة عشر، فيكون معى بطاقة تعريف للهوية، تمنحني شيئاً من الاستقلال وشهادة ثبوت للذات. وبطيئاً يمر عامان فيكون لي حق استخراج رخصة لقيادة السيارة، وهى مرحلة جديدة تماماً تلى مباشرة المرور بالعقبة الكبرى في المستقبل التعليمي التى تسمى الثانوية العامة تمهيداً لدخول الجامعة، وفيها يبدأ المرء رحلة الإعداد لسوق العمل، وهى رحلة ظننتها مستقيمة لا عوج فيها، فقط قرار يتخذ بالكلية محل الاختيار ومن ورائه بدائل محدودة لمسارات معروفة مسبقاً..كنت واهماً، لا شئ يسير فوق قضبان قطار، ولا خطط تصمد أمام الغيَر والتقلبات. 
 
انتصف العمر..كثير من القرارات المؤجّلة لم تتخذ لأنها كانت موقوفة على آمال وشروط لم تتحقق!! كثير من المتع والملذّات تلاشت مع الأيام، وتضاءلت مع تغيّر نسق الاهتمامات! أتساءل هل مازال في العمر متسع لترك بصمات يذكرني بها الناس؟..هل يسعد بى أبى متى التقيته في دار الحق بعد زمن طال أم قصر؟ يمتزج فى صدرى القلق بالطموح والإصرار،  أخاف أن يلتبس علىّ الرضا بقضاء الله بالدعة والاستسلام.
 
حائر بين ملاعب الشباب التى صرت فيها غريباً، ومجالس الشيوخ التى أدعى إليها مجيباً. أعتاد المفردات الحديثة ببطء وحذر، وآلف قديم القول والفعل والخصال. أستقبل الأربعين لا أنتظر بعدها الكثير، “ومن نعمّره ننكسّه فى الخلق”.
 
أحاسب نفسي على ما ضيّعت وما فرّطت وما أسرفت وما أمسكت، أعاتب نفسي على ساعات الغضب وأيام الحزن وأنّات الندم. أضيق بخطوط العمر أراها ولمّا أنجز ما حسبتني منجزه في ريعان صباي. تصورت نفسي أحرز سبقاً في العلم والعمل والأربعين أمامي على بعد أشواط لا خلفى..فرّت سنوات العقد الثالث وانفرطت كأنها أيام، أتطلع خلفي مليّاً فأراها غنية بإنجازات شخصية وأسرية، توزن بمكيال لا تعرفه أقلام السيَر وتراجم الأعيّان.
 
اختص الله الأربعين في كتابه بدعاء كأنه تجديد للدين، وكشف حساب لنقطة انقلاب يولد فيها الإنسان خلقاً آخر.. “حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ” هو عمر نزلت فيه رسالة على إنسان كامل (كمال إنسانىّ) فغّير مصير البشرية في عقدين وسنوات ثلاث!  جاهد وحارب وعلَّم وأسّس وقاد بعد بلوغ الأربعين، ولا نكاد نعرف عنه الكثير قبل تلك السن! 
 
هو عُمر بلغه أبى ولم يكن قد التقى أمى بعد وما سبق له الزواج، وما أنجبنى إلا بعده بعقدين دونهما سنتين! فما لبث أن صاغنى وشكّلنى ثم رحل عنّى فى عقدين آخرين. هو عام بلغه نجوم طفولتنا قبل سنوات ومازال بعضهم يصغروننا شكلاً وتميّزاً وعطاءً..هو عمر كنت أسمع أبى يصف أصحابه بالشباب، فأضحك وأخوتى نحسبه مازحاً، أتمنى اليوم لو لم يكن يمزح!. نجوم وأعلام في فنونهم وصناعاتهم رحلوا، أحببتهم وكنت أعلم أني يقيناً ملاقيهم قبل الرحيل فلم ألقهم! ودونهم نجوم وأعلام جمعتنى بهم زمالة وصداقة وكانوا أبعد الناس عن سبيلي!
 
أستقبل الأربعين ميلادية فى وقفة عرفة للعام 1438 هجرياً، وقد أتيت إلى الدنيا فى ذكرى ليلة بدر الكبرى عام 1397 هجرياً، عاصرت قرنين وأدركت ألفية جديدة. حججت بيت الله وسجدت له فى بقاع وبلاد لا أحصيها، جمعت أخباراً وعلوماً أدركت منها أنّى لم أتعلم شيئاً يذكر.
 
أستقبل الأربعين ولى من الولد ذكر وأنثى، لا أرى الدنيا إلا بعيونهما ولا أسيغ طعاماً إلا ما طاب لهما. أستقبل الأربعين بقلة حيلتى على التدبير، وبيقين صادق أن الله يدبّر الأمر لا شريك له فى ذلك. أعلم أن ما بقى من العمر قد يكفى لبناء الأمم وقد يكفى لزفرة لا تعود. أنتظر الموت لا اتمناه أبدأ ولكنه الحق ما من محيص.

المصدر : مصر العربية

تعليقات
Loading...