ايجي بوست
الكاتبة البحرينية خولة مطر

أضحية العيد وهم

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “أضحية العيد وهم” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-09-04” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

كان المذيع يعيد السؤال ويكرره على المتصل من تلك المدينة المحاصرة والمنسية.. نسى الجميع حصارها وذبح شعبها الممنهج وتناسى مأساتها وحولها إلى خلاف على من يدير تلك المدينة.. ثم ازدادت الأقاويل والتكهنات والشائعات وغيرها حول مصيرها الذى هو امتداد لتاريخ من الانتقال من وصاية لاحتلال إلى حصار إلى قتل، إلى دمار، إلى تجويع.. وفيما كانت غزة فى لحظة تاريخية هى وجع العرب كما كل فلسطين استطاعوا أن يحولوها اليوم إلى حربهم على الإرهاب ويضموها إلى سلسلة من النزاعات حتى يدفع أهلها الثمن مرة لأنها محتلة ومرة لأنها محكومة من تنظيم معين وتارة لأنها فقط فلسطين آخر بلد محتل على وجه الأرض.
*** 
يعود المذيع فهو غير مهموم الآن إلا بموضوع الحلقة وهو الاستعداد لعيد الأضحى فيسأل تلك القابضة على الجمر هل بدأتم فى شراء الأضاحى فترد بكثير من العزة بالنفى وتعيد ربما تذكيره والمستمعين لإذاعته التى هى الأكثر استماعا من نواكشوط إلى مسقط.. تعيد لا نستطيع أن نشترى الأضاحى لأسباب عدة فأولا نحن لا نملك ثمنها وتكرر بخجل نحن محاصرون منذ سنين وكذلك نتيجة لعدم توفر الكهرباء فلا يستطيع أهل غزة أن يخزنوا أى طعام.
*** 
يقطع المذيع الحديث مع السيدة الغزاوية ويقول لدينا اتصالا آخر وكأنه يريد أن يسمع أمرا آخر، ربما أن يقول له أحد المتصلين من غزة بأنهم ورغم الحصار والدمار والبطالة والفقر والعوز والمرض.. هم بخير ويحتفلون بالأعياد الدينية وغيرها كما كل المسلمين والعرب ويشاطرون أخوتهم فى كل بقعة هذه الفرحة رغم أن إخوتهم وأخواتهم بقوا لسنين يتفرجون على الذبح الممنهج ورغم أن إخوتهم وأخواتهم تركوا الفلسطينى وحيدا يدافع عن المسجد الأقصى.. فما هو المطلوب من الفلسطينى ليثبت أنه أكثر إيمانا وقربا لله؟؟
***
قال المتصل الآخر ربما كلام مشابه وصف الحالة فى غزة بل فى كل فلسطين أو ما تبقى منها خلف الجدار أو ما بينه.. أمام المستوطنة التى قضمت نصف أو كل أرضه، عاد ليقول إنهم فى غزة لا يتحملون تكلفة الأضاحى فعلى الله أن يغفر لهم هذا العام ويكتب لهم أوقاتا أفضل، وكأن عليهم هم أن يثبتوا قربهم لله وكأن وقوفهم وصمودهم ودفاعهم عن أرضهم ومقدساتهم ليس عبادة بل قرب منه.
***
ليس مستغربا مثل هذا الحوار فى زمن كثرت فيه مظاهر الدين وقل الإيمان والتدين.. وليس غريبا أن يسأل أهل غزة عن أضاحى العيد وكيف سيحتفلون بعيد الأضحى فى مدن كثرت فيها الجوامع حتى أصبحت أكثر من المدارس والجامعات والمستشفيات، وليس عجيبا أن نبقى نحن فى هذه الأوطان الممزقة مشغولين بالقشور فى كل شىء حتى فى الدين، كما أنه ربما من الطبيعى أن تكثر المظاهر فى ظل قنوات مفتوحة لساعات الليل والنهار يتحكم فيها جهلة رأس مالهم فى الدين هو ذقن وسبحة وثوب قصير ونساء منتقبات يلقنون الدروس فى الجهل والقشور، وليس مستغربا أن يصبح الدين وكل فروضه وسيلة أخرى للنهب حتى أصبح الحج أمنية للفقير لا يستطيع أن يؤدى الفريضة إلا بعد أن يعمل الأبناء ليل نهار أو أن يدفع «بتحويشة» العمر فيما بالطبع هناك حج خمس نجوم كما كل شىء آخر فى عالمنا وهو حج النخبة الثرية أو محدثة الثراء بالخيام المكيفة وموائد الطعام التى تشمل السالمون المدخن والكافيار.
***
يأتى العيد وهذه الأرض ممزقة أكثر من أى وقت مضى والعرب كل فى عالمه، لا يبدأ الحديث إلا بالبسملة ولا ينهيه إلا بآيات من الذكر الحكيم وهو أبعد ما يكون عن النصح والإرشاد وعن الولاية أليس للولاية أصول وأسس؟
والعيد للمحاصرين فى غزة وفى كل فلسطين هو مزيد من التقرب للأرض عبر التمسك بها فيما ينغمس العرب فى متاهات وحروب عبثية ويتنافسون على التقرب لله فيما يهرول بعضهم صوب تل أبيب!!!!
***
جامع لأن الله فى كل مكان والصلاة له ممكنة على أرض الله الواسعة.

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...