ايجي بوست
الكاتبة آلاء الكسباني

لأن برج إيفل لا يُظلِم إلا للرجل الأبيض!

04 سبتمبر 2017

آلاء الكسباني

تساؤل طرحه الكاتب والمُدَوِن “شادى لويس بطرس” في منشور له على صفحته بموقع الفيسبوك، تساؤل يجعلنا جميعاً نقف أمامه عاجزين عن الإجابة، غير قادرين على فعل شيء سوى بالشعور بالأسى لعجزنا الذى لا يكسر صمته سوى بعض الكتابات التي تنتشر هنا وهناك، معلنة عن نفس تغلى مراجلها بالغضب، وتستعر بنيران الإنسانية المحطمة، تساؤل ينظر إلى العالم نظرة فاحصة، ويضعه أمام نفسه في المرآة، ليرى ازدواجيته البشعة، وعدم اهتمامه سوى بتوفير المزيد من القوة للأقوياء ليحموا أنفسهم! تساؤل بسيط، قوامه، لماذا لا يُظلِم برج إيفل إلا للضحية الرجل الأبيض؟!

 

***

حين أسمع بحدوث مأساة عالمية في أي من بقاع البسيطة، أمتنع غالباً عن متابعة السوشيال ميديا، التي استطاعت أن تجلب لك الأخبار صوتاً وصورة وكأنك تُعايش الوقائع وتعيش بداخلها، امتنع عن رؤيتها حتى لا تأتين، في أسوأ كوابيسى، لكن هذه المرة لم أستطع أن أمنع نفسى، لإننى وللأسف كنت أتصفح الفيسبوك من الـ wifi، وهو ما يحول دون عدم تشغيل الفيديوهات والمقاطع الصوتية إلا باستئذان منى، لأجد أحد أبشع الفيديوهات ينفتح أمامى رغماً عنى، ويجبرنى على مشاهدة جنود يحملون عصى وآلات صعق وأسلحة حادة، يتجردون من حسهم الإنسانى بشكل كامل يدعو للدهشة من وجود قدرة على التجرُد من كل ذرة من المشاعر لهذه الدرجة، يضربون أناس لا حول لهم ولا قوة، يختلط صوت صياحهم المدوى بصوت العصى وآلات الصعق، ليترك فيك أثراً يتغلغل إلى أعماقك، يجعلك كما نقول بالعامية المصرية “تكشف شعرك وتدعو عليهم”، تدعو بأن يصدم كوكب الأرض نيزك يريح الكون منا، يثير كل الأسئلة الوجودية القائمة منذ أزل التاريخ في ذهنك، لماذا خلق الله من يفسد فيها ويسفك الدماء؟! لكنك لا تجد إجابة، تجد فقط أناس يصرخون التعذيب والاغتصاب والقتل، فقط لإنهم يعتنقون ديناً يختلف عن دين الأغلبية، الأغلبية التي تظن إنها قد امتلكت صكوك السماء للغفران، وإنها تمسك بكلتا يديها حكمة الرب، ومفتايح الجنة، وبهذا فكل من يخالفها يستحق القتل وسفك الدماء وهتك العِرض، لتنبثق حملات لتطهير الأرض من أولئك الأنجاس، فيُقتَل في ثلاث أيام فقط قرابة الثلاث آلاف إنسان، دون أن يرمش للعالم بأسره جفن، رغم إن الأحداث لا تجرى في منطقة بعيدة عن بؤرة الأحداث، بل بين أكبر قوتين آسيوتين، الهند والصين!

 

وبين كل هذا، لا يُظلِم برج إيفل ولا حتى لواحد فقط منهم، لا يطارد صراخهم أحد، بل يتبدد عبر الأثير، يذهب سُدى، دون أن يسمعه أحد، ولا يخرج المنظرون لمحاولة تبرير الأمور، مُعلقين الخطأ على نسخة أكثر راديكالية وتطرفاً من البوذية التطهيرية، محاولين تبرئة ذمة الإله بوذا من دماء المسلمين، مبرهنين على عدم مسئوليته منهم بمنح رئيسة وزراء بورما البوذية جائزة نوبل للسلام في العام ١٩٩١ من أجل دعوتها للنضال اللاعنفوى، مُرجعين أسباب اضطهاد المسلمين والقيام على تطهيرهم عرقياً إلى زرع الاحتلال البريطاني لأواصر الكراهية والتفرقة بين المسلمين والبوذيين منذ عشرات السنين، لم يحتاج البوذيون إلى إيجاد أي مبررات، لإن العالم لم يعبأ بإدانتهم أصلاً، فقد قتلوا قرابة الآلاف من البشر فحسب، وعذبوا مئات آخرين، واغتصبوا عشرات أخيرات، لكن هؤلاء جنيهاً مسلمين، فما المهم في أن يقل تعداد السكان المسلمين من ٣.٩٪‏ إلى ٢.٣٪‏ في حملات التطهير العرقى في الثلاثين سنة الأخيرة فقط من تاريخ اضطهاد المسلمين في بورما، وما الذى يقارنه لتقل عشرة أو إصابة خمسة في تفجير أو عملية دهس في دولة أوروبية، ما الذى يجعله على نفس الدرجة من الأهمية، ليدين العالم بوذى بورما شعباً وحكومة، ليس حتى أن تضئ معالمه بالعلم البورمى؟!

 

***

قد يظن من يقرأ مقالتى، إننى مشحونة بالعواطف كونى امرأة مسلمة قبل أي شيء، قد يظن إن هذا الانفعال الناجم عن كتاباتى هو الشعور بالمظلومية البحتة جرّاء رؤية أناس من دينى يحرقون أحياء، لكنهم لا ينظرون إلى إن ما يحركنا في الأساس هي إنسانيتنا، وشعورنا باقتراب اليوم الذى سيجتر فيه الجنس البشرى لأذيال خيبته وراءه، وهو ما تُثبته مجريات الواقع الآن، لإننا نرى بقلوبنا، ندين أي عنف، وأى رغبة في سفك الدماء بناء على الاختلاف في الجنس أو العرق أو الدين، وهو ليس بكلاماً نكتبه في كشاكيل التعبير بحصة اللغة العربية بصفوف الابتدائى والإعدادى والثانوى، إنما هو إيمان متجذر وعميق بالمبدأ الذى لا يتجزأ، والذى جعلنا نصرخ بأعلى طاقة في أصواتنا بكلام قد يبدو كليشيه جداً، لننقل صيحات آلاف البشر الذين يلاقون أهوال مصائرهم فقط لإنهم يؤمنون بالله بطريقة مختلفة، في الوقت الذى يصم فيه العالم آذانه عن هذه الصيحات، لإنهم ليسوا بيض، ولإنهم مسلمون، بل كان يرفض حتى أن يصدق إن ما يحدث حقيقى قبل عصر التصوير والإنترنت، كان يُكذِب شهادات الناجين والمعايشين لأهوال التعذيب، لكنه يؤمن بكل ثقة في الهولوكوست، ويصم كل من يكذبها بالعنصرية والنازية ومعاداة السامية، فقط لإن الضحية هنا أكثر قيمة من ضحايا بورما.

 

عالم يملأك بالرغبة في التقيؤ، ويدفعك إلى الإيمان بإننا مسوخ هائمة مشوهة، ليس أكثر من هذا!

اقرأ أيضا

تعليقات
Loading...