الدكتور مصطفي الفقي

فى جدوى الندوات والمحاضرات

الدكتور “مصطفي الفقي” كتب مقالا بعنوان ” فى جدوى الندوات والمحاضرات ” في جريدة “الأهرام المصرية” ويمكن الأن قراءته عبر مقالات مصرية .

أتذكر مئات الندوات والمحاضرات التى شاركت فيها أو استمعت إليها لكى أطرح سؤالًا مشروعًا يقلقنى دائمًا وهو يدور حول جدوى تلك الندوات والمحاضرات، فما أكثر ما انعقدت جلساتنا واكتملت أعدادنا متحدثين أو مستمعين حول القضايا الكبرى والمشكلات المهة والأزمات الخطيرة وبانتهاء كل اجتماع لا يبدو غالبًا هناك عائد مباشر على الأطراف من كل الاتجاهات بل على العكس تجد ترديدًا مملًا لنفس العبارات والشعارات وكلها مكررة وغير مبررة ولا معنى لها، ولقد لاحظت أن (الموضة) فى أحاديث العامين الأخيرين قد دارت حول تجديد الخطاب الدينى وكلما التقينا ألقى كل واحد من الحاضرين كلمة عصماء فى تمجيد ذلك الطرح مع إسهاب واضح واستطراد شديد يكاد يكون مكررًا فى كل لقاء بل وما يقوله معظم المتحدثين فى اللقاء الواحد، ولذلك فإننى أظن مخلصًا أننا يجب أن نعيد النظر فى الاجراءات المتبعة لإقامة الندوات والمحاضرات وأن نفكر أكثر فى آلية جديدة تجعل كل ندوة أو محاضرة لا تبدأ من الصفر ولكن من حيث انتهت غيرها حول ذات الموضوع كما يجب أن نفكر جديًا فى اختصار الأحاديث والمداخلات لكى تكون مركزة فى نقاط محددة أما السرد والاستطراد فهما يعبران عن عدم فهم للموضوع وعدم إدراك لطبيعة القضية التى نتعامل معها، ولعلى ألفت نظر القارئ إلى بعض الملاحظات:

أولًا: لقد كتبت منذ أكثر من عشرين عامًا مقالًا شهيرًا بعنوان (فى جدوى الكتابة) واستقبله القراء بحفاوة زائدة ورد عليه الناقد الأدبى الكبير الراحل رجاء النقاش فى نفس المكان من صحيفة الأهرام بمقال عنوانه (مصطفى الفقى وجدوى الكتابة)، ولقد عبرت فى المقال يومها ووافقنى الكاتب الكبير على أن نسبة القراء تكاد محدودة للغاية وأننا نتوهم نحن الكتاب أننا نلقى بصخور ضخمة فى المياه الراكدة وهذا غير صحيح لأن نسبة من يقرأون كما ذكرت ليست كبيرة بل إنها تتجه إلى التناقص بشكل ملحوظ بمنطق المنافسة مع الميديا الجديدة فضلًا عن التقدم التكنولوجى الكاسح فى وسائل الاتصال الإعلامى والاجتماعي، ودعنى أكن صريحًا لكى أقول إن تراجع نسبة القراء يرجع أيضًا إلى إن معظم الصحف أصبحت نسخًا مكررة من بعضها البعض كما أن من يقرأون لا يعلقون ولا يستفيدون مما يقرأون ولا يتحاورون حول الأفكار المطروحة لذلك فإننى أقول وبكل ثقة إننا أمام حالة جديدة تجعل الندوات والمحاضرات نشاطًا هامشيًا يحتاج إلى مراجعة أمينة لتعظيم الفائدة منه وحتى تكون النفقات عليه مبررة ومقبولة.

ثانيًا: إن فتح الندوات والمحاضرات للمتخصص وغير المتخصص قد أحالها إلى برلمانات صغيرة بينما هى مراكز بحث وجلسات عصف ذهنى بالدرجة الأولى لذلك فإن الندوات المتخصصة والمحاضرات العلمية أجدى بكثير من تلك التى يجرى فيها التراشق اللفظى والخلاف الفكرى بغير سند أو دليل ولكن تتردد فيها شعارات زاعقة وأصوات مرتفعة لا تدل على شيء له قيمة إلا حب الظهور وإشباع الميول الاستعراضية.

ثالثًا: لابد من تسجيل كامل للندوات المختلفة والمحاضرات المتخصصة لأن ذلك جزء من ذاكرة الأمة وعقلها المستنير ومن غير المبرر على الإطلاق أن تذهب كل الآراء والأفكار فى الهواء دون أن تكون هناك إفادة منها أو مردود لها، كما أن نشر ما يصدر عنها للعامة هو تعميم للفائدة وطرح شامل للقضايا أمام الجميع، إننا يجب أن نتخلى عن المشافهة فى الآراء والأفكار وأن نسجل ما نريده كتابة لأن ذلك يحفظ الذاكرة الوطنية ويقدم للأجيال الجديدة تصورات تعينهم على ما هو قادم لأن التراكم أساس لحركة المجتمعات ولا يمكن أن نتصرف بالقطعة وأن نبدأ كل مرة من لا شيء.

رابعًا: إن التحريض على التفكير وفتح الحوار البناء هو وظيفة ومسئولية فى نفس الوقت للندوات والمحاضرات ولابد أن يحمل كل منها رسالة واضحة يجرى توجيهها إلى الآخر وما لم نتمكن من الخروج برسالة محددة فإننا نكون قد أخفقنا فى تحقيق ما نتطلع إليه، وأنا أدعو صراحة إلى التفكير العلمى والأسلوب الواضح الذى يجعلنا نخرج بنتائج إيجابية من كل محاضرة أو ندوة مهما يكن موضوعها.

خامسًا: كانوا يقولون إن القاهرة مدينة الألف مئذنة وبدأوا يقولون إنها بلد الألف ندوة وذلك لأن المرء يجد نفسه أحيانًا مدعوًا لأكثر من ثلاث ندوات فى يوم واحد ولكل منها قيمتها وأهميتها ولكن لا يوجد تنسيق بينها، وقد يكون موضوع المناقشة مشتركًا ولكن ليس هناك تعاون من قبل مع الطرف الآخر ناهيك عن ذلك النمط من اللقاءات الثقافية تحت عناوين (الروتاري) و(الأنرويل) وغيرهما من التجمعات ذات الطابع الدولى والتى بدأت تستحوذ على اهتمام كبير لدى قطاعات مختلفة من المجتمع خصوصًا الشرائح العليا منها حتى أصبحت تلك النوادى بديلًا للأحزاب السياسية أو التجمعات الوطنية رغم أنها تعمل فى ظل فلسفة خيرية لا علاقة لها باتجاه بعينه ولكنها تبقى فى النهاية نموذجًا للحوار المفتوح على ساحات الوطن فى القضايا المختلفة، إننا نكون بصدد آلية إضافية للعمل الثقافى والفكرى على أرضية مجتمعية ذات طابع خاص.

إننى أدعو إلى أن يكون الحوار ممتدًا والحديث متواصلًا حول القضايا العامة ومشكلات المجتمع على ألا ينتقص ذلك من درجة الموضوعية وفلسفة التجرد والحياد الأكاديمى الذى يخدم غايات الوطن وأهدافه الكبرى.

 

المصدر : جريدة الأهرام المصرية اليومية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...