جهاد الخازن

عيون وآذان (ناجي العلي وتحقيق جديد في اغتياله)

الكاتب “جهاد الخازن” كتب مقالا بعنوان “عيون وآذان (ناجي العلي وتحقيق جديد في اغتياله)” علي موقع عربي21 ونشر بتاريخ “2017-09-06” ويمكن قراءته الأن علي موقع مقالات مصرية .

ذات يوم من سنة 1987 وصلت إلى بيتي في لندن (وكان في سلون أفينيو) ووجدت أمي، رحمها الله، تقف عند الباب والقلق بادٍ على وجهها. لم تتحْ لي فرصة وإنما قالت إن رجلاً قتِل قرب نهاية الشارع الذي يربط بين شارعي كنغز وفولام.

تركت أوراقي على الباب، وسرت إلى حيث أشارت الوالدة، ووجدت رجال شرطة وسيارات رسمية.

عندما بدأت أسأل ماذا حدث، استوقفني شرطي وسألني: هل كنت موجوداً عندما قتِل الرجل؟ قلت له إنني كنت عائداً من العمل، وأمي نبهتني إلى الحادث لكثرة الناس المتدافعين، إلا أن بيتنا يبعد حوالي مئة متر قرب الطرف الآخر للشارع.

القتيل -أو الضحية- كان ناجي العلي، أشهر رسام كاريكاتور عربي في حياته. وهناك محاولة بريطانية الآن لفتح تحقيق جديد في الحادث. لا أعرف ما إذا كان هذا التحقيق سيبدأ، وما إذا كان سينتهي إلى شيء لا نعرفه. لكني أقول إن الاستخبارات الإسرائيلية قتلت ابن فلسطين، لأن الكاريكاتور الذي كانت تنشره له جريدة “القبس” الكويتية الرصينة يعادل فرقة من العسكر، أو أكثر من ألف فدائي. وهو نشر قبل ذلك كاريكاتوره في “السفير” اللبنانية.

الشرطة البريطانية قررت إعادة فتح التحقيق في اغتيال ناجي العلي، ولا أعرف ما إذا كانت عندها أسباب جديدة، أو مادة تبرر العودة إلى تلك الجريمة. ما أعرف هو أن سكوتلانديارد نشرت صورة تشبه السلاح الذي استُعمِل في الاغتيال (مسدس) ورسماً تقريبياً للقاتل وأيضاً للشارع حيث قتل، شارع بيتي القديم. المسدس الذي قتله ضُبِط وموجود لدى الشرطة.

ناجي العلي اغتيل قبل 30 سنة، ودين هايدون، رئيس قسم مكافحة الإرهاب في الشرطة، قال قبل أيام إن أشياء كثيرة تتغير في 30 سنة، بما في ذلك ولاء أفراد رأوا عندما قتِل الرسام الفلسطيني أن كتم ما يعرفون يحفظ سلامتهم، واليوم ربما كانوا يرون أنهم أصبحوا أكثر استعداداً لتقديم ما عندهم من معلومات عمّا رأوا أثناء تنفيذ الاغتيال.

كم كنت أتمنى لو أن جميع الرسوم الكاريكاتورية لناجي العلي تُجمع في كتاب مع مقدمة وافية تشرح خلفية الرسام، ومناسبة بعض الرسوم. كان ناجي العلي اختار الطفل حنظلة لكثير من رسومه، وهو قال للكاتبة المصرية رضوى عاشور سنة 1985 إنه كان في عمر حنظلة عندما هاجر إلى لبنان من فلسطين بعد قيام إسرائيل سنة 1948، وشخصية الطفل لا تمثل فلسطين الجغرافية فقط، وإنما هي رمز أيضاً للجانب الإنساني، سواء في فلسطين أو فيتنام أو جنوب إفريقيا.

ناجي العلي أصيب في الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو عام 1987 وهو في طريقه إلى مكتب “القبس” في لندن. الرصاصة أصابته في صدغه، وهو نقل إلى المستشفى وتوفي فيه قبل أن يبلغ الخمسين من العمر في التاسع والعشرين من آب/ أغسطس من السنة ذاتها. الشرطة البريطانية اعتقلت إسماعيل صوان وكان باحثاً فلسطينياً من القدس عمره 28 سنة ويعمل في جامعة هَلْ.

الشرطة وجدت في شقة صوان أسلحة ومتفجرات للقيام بأعمال إرهابية، إلا أنها لم تستطع ربطه باغتيال ناجي العلي، ووجهت إليه تهمة امتلاك أسلحة. وجدت الشرطة بعد ذلك أن الاستخبارات الإسرائيلية، الموساد، كان لها عميلان مزدوجان في بريطانيا يعملان أيضاً لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 الشرطة البريطانية لم تثبت علاقة الموساد المباشرة بالاغتيال، ولكن حكومة مارغريت تاتشر كانت غاضبة وطردت ثلاثة دبلوماسيين إسرائيليين كانوا يعملون في السفارة، بينهم ملحق عسكري اعتُبِر مسؤولاً عن العميلَيْن المزدوجين.

رأيت ناجي العلي في بدء عمله في بيروت وأنا طالب جامعي، ولن أزعم اليوم أنني أعرفه معرفة وثيقة. ما أقول إنني كنت أنتظر رسومه الكاريكاتورية يوماً بعد يوم لأنها كانت تعبر عن رأيي الشخصي في السياسات العربية، خصوصاً الفلسطينية منها.

لا أجد اليوم ما أفعل سوى إدانة الإرهاب الإسرائيلي والترحم على ذكرى أعظم رسام كاريكاتور أنجبته فلسطين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “عربي21”

المصدر : الحياة اللندنية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...