الكاتب والمدون أحمد ناجي

شبح الماسونية: المهندس الأعظم خالقنا وزميلنا

الكاتب ” أحمد ناجي ” كتب مقالا بعنوان ” شبح الماسونية: المهندس الأعظم خالقنا وزميلنا ” في موقع ” المدن ” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية
.

تحت رعاية المحفل الوطني المصري، أقام محفل الفنان المصري في شرق القاهرة، جلسة اعتيادية، يوم الثلاثاء 23 مايو 1930، برئاسة الأخ كلّي الاحترام عبد العزيز حمدي، رئيس المحفل. وفي تلك الجلسة قُلّد يوسف بك وهبي وسام التقدير الماسوني، تكريماً لجهوده الأخيرة في نشر الفن المصري في شمال أفريقيا. وفي هذه المناسبة ألقى وهبي مُحَاضرة بعنوان “ماذا رأيت وماذا سمعت في شمال أفريقيا”، بعد عودته وفرقته المسرحية من جولة فنية هناك.سيتقلد يوسف وهبي رئاسة محفل الفنان المصري بعد ذلك، وسيجذب لعضوية المحفل عشرات الأسماء من نجوم السينما والمسرح في ذلك الزمان. في يونيو 1953، نشرت مجلة “الفن” المصرية تفاصيل زيارتها لمحفل الفنان المصري وحضورها حفل تنصيب الفنان محسن سرحان. وقد سرد الزميل محمود الزيباوى تفاصيل الحفل الذي حينما انتهى، تقدم محرر مجلة “الفن” ليسأله: “هل الماسونية هيئة دينية؟”، فردّ بالنفي، فأردف الصحافي مستفسراً: “لماذا يقولون باسم مهندس الكون الأعظم؟”، فأجاب بأن ذلك يماثل قول المسلمين “بسم الله الرحمن الرحيم”، وقول المسيحيين “باسم الآب والابن والروح القدس”. واستنتج المحرّر: “إذا هي جمعية دينية لأن لها بسملة؟”، فتملّص محسن سرحان من الإجابة، وقال: “لا، لا، أنا لا أعرف، إسأل أخاً أقدم مني، أنا ما زلت جديداً”.وفي صورة أخرى من المحفل الوطني، يظهر الفنانون وأمامهم الكتب السماوية الثلاثة: القرآن، التوراة، والانجيل. هل نحن إذن أمام دين جديد؟ أم فلسفة عابرة للأديان؟ أم أنه كوكتيل من الأديان الثلاثة؟ ثم ماذا عن القيم التنويرية التي حملتها الماسونية، وصراع الكنيسة معها؟ إذا كانت الماسونية حركة تعترف بالأديان وتؤمن بالله، لكنها تعتمد وصفها له بمهندس الكون الأعظم، فلماذا حاربتها الكنائس الأوروبية والعربية، والتيارات الدينية المختلفة؟أحمد زكي أبو شادي (1892- 1955)، مؤسس مدرسة “أبوللو” الشعرية التى قادت الحركة الرومانسية في الشعر العربي، وضمت شعراء مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه، خاض معارك أدبية مع وحوش الساحة في ذلك الزمان، أمثال عباس العقاد وعبد القادر المازني اللذين رفضا منهاج الحركة الرومانسية. وقد كان طبيباً وناشطاً في الحركة الوطنية، وماسونياً فخوراً بماسونيته، ووضع كتباً عديدة وكتيبات عن الماسونية أشهرها “البناية الحرة”.

في كتابه “عقيدة الألوهية” يقدم أبو شادي ما نفهم من خلاله الطبيعة الباطنية للماسونية. فهو يؤكد في البداية أن “عقيدة الألوهية من الناحية الفلسفية العلمية هي ظاهرة سيكولوجية، هي إحساس الجزء بالكل، وهي تتدرج تحت أسماء مختلفة من شعور الإنسان نحو وطنه ونحو زعيمه، ونحو الانسانية مثلاً، إلى شعوره نحو الكون بأسره ونحو الألوهية الشاملة والمطلق”.
يطرح أبو شادي إذن صوفية تعترف بضعف الإنسان وبحاجته إلي اختلاق الأوهام وتتبعها، ويرى أن الأمر حاجة نفسية داخل البشر. لكن بينما يوجه البعض هذه الحاجة إلى غيبيات تصب في مصلحة التعصب والكراهية، أو إلى مصالح فردية لبعض رجال الدين، أو تَصنع متصوفة ومتدينين رافضين للعلم والتطور، يدعو أبو شادي إلى صوفية يكون أساسها العِلم، تتفكر في الكواكب والنجوم والكون وتسعى إلى فهم قوانينها كي تكون جزءاً منها، أو كما يقول في قصيدته:وأحس أني في اندماج دائم ….. بالكون، والكون العظيم حياتيأتأمل الساعات في أجرامه …. وكأنني متأمل في مرآتي.تبدو أفكار أبوشادي وكأنها انعكاس للأفكار الصوفية الماسونية التي تتكرر لدى الماسونيين الفرنسيين. فمن أجل خلق رابطة أخوية، تتجاوز مفَاهيم العرق والطبقة والوطن والدين، سعت الماسونية إلى خلق طقوسها السرية، وإكساب هذه الطقوس طابع التأمل الذهني والممارسة الصوفية المتصالحة مع العِلم والكون. فحتى الماسونيين الملحدين، الذين لا يؤمنون بأي دين، يجب عليهم الإيمان بقانون أو مهندس عظيم للكون، خلف كل هذا النظام والعمران. ولهذا تأتي أي وثيقة ماسونية، سواء بالعربية أو الفرنسية أو الانكليزية، حاملة الجملة الماسونية الأشهر “باسم مهندس الكون الأعظم”.هو ليس اسماً دينياً، لكنه ذو دلالة دينية، ولا يتعارض مع أي تصور ديني للإله في الأديان الثلاثة. في الوقت ذاته، يعكس الرؤية الماسونية بأن هذا الإله لا يلهو، بل هو مهندس –زميل إذن للبنّائين في “البناية الحرة”!- ونحن على شاكلته نسعى إلى تعمير الأرض وهندستها. حتى الآن، ما زالت غالبية المحافل الماسونية الدولية، تصدر تلك العبارة في بياناتها، وإن بدأت محافل في فرنسا تستبدلها بعبارة أخرى، هي: “باسم مجد الإنسانية”.
في مقاله الشهير، الذي نشر في العام 1943 في مجلة “التاج المصري” الماسونية، يكتب سيد قطب تحت عنوان “لماذا صرت ماسونياً؟”: “الماسونية هي الوحدة التي تجمع بين مختلف الأديان ولا تعرف للتحزب معنى، ولن تجد لكلمة التعصب مكاناً في شرعها، هي التعويذة السحرية التي تؤلف بين القلوب جميعها في أقصى الشرق أو أدنى الغرب – هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الجميع – الصغير منهم والكبير أن يتصافحوا مصافحة الأخ لأخيه – ويجلسوا جنباً إلى جنب – دون نظر إلى فارق اجتماعي أو مركز أدبي – ولا غرو في ذلك إذ أن دعائمها وأسسها مشيدة على الحرية والإخاء والمساواة – فما أعظمها دعائم وما أقواها من أسس وما أبذلها من مبادئ”.كأن الماسونية أنقذت المعاني الروحية للعالم القديم. فبينما كانت السكك الحديد تنتشر حول الكوكب، والماكينة تُنصّب إلهاً للحداثة ولإنسان القرن التاسع عشر، كانت الماسونية تطرح إمكانية المزج بين الروحانية والمادية العلمية، والاستفادة من الطاقة الروحانية النابعة من حاجة سيكولوجية لدى الإنسان، لتوظيفها في خدمة قضايا التنوير والإخاء وتقدم الإنسانية. خلقت الصوفية العلمية تصورات عن أشكال أكثر تعقيداً للوجود، لا يمكن الوصول إليها بعلمنا المادي الحالي، لكن من خلال الحياة نزيهة تسودها قيم المحبة والاخاء، يمكن بلوغ أشكال أخرى من الوجود أكثر طهراً وسعادة.هذه الروحانية التي يتقدم فيها العضو الماسوني من دون شيخ طريقة أو مرشد، سوى التأمل الشخصي والتجريبي، كثيراً ما أدت ببعض المحافل الماسونية إلى الانحراف عن طريقها والسقوط في غياهب الميتافيزيقيا، وهو ما أدى إلى تداول المبالغات الشهيرة في شأن الطقوس الماسونية، مثل شرب الدم، وعبادة الشيطان، والسحر الأسود، وأخيراً حفلات الجنس الجماعي. والأخيرة هي الأغرب، لأن المحافل الماسونية ليست مختلطة. وفي مصر، حتى نهاية الماسونية، كانت عضوية المحافل مقتصرة على الذكور، ويتم تأسيس جمعيات خيرية للسيدات.غير أن الصوفية العلمية، والطقوس الباطنية المصاحبة لها، شكّلت عائقاً كبيراً أمام المحافل الماسونية في حراكها داخل المجتمعات العربية وحتى على المستوى العالمي.في كتاب “المنظمة الماسونية والحق الإنساني”، والذي ترجمته للعربية د.جورجيت الحداد ونشر عن “دار الكتاب الجديد” (بيروت 2008)، تخبرنا المؤلفة أندريه برات، أن الماسونيين شاركوا في الثورة البلشفية الروسية، وكانوا جزءاً من التحالف الذي يقود الثورة وصولاً إلى المؤتمر الثالث للبلاشفة والذي أعلنت فيه “الأممية الثالثة”، إذ فرضت على الأحزاب الاشتراكية التى ترغب في الانتساب إلي الأممية الثالثة (الكومنترن) 21 شرطاً أبرزها قطع الصلات مع الماسونية، وذلك لأن الماسونية ذات “روحانية برجوازية”، على حد وصف زينوفييف – أحد رفاق لينين المقربين.كانت الصوفية العلمية هي ما جعل من الماسونية حركة لامعة في القرن التاسع عشر، لكنها أيضاً الثغرة التي شكلت ركيزة للهجوم عليها. وفي عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ترسخت سلطة الدولة الوطنية وسيادتها، وتكاثرت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية حول العالم ضمن صراع الحرب الباردة، ما عاد هناك مكان لتنظيمات سرية أو باطنية. وأحد التفسيرات  حول سبب حل عبد الناصر لكل أشكال التنظيمات الماسونية في مصر، هي رفض المحافل الماسونية لكشف طقوسها الروحانية السرية لأجهزة الدولة الأمنية، وهو ما أدى إلى غلق باب الماسونية العربية نهائياً.

المصدر : المدن

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...