الاعلامي احمد خير الدين

قتل من أجل المستقبل

الاعلامي والكاتب أحمد خير الدين، كتب مقالا بعنوان ” قتل من أجل المستقبل ” في جريدة التحرير الالكترونية، ويمكن قراءته هنا عبر مقالات مصرية .

كانت سهى تستكمل تنظيف منزلها استعدادًا للعيد عندما بدأ ابنها محمد ذو الأربع سنوات اللعب بالماء والصابون المستخدم في أعمال النظافة، فقررت أن تعاقبه بالضرب بيدها أولا، ثم بخرطوم في المرة الثانية، وصولا إلى ربطه بسلك كهربي، عندما ارتفع صوت بكائه حبسته في غرفة أخرى. حين عادت إليه بعد قليل وجدته فارق الحياة.

في اليوم التالي أصابت “شومة” رأس زياد ذي الثمانى سنوات وكسرت حوض شقيقه مصطفى، ذي الخمس سنوات. مات الأول وبقي الثاني في المستشفى. اليد التي أطاحت بالشومة على جسد الطفلين كانت لأبيهما سيد الذي كان يعاقبهما لإنفاقهما 50 جنيهًا مما تلقوه من الأقارب في اليوم الأول من عيد الأضحى.

وفي أحد مراكز التسوق في المملكة العربية السعودية ارتفع صوت بكاء طفل صغير قبل أن يبادره والده بضربة في ظهره بعربة يجرها من المفترض أن يجلس فيها، بينما الأم  تجري خلفهما محاولة إيقافه دون جدوى.

ثلاث قصص حدثت خلال هذا الأسبوع فقط. لا تقتصر عليها صفحات الحوادث، التي ينفر منها المرء في كثير من الأحيان، لكنها حكاية تمتد وتتفاقم دون مراعاة لعام 2017 ولمئات من النصائح والأحاديث عن تلك الجريمة، التي تترسخ وتتحول إلى قاعدة في التعامل مع الأبناء. أتذكر حتى الآن مشهدًا رأيته منذ سنوات في مترو الأنفاق، سيدة تصفع طفلتها على وجهها أمام الجميع. كانت نظرة الخجل على وجه الطفل أكثر إيلاما من عنف يد والدتها.

حين انتشر فيديو يسجل الواقعة الأخيرة على فيسبوك وتويتر دشن مواطنون سعوديون ومستخدمون للمواقع الإلكترونية حملة للمطالبة بمحاسبة الأب بطل الفيديو فيما بدأت الأصوات الخافتة تعلو مدافعة عنه. بفعل الحمية لاشتراكه في ذات الجنسية معهم أو لاشتراكهم في الفعل نفسه. هذا أب يربي ابنه الذي يبكي في المركز التجاري ليضغط عليه لشراء شيء ما يقول واحد، وآخر يرى أن هذا انفعال يحدث للجميع وعقاب الأهل تربية يحتاجها الأطفال من آن لآخر. وهو نفسه ما قاله الأب القاتل حين حضرت الشرطة وسألته فقال إنه كان يقسو عليهما من أجل مصلحتهما.

المخيف في هذا كله اليقين الذي يبرر به الأهل وقطاع كبير من الناس ممارسة هذا العنف بأنه جرى معهم وأنتج ما تراه الآن.. انظر لنا كيف أصبحنا. إعجاب غير معقول بالنفس ويقين بأنه إن صار مهندسا أو طبيبا بعد هذا المشوار من العنف والإيذاء فهذا يعني أنها طريقة ناجحة. وماذا إن كنت مهندسا فاسدا أو طبيبا فاشلا أو ناجحا لكنك تعاني من حياة شخصية مضطربة. تعنف زوجتك أو تعاني من أزمات في التعامل مع المجتمع والأهل والأصدقاء؟!

مع كل عام يصدر المجلس القومي للطفولة والأمومة بالتعاون مع يونيسيف في مصر دراسات موسعة عن الأمر، من فرط تكرارها باتت تصدر بشكل آلي تتكرر فيه التوصيات والتحذيرات من تفاقم الأمر، وتعلن فيه الخطوط الساخنة لاستقبال الشكاوى دون تقدم سوى في مستويات الخطورة ومعدلات التفشي.

دراسة هذا العام ذهبت إلى اعتبار العنف الموجه من الآباء والأمهات إلى أطفالهم أكثر أشكال العنف شيوعًا داخل المجتمع متقدمًا بذلك على العنف الذي تشهده المدارس. أعرف كما تعرف أنت تلك النصيحة التاريخية التي يتوجه به الأب إلى المدرس منذ بزوغ شمس التعليم في مصر: اكسر وإحنا هنجبس. العبارة التي ربما تكون السبب الرئيس في عقدة من التعليم ومشهد الذهاب إلى المدارس وكوابيس الفشل في الإجابة عن أسئلة الامتحانات التي تصاحب أبناء جيلي حتى العشرينيات من أعمارهم.

في جزء من دراسة سابقة كات نسب تراوحت بين ستين إلى سبعة وستين في المائة ممن شاركوا في البحث من محافظات مختلفة تعرضوا للعنف الجسدي، ونسبة تعرض الفتيان للعنف كانت أعلى من الفتيات، لكن ما أدهش الباحثين كان اتفاق الجميع من الأهل والمعلمين والقيادات الدينية على اعتبار ذلك وسيلة تربية ومعيار عناية واهتمام بالأطفال ومسلكهم في الحياة.

تواصلت مع الدكتور أحمد عبد الكريم، مدرس الطب النفسي بجامعة الإسكندرية، لمحاولة فهم أسباب استمرار ذلك، فأشار إلى أن الموروث الثقافي عن كون العقاب الجسدي مثمرَا واحد من أبرز الأسباب يليها وجود العنف في المجتمع ككل،

 مضيفا أن ذلك علاة على ما فيه من ايذاء وسيلة فاشلة لتغيير السلوك، فالدراسات ذهبت إلى وجود أشكال مختلفة لتعديل سلوكيات الطفل. أو أي كائن حي. أولها المكافأة، إقناع طفلك بأنك ستصحبه للخارج، تمنحه هدية إن فعل كذا، يليها التعزيز السلبي، وهو أن تمنعه عنه هذه المزايا كعقاب على سلوك ترفضه، وصولا إلى أسوأ أنواع العقاب، وهو العنف الجسدي.

يضيف أن ذلك الشكل من العقاب يخلق شخصية فاقدة للثقة بالنفس، وراغبة في إخفاء أسرارها عن الأهل خوفًا من النتيجة، وفي بعض الأحيان يلجأ الطفل إلى ممارسة هذا العنف الذي جرى له على غيره، وهذا هو واحد من أبرز أسباب ما نراه من “التنمر” أو الـcyber bulling”، وفي هذه الحال العنف الجسدي يمتد الأذى إلى أطفال آخرين ربما نجوا من هذه التجارب في منازلهم ويكون وقع ذلك مؤلمًا ومدمرًا لهم.

انتهت محادثتنا لكن ظهر أمامي بعد دقائق ما يبدو أنه تطوير للعنف المنتج والإيذاء من أجل المستقبل نشره القائمون على صفحة معنية بنشر ثقافة الغذاء النباتي. فيديو أحضروا فيه طفلين ووضعوهما أمام الكاميرا مع أسئلة عن تناول اللحوم والدواجن انتهت بعرض سكاكين متفاوتة الحجم أمامهم لذبح فرخة.  انهار أحد الطفلين باكيا في نهاية الفيديو رغم إن بدت الفكرة في عيون منفذيها جيدة وشديدة النفع وطيبة الغرض.

المصدر: التحرير الالكترونية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...