ايجي بوست
جورج اسحق

ما بين حرية الاعتقاد ومنع الصلاة

الكاتب ” جورج اسحق ” كتب مقالا بعنوان ” ما بين حرية الاعتقاد ومنع الصلاة ” في جريدة ” الشروق المصرية ” بتاريخ ” 2017-09-07 ” ويمكن قرأته الأن عبر مقالات مصرية.

فى مشهد لن أنساه يؤكد فكرة المواطنة والمساواة، كنت قد زرت مقبرة هاى جيت فى لندن وهى مقبرة تشمل كل الأجناس والأديان والمعتقدات، كلهم على قدم المساواة تحت التراب. هذه هى الحياة التى يجب أن نتعلمها. 
ففى هذه المرحلة من الحياة فى مصر، يجب التوقف عند الفرق بين حرية العقيدة وحرية الاعتقاد.
إن حرية العقيدة والمذهب تعنى امتلاك حق اختيار التمسك بأى عقيدة أو مذهب سماوى، كما تعنى حرية إظهار العقيدة وبيانها، وممارسة الطقوس والشعائر الدينية، وتعليم المبادئ الدينية للأطفال والأجيال الصغيرة، وحرية إنشاء دور العبادة. 
أما حرية الاعتقاد فهى مبدأ يدعم حرية الفرد أو المجموعة ــ فى الحياة الخاصة أو العامة ــ فى إظهار معتقداتهم أيا كانت بكل الأشكال المرئية والمسموعة.

***

وقد نصت المادة ٦٤ فى دستور ٢٠١٤ على أن «حرية الاعتقاد مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون»، فكيف فى ظل هذا الدستور ونص هذه المادة الواضح أن «حرية الاعتقاد مطلقة» يمنع الأمن تحت أى ظرف مواطنين أقباط مصريين فى عزبة الفرن، التابعة لقرية أبيوها بمركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا من تأدية صلاة القداس الإلهى بدعوى عدم الحصول على ترخيص. على الرغم من أن مصادر كنسية متعددة ذكرت أن الكنيسة قائمة من فترة طويلة ويتم الصلاة بها، وذكرت أن القرية بها أكثر من ٣٠٠ مسيحى مصرى.
وهذا ما تعارض مع كلام المسئولين الذين أكدوا أن المكان الذى مُنع فيه الصلاة هو مكان قديم مغلق منذ سنوات. وحتى لو كان هكذا، لم يتضح لنا ما هو الضرر الناتج عن الصلاة فى هذا المكان حتى يتدخل الأمن لمنع الصلاة فيه دون وجود بديل أو حل مقنع بديل يرضى الأقباط المصريين وتقام فيه الصلاة فى النهاية. 
مازال التصدى لأزمة الأقباط المصريين يتم بطرق قديمة وتقليدية تفتقد لضبط النفس والحكمة. وفيها لا يتم الامتثال للقانون أو الدستور الذى من المفروض أن يحكم الجميع مسلمين ومسيحيين، ويكفل لهم الحفاظ على حقهم فى ممارسة العبادات.
فكنا نأمل أن يصدر قانون موحد لدور العبادة حتى نؤكد فكرة المواطنة الكاملة لكل المصريين حسب دستور ٢٠١٤ ولكننا فوجئنا بصدور قانون شائه لبناء الكنائس الذى رفضناه جميعا وأصر البرلمان على إصداره والذى من نتائجه أن بناء الكنائس يتعثر كثيرا الآن بعد إصدار القانون ويصاحب أى طلب تعقيدات إدارية وبيروقراطية تؤدى لمنع بنائها وأبرز مثال على ذلك ما حدث فى قرية الفرن. 
إن قضيتى ليست قضية بناء الكنائس فقط، ولكن مبدأ المواطنة، حيث يجب أن نحقق هذا المبدأ عن طريق تولى الوظائف على أساس الكفاءة ولا تحجب الوظائف بداية من منصب رئيس الجمهورية وأى منصب آخر لصالح فئة معينة أو دين معين وكل الفرص تتاح لجميع المواطنين. إذا تحقق ذلك نكون حققنا مبدأ المواطنة الذى نكافح فى سبيله منذ سنوات ونحلم به.

***

التهديد الآخر لحق الاعتقاد وحرية التعبير هو المادة ٩٨ من قانون العقوبات، والتى تنص على التالى:
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين فى الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة، لقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية ». وعلى الرغم من أننى ضد أى شكل من أشكال ازدراء الأديان لكن يجب أن يكون هناك تعريف لمفهوم ازدراء الأديان، حيث أن الصياغة الفضفاضة لهذه المادة أدت إلى إساءة استخدامها ضد حرية الاعتقاد، فضحايا هذه المادة أغلبهم من المفكرين والمثقفين المصريين، فأخيرا حوكم بموجبها إسلام البحيرى وفاطمة نعوت وتم صدور أحكام بالحبس ضدهما، بالإضافة إلى كاتب روائى وخمسة أطفال مسيحيين مثلوا مسرحية تتناول أفكار تنظيم داعش، وهناك بالطبع بلاغات كثيرة أخرى ضد كتاب ومثقفين مصريين ما زالت تنتظر الإحالة أو الحفظ. 

***

ومن جهة أخرى نذكرها ليلا ونهارا وينساها أو يتناسها المشرعين والمسئولين عن هذا الملف هى « مفوضية مكافحة التمييز « التى نص عليها الدستور المصرى ٢٠١٤ حيث نصت المادة ٥٣ على التالى: 
«المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم على أساس الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض».
ونص السطر الأخير من المادة على إنشاء مفوضية لمكافحة جميع أشكال التمييز، والذى يعد ترجمة وتطبيق فعلى لنص المادة. مما يتطلب وضع آليات جادة لضمان خروج مفوضية تتغلب على أشكال التمييز. وهو ما اعتبره الكثير نقلة نوعية فى قواعد التشريع المصرى تجاه تحقيق المساواة حيث أن هذه المادة فى الدستور تكفل مكافحة جميع أشكال التمييز بين المواطنين سواء كان تمييزا عرقيا أو دينيا أو جنسيا أو اجتماعيا… إلخ. ولكن لا عين ترى ولا عقل يدرك ولا أذن تسمع. 
فأين نحن من الدستور الذى أقر بنسبة تصويت تجاوزت ال ٩٨% ممن لهم حق التصويت!!. 
أين نحن من تعديل القوانين القديمة لتتماشى مع الدستور الجديد؟!
أين نحن من إقرار التشريعات الجديدة التى تضمن حرية الاعتقاد المطلقة التى أقرها الدستور؟! 
أين نحن من دولة القانون والمواطنة؟!

المصدر : الشروق المصرية

تعليقات
Loading...