صورة الكاتب محمود عبد الشكور

«يوم أن قتلوا الغناء».. لا تخافوا من الحياة

الكاتب الصحفي “محمود عبد الشكور” كتب تحت عنوان “«يوم أن قتلوا الغناء».. لا تخافوا من الحياة” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-09-07”

هذه تجربة مهمة وناجحة تستحق التنويه مع بعض الملاحظات. مسرحية «يوم أن قتلوا الغناء» التى كتبها محمود جمال، وأخرجها تامر كرم، تملك طموحا كبيرا فى افتراض عالم خيالى أسطورى، يستلهم مفرداتٍ كثيرة، لكى يقول أشياء مهمة عن أعداء الحياة، الذين يخافون منها، والذين يريدون أن يقمعوا الإنسان باسم الدين.

الإسقاط واضح على ما نراه اليوم، والفكرة تنتصر للعقل وللإنسان وللفن وللحب، حيث ينتظر المتمردون على القمع طوفانا من نوع مختلف، مياها تجعل الصحراء بحرا، وتحول السفينة إلى حياة موازية، وتجعل من الغناء طوق نجاة، ينقذ كل ما هو جميل.

العرض الذى أنتجه مسرح الطليعة، حقق نجاحا جماهيريا كبيرا، مما يؤكد أن الناس تنتظر من المسرح أن يقول كلمته عن الحاضر، وأنهم ينحازون إلى فكرة مواجهة الفن للقبح وللقتل وللدمار، وقد تحقق هذا النجاح الجماهيرى أيضا لعرض قدمه مسرح السلام هو «قواعد العشق الـ40»، وتحقق أيضا لعرض «المحاكمة» الذى عرض على مسارح ميامى والقومى، وكان العرض ينتصر أيضا للعقل، ويرفض استغلال الدين فى قمع الآخر، وفى الوصاية عليه. هنا ظاهرة إيجابية تستأهل الإشادة، وهنا عودة جيدة لمشاركة الجمهور فى معركة الفن ضد أعداء الحياة.

«يوم أن قتلوا الغناء» يبدأ الحكاية من أولها، من ذلك الإنسان الباحث عن معنى للوجود، ولكنه يموت تاركا ولدين، أحدهما يكتشف أن الموسيقى والغناء جزءٌ من الوجود ذاته، والثانى يصطنع إلها ودينا ومعبدا، ويحرم الغناء فى مملكته، هو أيضا يحرم الحب، ويستخدم جلادا شابا لقتل من يخالف الأوامر، التى منحها قداسة وهمية، والجلاد الشاب لم يكن يعرف أنه ابن امرأة قتلوها؛ لأنها تغنى للشمس وللصباح وللزهور.

ولأن الإنسان خلق عاشقا للحياة، فإن المتمردين بزعامة الأخ عاشق الغناء، يقومون ببناء سفينة، تذكرنا بسفينة نوح، ولكن سفينتهم تثير الدهشة، لأن المملكة فى قلب الصحراء، وما بين القتل والعنف الذى يمارسه حاكم المملكة، عدو الغناء، وبين العمل فى بناء السفينة الذى يقوم به أتباع الشقيق الطيب، وبين محاولة إيقاظ الجلاد الشاب من غيبوبة عقله، تدور أحداث المسرحية، التى تنتصر فى النهاية للفكرة التى لا تموت، حتى وإن دفع أصحابها حياتهم فى سبيل تحقيقها، وتبقى الأغنية متجددة وحاضرة، وتكتسح السفينة بعد هطول المطر معبد الشر والقتل، الذى لا علاقة له بخالق الجمال والحب والحياة.

المعنى عميق وملهم، وأفكار المسرحية تضرب فى مناطق خطيرة، وربما تكون هذه الأفكار الكثيفة والكثيرة من أسباب ملاحظاتنا على النص، فقد تاه الصراع الأساسى بين الشقيقين طوال النصف الأول من العرض، وطالت الحوارات فى بعض المشاهد، وكانت هناك مباشرة أحيانا فى التفسير للمشاهد، وبدت الأفكار أعلى صوتا من الدراما فى أحيان أخرى، كان النص فى حاجة إلى التكثيف والضبط، مع كل التقدير لموهبة محمود جمال الذى يعرف جيدا انحيازاته، ويعرف أيضا امكانيات المسرح التعبيرية الهائلة.

لكن مسرحية «يوم أن قتلوا الغناء» تمتلك عناصر ممتازة كالتمثيل والإضاءة والديكور والموسيقى والأغنيات، وأشعارها الرقيقة، والإخراج الذى نجح فى تجسيد هذا العالم الأسطورى على خشبة المسرح، والذى ترجم الصراع بصريا ما بين السفينة والمعبد الكاذب، وعبر عن عالمين مختلفين: بهجة الحياة والحب بأداء حركى شديد الحيوية، وبملابس ذات ألوان مبهجة، وتجارة الموت والقمع باسم الدين، حيث الحركة آلية وصارمة، وحيث ألوان الملابس السوداء، التى تستدعى داعش على مسرح الطليعة.

لا تقلل ملاحظاتنا الفنية أبدا من تقديرنا الكبير لهذا الجهد الواعى، ولكل هؤلاء الموهوبين، الذين صنعوا فنا يواجه القبح، ويهزم السيف بالغناء، كل التحية لهم، ولمسرح الطليعة.

المصدر : الشروق المصرية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...