الخبير الإقتصادي رائد سلامة

رائد سلامة يكتب: لماذا تَكَمبلنا في كَمبالا

الكاتب ” رائد سلامة ” كتب مقالا جديدا تحت عنوان ” رائد سلامة يكتب: لماذا تَكَمبلنا في كَمبالا ” عبر موقع ” البداية ” ويمكن قراءته الأن عبر مقالات مصرية .

ربما يحفز عنوان هذا المقال ذاكرة البعض إذ طالعناه صغاراً في بدايات سبعينات القرن الماضي علي صفحة الرياضة بالأهرام التي كان يشرف عليها الناقد الرياضي الكبير “نجيب المستكاوي” و الذي كتب مقالاً عن هزيمة المنتخب -الذي كان حينها يسمي منتخب مصر “القومي” لا المنتخب “الوطني”- من نظيره الأوغندي في العاصمة “كمبالا”. و أنا علي الرغم من أنه لا إهتمام كبير لي بكرة القدم أو بالرياضة علي وجه العموم، إلا أنني تذكرت هذا العنوان البديع بعد المباراة الأخيرة التي “تَكَمبلنا” فيها كما حدث أيام المرحوم “نجيب المستكاوي” و الذي أتصور أن مقصده من وراء إختراعه لهذا الِفعل (الكَمبَلة) هو تشخيص “التعثر” و تكثيفه في إصطلاح تدرك الذهنية الشعبية أبعاده بعيداً عن فذلكات المُتثاقفين (“مُدعي” الثقافة) و تعاليهم الدائم. في ظني أن سبب “الكَمبَلة” الكبري التي يعيشها مجتمعنا المصري بصفة خاصة و العربي علي وجه العموم أن تدهوراً ملحوظاً لمعيارين إنسانيين مُتداخلين قد أصاب جهاز قيم المواطن المصري و العربي علي مدار ما يزيد عن السبعين عاماً الماضية تزايدت وتيرته بعد ذلك بنحو عشرين عاماً أخري مما آل في نهاية الأمر إلي مرحلة الكَمبَلة/التعثر التاريخي التي وصلنا إليها هذه الأيام و التي إنتهت بحالة من الإغتراب عن الواقع بلا رغبة حقيقية في دراسته و تحليله بُغية إيجاد حلول منطقية قابلة للتحقق لمعضلات عصرية لأجل التغيير و اللحاق بالتاريخ الذي نكاد أن نخرج من دائرته إن لم نكن قد فعلنا عملياً. هذين المعيارين المتداخلين اللصيقين هما: “العِلم” و “العدل”.

العِلم و قد عَكَسَ تدهوره احتقار مجتمعاتنا للفلسفة التي هي محبة الحكمة و طلب المعرفة و البحث عن الحقيقة، فكان أن تعالت مجتمعاتنا عليها بالإرتكان للتراث و التعامل معه بإعتباره الحق المطلق ليصبح هذا التراث -بعيداً كان أو قريباً في الزمن- بمثابة اليقين الذي الذي لا يأتيه الباطل من بين لديه و لا من خلفه فلم يعد خاضعاً للبحث و التدقيق في ظل معطيات تاريخية غير متكررة أي أن إهمالاً بَيناً للبُعد التاريخي في دراسة الدعائم التي صنعت هذا التراث قد وجد طريقاً ممهداً ليصيب العقل العربي في مقتل و يحول بذلك دون التقدم للأمام في عالم يتغير و تتبدل أحواله كل ثانية. تدهور خطاب “العلم” متوارياً للوراء تاركاً الساحة مفتوحة مُتاحة أمام خطاب الخرافة و الجهل الذي إرتدي مسوح الدين تارة و لبس رداء الوطنية تارة أخري ليقف كل منهما حجر عثرة أمام أي فِكرٍ إنساني حُر مُبدعٍ خلاق بزعم مخالفته لثوابت الدين أو راسخات الوطنية. و ما الممارسات المجتمعية في سياقات المحظورات الدينية أو الوطنية عنا ببعيدة -زمنياً- في هذا السياق، حيث أسلحة التكفير و الخيانة جاهزة للإشهار في وجه كل من يسول له عقله خروجاً عن المألوف من تراث قابل للنقد بل و النقض إن دَعت الحاجة لذلك. فكما حكمت سلطة المجتمع الدينية الأوروبية علي “جاليليو” بالهرطقة حين قال بكروية الأرض حكمت مثيلتها العربية بما يشبه ذلك علي “طه حسين” و “علي عبد الرازق” و “نصر حامد أبو زيد”. الفارق بين الحالتين هو أن الحالة الأوروبية قد إعترفت بعد زمن محدود نسبياً بخطأ حكمها علي “جاليليو” بينما مازالت الحالة العربية علي وضعها البائس الذي شهد -و مازال- مزيداً من التراجع. فيما يتعلق بالمعيار الثاني المتداخل اللصيق بمعيار العِلم فهو معيار العدل الذي عَكَسَ تدهوره غياب مبادئ الحريات العامة و الخاصة و ما يرتبط بهما من حقوق أساسية للإنسان تتعلق بالمواطنة و المساواة و اللا تمييز، و الحق في الإعتقاد و التعبير عن الرأي، و الحق في التعليم و العلاج و العمل و السكن و الغذاء.

توفي “نجيب المستكاوي” في ١٩٩٣ و إنتهت مساهماته في صياغة لغة ذات مذاق خاص جداً و بقيت الكَمبَلَة/عثرات أداءاتنا كما هي بلا تغيير حيث لا نتائج للعِلم بلا حريات و لا مردود للحريات في غياب العِلم.

 

المصدر : البداية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...