الدكتورة بسمة عبد العزيز

هلّا كذبتم علينا؟

الطبيبة بسمة عبد العزيز كتبت مقالا بعنوان “هلّا كذبتم علينا؟” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-09-09” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

أتذكر أننى دُعِيت منذ سنوات قليلة لحضور مهرجان ثقافى خارج مصر؛ حدثٌ يشبه إلى حد كبير مَعرِض كتاب القاهرة الدوليّ، لكنه قطعًا يختلف من حيث الترتيبات والعناية التى يحظى بها.
جلست على المنصّة مع كاتبين أوروبيين، ودارت الأسئلة فيما بيننا، يلقيها مُحاور من البلد المُضيف. توالت أجوبتنا واحدة وراء الأخرى؛ كلٌّ يتحدث عن ما عاصره وما عرفه من تاريخ موطنه وكلٌّ يسبغ ثقافته وبيئته على طبيعة السؤال ويعكسها فى الرد.
***
جاء دور الجمهور فى المداخلة وطرح الأسئلة وكان من بينها سؤال لم يوجهه صاحبه إلى كاتب بعينه، بل قال إنه يودُّ سماع الإجابة من ثلاثتنا. فى بعض الأحيان يورث هذا الموقفُ الجالسين على المنصّة بعض الحرج، خاصة إذا كانت عند أحدهم وجهةُ نظرٍ تُناقِض ما عِند الآخرين وتُعارِضها، أو ربما تُهَوِّن مِن شأنها أو تدحضها بعنف، لكن الحال لم تكن هكذا بالنسبة إلينا.
***
تساءل الرجلُ مِن مقاعد الحضور عما إذا كنا نرى للفن دورًا فى مقاومة الظلم، أو فى الوقوف أمام الطغيان أو فى إسقاط الأنظمة المستبدة. بدأ الزميل الأكبر عمرًا فى الإجابة واستخلص فى نهايتها ألا دور حقيقيّ للفن يُعَوَّل عليه هذه الأيام والأنظمة المستبدة وافرة الفساد، فجّة فى الإفصاح عن قبح وجهها، ووسائل التواصل الاجتماعية تموج بضروب الفن ونصف الفن واللا فن أيضًا، دون أن تغير فى الواقع الكثير أو حتى القليل. تشابهت إجابة الزميل الثانى الذى حمل فى جعبته تجربة ثرية وغنية بأشكال متنوعة من القمع والتقييد؛ إذ هو قادم من أحد بلدان أوروبا الشرقية، ذات الباع الطويل فى صنوف إسكات الأصوات المناهضة لأنظمتها.
جاءت إجابتى مُماثِلة لهما، مضى الزمن الذى كانت أغنية واحدة فيه كفيلة بهزّ عرش السُلطة الغاشمةِ وحِرمانها من النوم.
***
فى العادة يحب الكاتب ــ بصفته الإبداعية ــ أن يدلى بجواب مُختلف عن الآخرين، وأحيانًا تدفعه هذه الرغبة إلى قول ما قد لا يقتنع به تمام الاقتناع؛ ربما هو الميل الطبيعيّ للتمَيُّز أو مِن باب الترفيه عن الجمهور أو حتى إحداث صدمة لدى المستمعين. هذه المرة شذذنا عن القاعدة واتفقنا اتفاقًا لا مواربة فيه. تحالفنا فى مواجهة الأمنيات المُستَتِرة التى وشى بها السؤالُ وحطمنا حماسةَ السائلِ وكسرنا تطلُّعات القاعة إلى إجابة ثورية، عامرة بالتفاؤل والمثالية والبطولة.
***
استفَزَّ تحالُفنا غير المتوقع عددًا مِن الحاضرين، مما دعاهم بعد انتهاء وقت الجلسة إلى الاقتراب من المنصّة وبدء مناقشة جانبية جديدة. لم يكونوا مسرورين، قال أغلبُهم إن ردَّنا المُوَحَّد اتّسم بالتشاؤم والقسوة وربما قلَّة الحيلة، وإن الجلسة كانت قاتمة جدًا وإنهم أملوا أن نعطيهم ــ نحن العارفون بطبيعة الأشياء المنغمسون فى عمق التنظيرات والفلسفات ــ بصيصَ ضوء ولو كان كاذبًا.
لم يتراجع زميلايّ، ربما حاولا تلطيفَ الموقف وإعادة صياغته فى صورة أكثر مرونة وأقل إظلامًا، لكنهما لم يفلحا فى إرضاءِ الجمهور المُحبَط.
***
بقيت أفكر إلى أن انفضَّ المَحفلُ ودهمتنى التساؤلاتُ لفترة تالية: ما الداعى لخوف الأنظمة المستبدة من الفنانين إذن؛ والحال أنهم لا يؤثرون ولا يحفِّزون ولا بمقدورهم حضَّ الناس على الثورة ودفعهم إلى التمرد على الجور؟ ما الداعى لأن يحبس الرئيس الروسى فريقًا غنائيًا ويحذوه حذوه النظير المصرى فيحبس فريقًا من الموسيقيين صغار السن؟
***
قلت لنفسى ربما هو ذعر موروث من عهود وتجارب سابقة فكم من وقت قضى الثنائيُ المُبهِر؛ أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام فى المعتقلات بسبب تعاونهما الفنى الخصب، وارتباك السُلطة أمام عنفوانهما الإبداعيّ الذى أنتج ثمارًا لاذعة لأقصى الحدود. قلت أيضًا؛ ربما الخوف ليس هو بيت القصيد وإنما الغيظ. غيظٌ مِن مَعين لا ينضُب ومِن سُخرية لا تُبقى ولا تذِر، ومِن شعبية وانتشار يتناميان، ومِن استمرارية تتجاوز ما للنُظُم القمعية من شرعية واستقرار، فتفضح بأريحية ما خَفِى مِن سَوءاتها.
***
تذكرت أمثلة ونماذج عدة فى مصر وفى بلدان أخرى، حيث قبع فنانون فى زنازين وعنابر عقابًا لهم على ما ارتكبوا من فن، وقد رأت الأنظمة الشرسة فيه أعمق إهانة وأسوأ معارضة. ربما لا تؤدى أغنية أو مسرحية إلى ثورة مُباشرة أو إلى تغيير جذريّ قاصم، لكنها بكل تأكيد تَقُضُّ مَضاجعَ الظالمين وتورثهم جنونًا فوق الجنون وتدفعهم إلى ارتكاب مزيد من الحماقات.
***
لو عاد بى الزمن إلى الوراء قليلا، لأخبرت الحاضرين فى القاعة أن للفنّ ما ليس لغيره فى إعداد الشعوب لمواجهة المُتجبِّرين.

المصدر : الشروق المصرية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...