ايجي بوست
الإقتصادي مدحت نافع

تكلفة المشروع وعائده

الإقتصادي ” مدحت نافع ” كتب مقالا جديدا علي موقع ” مصر العربية ” بعنوان ” تكلفة المشروع وعائده ” بتاريخ ” 2017-09-09 ” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

كانت المرة الأولى التى اصطدم بها بهذا المنطق الغريب، كان الوزير السابق يملأ الدنيا صخباً بتصريحات لا تنتهى، وكان يعلم جيداً أن تلك التصريحات لا تجد من يتابعها بعد أن تنطلق فى الفضاء الإعلامى، ليتم تداولها على نطاق واسع بين وسائل إعلام مختلفة، ثم تمر بمرحلة سكون لينساها الجميع عدا الوزير الذى يعيد اجترارها (مثل الإبل) من جديد وكأنه يطلقها للمرة الأولى.. وهكذا يتكرر الأمر مع مشروعات مليونية وبليونية لا قبل لأحد بإحصائها وليس ثمة اهتمام متخصص بمتابعتها.
 
كنت قد أعددت خطة للمشروع الهام تقوم على خفض التكاليف وزيادة العائد (كما يقول المنطق) فلما سألنى الوزير عن التكلفة المحتملة قلت كذا فكأنما ضايقه الرقم فسارعت: ويمكن أن نخفضه إلى كذا لو اتبعنا مدخلاً آخر.. فإذا به يقول: ألا يمكننا أن نجعل الرقم أكبر من هذا بنحو عشر مرات؟! لم أفهم المطلوب لأنه بالتأكيد يمكننا دفع المزيد بكل سهولة، فما الفائدة إذن من دراسة الجدوى والبحث عن تعظيم العائد فى ظل المخاطر المحتملة.. فقاطع الوزير اتصال خواطرى ثم باغتنى بمنطقه الذى أحسبه كان سبباً فى عزله فيما بعد، قال سيادته ما مفاده أن المشروع يجب أن يتكلّف عشرات المليارات حتى يحظى بالاهتمام! وكنت أحسب أن المشروع الذى يراد له أن يتم يجب أن يدرّ عشرات المليارات حتى يلقى الاهتمام، لكن لأن أياً من تلك المشروعات لن يجد طريقه إلى النور فكفى بالوزير أن يلقى فى الفضاء أرقاماً ضخمة، فسواء بدأ التنفيذ أو لم يبدأ فلا بأس فهو لن يتم على أية حال، والوزير نفسه لن يبقى فى منصبه حتى تمام أى مشروع كبير، لذا فالمهم ان يتكلّف المشروع الكثير ثم يذهب إلى حيث ترقد سائر المشروعات فى غياهب النسيان، حتى يعاد اجترارها مجدداً فى سياق مختلف وربما بمبلغ مختلف.
 
هذا السلوك الغريب لا يبنى أمماً ولا يقيم عوجاً، وهو فى أحسن الأحوال يصنع دعاية زائفة على غرار دعاية “جوبلز” النازى أو “أحمد سعيد” النكسة.
 
وعلى الرغم من رحيل صاحبنا عن كرسي الوزارة إلا إنه أسس مدرسة أو ربما كان طالباً فى تلك المدرسة التى أنجبت العديد من الوزراء والمسئولين الذين يسيرون على ذات الدرب. فلو تم إحصاء مذكرات التفاهم واتفاقيات الأحرف الاولى التى أطلقها وزراء الحكومة الحالية، ثم تم تركيب مؤشر لمتابعة تلك المذكرات والاتفاقيات ومشروعات “المشروعات”! لتبيّن أن حجم الإنجاز يكاد يكون صفراً! وأن ما يتم توقيعه والبدء فى تنفيذه هو حزمة أخرى من مشروعات غير مخططة سلفاً ولا تأشيرياً من الدولة، ولا قيمة لها أو عائد اجتماعى أو اقتصادى كلى إلا ما رحم ربى.. هى إذن مشروعات فردية هنا وهناك، واستثمارات شاردة تسقط على أطباق استهلاكية وريعية معدة سلفاً قبل أعوام طوال من تولّى الوزير أو الوزيرة وزارتيهما. وأحياناً يأتى مشروع جاد ليذوب داخل مجموعة من المشروعات الوهمية “الفنكوشية” فيتم تمرير تلك المشروعات داخل هذا الراعى المظلوم.
 
فتجربة تعميم علاج فيروس سى المستورد واتساع دائرة المستفيدين وانتظام عملية توزيع الدواء كانت تجربة محترمة للغاية، لكن البعض روّج لها فى سياق اختراع اشتهر بعلاج الكفتة الذى يحوّل المرض إلى صباع كفتة يتغذى عليه المريض على حد وصف المخترع النجيب! ثم ظن البعض أن “سوفالدى” هذا الدواء العظيم الذى اكتشفه “اشكينازى” اليهودى المصرى الذى فر وأهله من مصر فى بداية الحقبة الناصرية ما هو إلا اختراع مصرى أصيل! أو فى أحسن الاحوال فإن الاختراع المصرى قد تم إجهاضه بفعل مؤامرة كونية على مصر!! تلك الخرافات تجد لها سوقاً رائجة مع الأسف الشديد حتى بين المتعلّمين أو قل أنصاف المتعلمين، بل هم أنصاف العقلاء.
 
التخطيط أمر لا مفر منه من أجل تحقيق التنمية الشاملة المستدامة، ولا ينبغى لنا الخلط بين التخطيط من حيث هو مكوّن حتمىّ لأى نجاح بتجربة التخطيط المركزى للفكر الاشتراكى، لأن الدول الرأسمالية تخطط ولا يشترط حينها ان تنشئ وزارة للتخطيط، لأن كل قطاعات الدولة تجمعها رؤية مشتركة وتخطيط استراتيجى وخطط تحكم الاداء العام. ولكى تنشأ مشروعاتنا على أسس سليمة فيجب أن يتم تخطيطها، ودراسة جدواها المالية والمجتمعية بعيداً عن الصخب الإعلامى والعائد الشخصى لمؤشر إنجازات الوزير الوهمية.

المصدر : مصر العربية

تعليقات
Loading...