ايجي بوست
الباحث سامح عيد

التدين الأموي العباسي

الباحث السياسي سامح عيد كتب مقالا في جريدة “التحرير الالكترونية” تحت عنوان “التدين الأموي العباسي” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .

جاء الإسلام الأول ليقول إن الله واحد، وإنه لا فرق لعربي على عجمي إلا بالتقوى وأمر ببر الوالدين والإحسان إلى الضعفاء والفقراء والإيثار والأخوة وحقوق الجار، ووضع إطارا للامتلاء الروحي والوجداني بالصلاة والصيام والتعبد والخلوة لمجاهدة النفس وتطهيرها من دنس الإقبال الزائد على الدنيا، ولكنه رفض أيضا التفرغ لذلك وترْك الحياة بالكلية عندما خرج الثلاثة الذين آثروا أن يصوم أحدهم الدهر كله وأن يجتنب أحدهم النساء وأن يقوم أحدهم الليل كله، غضب النبي وقال: أنا أصوم وأفطر وأتزوج النساء وأقوم وأنام ليُكوِّن جيلا متوازنا بين تعمير الحياة وتطويرها، وبين الامتلاء الروحي والوجداني الذي يسهم بقوة في تحقيق التوازن لهذا النمو الناشئ.

بعد موت النبي الكريم جرت في النهر مياه كثيرة بداية من الاختلاف على منصب الخلافة، وإذا صدقت الرواية بأن عمر عبر عن رأيه بأن اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم خطر على الدين نفسه، وآثر أن تبتعد عن بني هاشم وتحقق ذلك في خلافة أبي بكر وعمر، ووضعها عمر في ستة -بينهم عليٌّ- بعد طعنه، وإقباله على الموت ولكن يبدو أنه كانت هناك نية لإبعاد عليّ في هذه الفترة أيضا، وجاء عثمان ليتحول الأمر إلى استئثار أموي بالسلطة والمال في آن واحد ليحدث صراع بين الأمويين وبقية أطراف التكوين الإسلامي، وعلى قمتهم بنو هاشم ليتطور إلى صراع أموي هاشمي لاحقا مع تحالفات لكلا الطرفين، انتهت بانتصار الأمويين انتصارا ساحقا وبدأت إعادة صياغة تدين جديد مبني على هوى السياسة، خاصة وأن الطرف الآخر من الصراع/ الشيعة، صنع تدينه الخاص بصياغة ما يسمى الأئمة، وأنهم أقل من النبوة مرتبة، ولكنهم ليسوا كباقي البشر، فإن رسائل السماء تأتيهم -الأئمة- ليس بالضرورة عن طريق جبريل أو ملك من السماء ولكن عن طريق الإلهام، والأحلام التي هي ليست كأحلام البشر ولكنها أوامر إلهية ورسائل السماء. 
ومثَّل العلويين وأشياعهم معارضة قوية أرَّقت السلطة كثيرا وصنعت الكثير من الثورات والفورات على مدى التاريخ الإسلامي، ولكن السلطة السياسية التي بدأ نفوذها العسكري والمالي يزداد قوة عن طريق الغزو أو الفتوحات أيا كان مسمَّاها ودخول دول وبلدان في الإسلام، ولاؤهم للسلطة السياسية أقوى كثيرا من ولائهم للدين ذاته.

شعرت السلطة أنها في حاجة لتأسيس ديني جديد، ولأنها لن تستطيع أن تصنع الأئمة، لأن الشيعة صنعتهم بناء على انتسابهم للنبي، ليس بالضرورة عن طريق البنوة المباشرة لأن الرسول لم يكن له أبناء ذكور، ولكن عن طريق ابنته فاطمة وابن عمه علي وابنيهما الحسن والحسين وسلالتهم من بعدهم وما زال يطلق عليهم حتى الآن الأشراف أو السادة في بعض البلدان.

الهوى السياسي السني الأموي صاغ إطاره الجديد تحت مسمى السنة النبوية وبدأ يتلاعب بالمرويات التي انتشرت بكثافة في هذا التوقيت وتم ضخ مرويات كثيرة لصالح السلطة السياسية مثل من مات دون بيعة فميتته ميتة جاهلية، وطاعة الحاكم وتحريم الخروج عليه ما لم يمارس كفرا بواحا، واعتبروا كل الذنوب والمعاصي، حتى المظالم، حتى لو جلد ظهرك وسرق مالك، ليس مبررا للخروج عليه، فملك غشوم خير من فتنة تدوم، وكرَّس للقبول بالاستبداد والظلم، خروجا عن المفهوم الحقيقي للدين بتغيير المنكر، ومن مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون عرضه فهو شهيد، بالإضافة إلى قضية طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه، قضية الجهاد ورفع قيمتها وأنها ذروة سنام الدين، وأنه ليس المطلوب منا الدفاع عن النفس فقط، ولكن التوسع تحت دعاوى أن تكون كلمة الله هي العليا، وكان هذا بعيدا عن الحقيقة، فالهدف جعل كلمة الدولة هي العليا وقوة الإمبراطورية هي العليا، سواء الإمبراطورية الأموية أو العباسية لاحقا. 
قولُ الرشيد للسحابة: أمطري حيث شئت فأنّى نزلت سيأتيني خراجك، كان كاشفا (إنه الخراج والمال الذي سيتدفق على مركز الخلافة) والمال ليس الذهب والفضة فقط، ولكنه الجواري والغلمان والأراضي الشاسعة. 
ولا أدري كيف ستكون كلمة الله هي العليا بملايين من الجواري وملايين الغلمان، وأمثالهم من القتلى تحت مظلة هذه الحروب التوسعية، وحاولت السلطة الأموية أن تثبت هذا التدين الجديد في عصر عمر بن عبد العزيز بالتدوين، ولكن التجربة فشلت، وبعد أن جاءت الدولة العباسية وأطاحت بالدولة الأموية وقتلت وشردت كل ما هو أموي بدموية شديدة، بخلاف عبد الرحمن الداخل الذي هرب إلى الأندلس وكوّن دولته هناك، والدولة العباسية هاشمية، ولكن حدث خلاف داخل البيت الهاشمي بين بني العباس والعلويين واستمر الصراع، ولكن الدولة العباسية أكملت ما بدأه الأمويون في هذا الشأن، ومع التضخم المالي والاعتماد على الفرس -كانوا متقدمين في علوم التنظير والتقنين- بدأوا في صياغة هذا التدين الجديد بكتابة كتب الحديث وتثبيت أركانها بما يسمى علم الرجال، حتى علوم اللغة أو ما يسمى النحو، صنعه سيبويه الفارسي الذي كان لسانه أعجميا، والدخول إلى التفاسير وتأويل الآيات والتفاسير تبعا لرغبات الهوى السياسي، وبالتأكيد لن يكون هناك مانع من نسبة هذا التفسير أو ذاك لابن عباس، رفعا لقيمة الدولة العباسية من جهة لنسبتهم لابن عباس، ولتقوية مفاهيمهم السياسية من جهة، وللمثال لا الحصر، الآية الكريمة (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)
وهي آية تجعل القتل عملا شائنا وتعظيمه بدرجة كبيرة، نسبت التفاسير لابن عباس أن من ضمن الفساد في الأرض الشرك بالله، لتبيح قتل كل المخالفين وتفتح الباب وتريح ضمير المقاتلين للقتل على المشاع تحت دعاوى الشرك بالله، وعلى هذا النسق تمت صناعة الفقه وغيره من الأمور المكملة التي تخدم الهوى السياسي من جهة وتشغل المسلمين من جهة أخرى بتوافه الأمور، فالأمور التي يمارسها كل الناس بشكل طبيعي سواء دخول الخلاء أو معاشرة الأزواج أو الطلاق والزواج أو حتى التطهر، صنعوا لها أبوابا وتفاصيل ودقائق وخلافات، وكيف كان الرسول يتبول وكيف كان يجامع وكيف كان يتطهر وكيف كان يأكل وكيف كان ينام وكيف كان يمشي، حتى يغوص المتدينون ومن يرغب في التدين، في هذه التفاصيل حتى تضخمت هذه الأبواب في هذا التدين المصنوع على حساب كيفية تطويع الطبيعة لخدمة البشرية، لأن اقتصاد الدولة الحقيقي كان قائما على الغزو وليس الإنتاج وتركوا أمور الإنتاج لأبناء الدول المفتوحة من غير المسلمين، على أن يدفعوا الخراج للدولة المركزية، وبعد أن ضخموا التفاصيل إلى درجة التشبع، فوجئنا بهم يصنعون ما يسمى الفوازير الفقهية، من أمثلة حامل قربة الفساء، هل يصلي بها أم لا؟ وحكم طهارته ونجاسته، وإذا ولدت بقرة إنسانا وأصبح عالما، هل نذبحه في العيد لأنه ابن بقرة أم نسمع لفتاويه كعالم دين؟ ورجل بذكرين بأيهما يجامع وبأيهما يتبول إلى آخر هذه الترهات التي غرق فيها أرباب الفقه ورجاله.

وتم إغلاق باب الاجتهاد لاحقا بالتأسيس لعلم أصول الفقه، وأنه لا اجتهاد مع النص، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأنه بعد القرآن والسنة يأتي الإجماع والقياس ووضعك في مربع مغلق لا مجال فيه للعقل ولا التغيير. 
وعندما جاء المعتزلة بتعظيم العقل وتقديمه على النص، وأمضى المعتزلة عقودا مزدهرة في عهد المأمون والمعتصم، ولكنهم وقعوا في خطأ فرض الرأي بقوة السياسة عندما تصدى المأمون والمعتصم لأحمد بن حنبل وعذباه وفرضا رأيهما بالقوة، هُزِم المعتزلة هزيمة ساحقة وانتصرت مدرسة النقل وما زالت منتصرة حتى الآن، والمشكلة أن 12 قرنا لاحقا على هذا الانتصار غير قادر على الوقوف على أبعاد المشكلة وتغيير قوانين اللعبة، ووضع كل هذا التراث تحت البحث والتحليل وإدخاله للمعمل، لا أن ندخل نحن المعمل تحت وصايته، المتدينون الحاليون، وعلى قمتهم الأزهر، مصرُّون على وضعنا في المعمل تحت وصايته.

الحل في صناعة تدين جديد مبني على القيم العليا من بر الوالدين والأخوة والإيثار والتراحم وقبول الآخر والتوافق مع القيم الإنسانية العالمية التي حدثت فيها درجة من التطور مقبولة وقابلة للتعديل والتغيير دوما، فهي لا تقف عند حدود.

بدون ذلك نحن أمام أزمة وأمام أجيال لاحقة من المتطرفين، سيظلون يستخدمون القوة والعنف ضد مواطنيهم في البداية، انتهاء بالعالم كله، تحت دعاوى لتكون كلمة الله هي العليا ودعاوى الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم، واقتداء بما نسب لابن عباس بأن الشرك مفسدة في الأرض تبيح الدم.

المصدر:التحرير الالكترونية.

تعليقات
Loading...