خمسون عاماً على هزيمة يونيو (١١): الهزيمة والتعذيب والمحاكمات العسكرية للمدنيين

المؤرخ ” خالد فهمي ” كتب مقالا بعنوان ” خمسون عاماً على هزيمة يونيو (١١): الهزيمة والتعذيب والمحاكمات العسكرية للمدنيين ” بتاريخ ” 2017-09-11 “، ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

في يوم ٧ يناير ١٩٦٨ صُدم المصريون بخبر في الصفحة الأولى من “الأهرام” يقول إن حسين عليش، وكيل إدارة المخابرات العامة ، قد أحيل لمحكمة الثورة بسبب قيامه بتعذيب محامي اسمه الدكتور عبد المنعم الشرقاوي في قضية سياسية. وعندما أحالت المخابرات العامة هذه القضية السياسية لمحكمة عسكرية تبين للمحكمة العسكرية أن المحامي كان قد تعرض للتعذيب، وأن اعترافاته كانت وليدة ذلك التعذيب، فحكمت ببراءته. لذلك، وكما قالت “الأهرام” فقد تقرر “إجراء تحقيق شامل في عملية التعذيب ذاتها وتقديم المسئولين عنها للمحاكمة أمام محكمة الثورة باعتبار أن الإقدام عليه جريمة ضد الثورة قبل أن تكون جريمة ضد الفرد الذي يتعرض لها.”
الأهرام، ٧ يناير ١٩٦٨
أما سبب المفاجأة فكان أن المخابرات العامة كانت لها اليد الطولى في البلاد، فعلى مدار أكثر من عشر سنوات كان يتربع على رأس هذا الجهاز الخطير رجل مرهوب الجانب اسمه صلاح نصر كان يرتجف الناس من مجرد ذكر اسمه. فصلاح نصر ترأس هذا المخابرات العامة منذ عام ١٩٥٧ وعمل طوال عقد من الزمان على تقويته بتجنيد المئات من المخبرين السريين، وزيادة ميزانية الجهاز، وإقامة الشركات التجارية بالتعاون مع القوات المسلحة والمخابرات الحربية على أن يتقاسموا أرباح هذه الشركات دون تدخل من الجهاز المركزي للمحاسبات أو أي جهة رقابية أخرى. ثم بدأ في التجسس على  مئات، وآلاف، إن لم يكن الملايين من المواطنين المصريين، وابتزازهم بتشويه سمعتهم وتلفيق الاتهامات لهم وتعذيبهم للاعتراف بتهم لم يرتكبوها.
كان المصريون على كافة مشاربهم وانتماءاتهم على علم بهذه الممارسات البغصية، ونشأ جيل كامل منهم في ظل هذا الخوف العميق من المخابرات ورجال المخابرات الذي أطلق عليهم لاحقا لفظ “زوار الفجر”. ولكن ونظرا لهذ الخوف لم يجرؤ أحد منهم على التعبير عن هذه الممارسات المخزية علنا حتى لا يناله هو نفسه بعضا مما يتهامس به الناس.
لذا كان من الغريب بمكان أن يقرأ الناس خبر اتهام مسؤول كبير في هذا الجهاز الخطير، وأن يعلموا أنه قُدم لمحاكمة استثنائية اسمها “محكمة الثورة” كانت قد شكلت قبلها بأسابيع قليلة للنظر في قضية أكبر وأخطر من التعذيب بكثير، ألا وهي قضية التآمر ومحاولة قلب نظام الحكم. (التي سأتناولها في مقال قادم)
 وما هي إلا أيام قليلة أخرى حتى قرأ المصريون خبرا آخر صادما في الصفحة الأولى من “أهرام” يوم ١١ يناير. العنوان الرئيسي في أهرام ذلك اليوم قال “وقف العمل بقانون الأحكام العسكرية لحين تعديله” . أما الخبر نفسه فقال “علم مندوب الأهرام أنه قد صدر قرار بوقف العمل بقانون الأحكام العسكرية فيما يتعلق بالمدنيين والبدء فورا بتعديله. ” وأضاف الخبر “وقد كشفت بعض الظروف الأخيرة — ومنها قضية الدكتور عبد المنعم الشرقاوي أوضاعا خطيرة ترتبت على بعض مواد هذا القانون وعلى الظروف التي صدر فيها وعلى التجاوز في تطبيقه.”
الأهرام، ١١ يناير ١٩٦٨
وما هو إلا أسبوع آخر حتى قرأ المصريون اسم صلاح نصر نفسه ضمن ٥٥ متهما قُدموا لمحكمة الثورة بتهمة التآمر للاستيلاء على السلطة، وتغيير نظام الحكم القائم بالقوة، والاستيلاء على قيادة الجيش. كان الناس يتابعون موضوع قضية الساعة، قضية محاولة الانقلاب التي قام بها بعض رجال القوات المسلحة المقربين من المشير عبد الحكيم عامر، وكانوا قد قرأوا طبعا خبر انتحار المشير قبلها بشهور أربعة (يوم ١٤ سبتمبر ١٩٦٧)، ولكن الجديد هو ورورد اسم صلاح نصر ضمن قائمة المتهمين، إذ أن معنى ذلك أن المخابرات العامة كانت ضالعة في محاولة الانقلاب وأن تلك المحاولة لم تكن قاصرة على القيادات العليا في القوات المسلحة.
الأهرام ١٨ يناير ١٩٦٨
وكأن هذه المفاجآت لم تكن كافية، نشرت “الأهرام” بعدها بعشرة أيام، أي في ٢٩ يناير ١٩٦٨، خبرا عن اتخاذ مجلس الوزراء عدة قرارات خطيرة كان من أهمها قرار وقف العمل بالقانون ٨٤ لسنة ٥٣ الذي كان يخول للشرطة العسكرية صفة الضبطية القضائية بالنسبة للمدنيين. وأضاف الخبر شارحا أن ذلك كان “تحقيقا لنفس الهدف الذي من أجله أوقف العمل بقانون الأحكام العسكرية بالنسبة للمدنيين.”
الأهرام ٢٩ يناير ١٩٦٨
فما هو السر وراء هذا التحول الخطير في سلوك الدولة تجاه التعذيب؟ فالتعذيب، كما ذكرت سابقا، لم يكن وليد اللحظة بل كان ممنهجا ومتبعا على مدار عقد من الزمان، وكان أمره معروفا لدى الجميع من أصغر مواطن لرأس الدولة، أي جمال عبد الناصر شخصيا. فلم أطيح بصلاح نصر وقتها فقط، وليس قبل ذلك؟ ولم قُدم للمحاكمة سنة ٦٨ نتيجة تعذيب مواطن اسمه عبد المنعم الشرقاوي وليس بسبب تعذيب وقتل المئات من المواطنين الشرفاء قبله؟ وما علاقة التعذيب بالمحاكمات العسكرية، وبقانون الأحكام العسكرية، وبالضبطية القضائية التي أعطاها قانون صدر عام ٥٣ للشرطة العسكرية، وبالنيابة العسكرية التي أعطاها نفس القنون  سلطة حبس المواطنين المدنيين بدون قيد؟
وكما سنرى، فإن الإجابة على تلك الأسئلة توضح خطورة تقديم المدنيين للمحاكمات العسكرية، وخطورة تخويل الشرطة العسكرية سلطة الضبطية القضائية بالنسبة للمدنيين، وخطورة غياب الرقابة الشعبية على أجهزة الأمن. وأقصد بـ”خطورة” هنا الخطورة ليس فقط على أمن المواطنيين وحريتهم الشخصية، بل أيضا على استقرار البلاد وأمنها القومي.

قد يتبادر للذهن أن السبب وراء تفجير هذه القضية والإطاحة بمن بُدء بالإشارة لهم كـ”مراكز القوة”هو أهمية الضحية في تلك الواقعة تحديدا. على أن قضية تعذيب عبد المنعم الشرقاوي لم يكن بها أي صفة خاصة تميزها عن آلاف القضايا الأخرى التي راح فيها مواطنون مصريون شرفاء ضحايا السلطة المنفلتة عقالها. فعبد المنعم الشرقاوي كان محاميا فتح مكتب محاماة  بالكويت، وأثناء عمله هناك  كون ثروة صغيرة وكان تواقا لتحويل مدخراته لأهله في مصر، وأنه كان يشجع الماليين في الكويت على الاستثمار في مصر. على أن هيئة الأمن القومي في المخابرات العامة كان لها رأي آخر في عبد المنعم الشرقاوي، فقد اتهمته في يونيو ١٩٦٦ بإذاعة أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة حول الأوضاع الداخلية في البلاد ، وأنه كان يباشر نشاطا في الخارج من شأنه الإضرار بالمصالح القومية للبلاد في زمن الحرب.
عبد المنعم الشرقاوي
وبناء على هذه الاتهامات ما لبثت إدارة المخابرات أن قبضت على الدكتور الشرقاوي في ١٣ يوليو ١٩٦٦ وظل محتجزا لمدة ١٨ شهر حتى قدم لمحكمة عسكرية لمحاكمته بناء على قانون الأحكام العسكرية  الذي صاغه عبد الحكيم عامر والذى أصدره مجلس الأمة في ٢٣ مايو ١٩٦٦.
على أن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي سفن المخابرات، فالمحكمة شهدت واقعتين أدتا في النهاية للحكم ببراءة المحامي عبد المنعم الشرقاوي وإظهار مدى فساد إدارة المخابرات العامة برئاسة صلاح نصر.
أما الواقعة الأولى فكانت أن تعرف عبد المنعم الشرقاوى أثناء انقايده لقاعة المحكمة على أحد الجنود الذين كانوا يحرسونه أثناء احتجازه والتحقيق معه وتعذيبه، وطالب باستدعاء هذا الجندي، واسمه محمد نصر، واستجوابه عن حقيقة ما رآه من واقعة التعذيب، وهو الأمر الذي استجابت له المحكمة. وعند استجواب المحكمة العسكرية له، أكد الجندي واقعة التعذيب. أما الواقعة الأخري فكانت أن وكيل النيابة العسكرية الذي باشر التحقيق مع عبد المنعم الشرقاوي المحامي، واسمه سمير ناجي، اعترف أمام المحكمة أن المتهم أحضر له وهو معصوب العينين وأنه كان يشكو من التعذيب، وأنه توسل له أن يأمر بإيقاف التعذيب قائلا إنه يفضل الموت على التعذيب.
وبناء على هذه الأقوال والشهادات حكمت المحكمة العسكرية في يوم ٢٦ ديسمبر ١٩٦٧ ببراءة الدكتور عبد المنعم الشرقاوي، وأفرج عنه في اليوم التالي.
***
في خبر غير موقع نشرته الأهرام في ٨ يناير ١٩٦٨، أي بعد يوم واحد من نشر خبر تعليق العمل بقانون الأحكام العسكرية، قالت الإهرام في محاولة لتفسير أهمية هذه القضية وتمهيد الطريق للرأي العام لتقبل ما هو آت قالت الأهرام: “إننا لا يمكن أن نتصور أنه كان ثمة عداء شخصي بين الدكتور الشرقاوي وبين الذين قاموا باتهامه وحمله على الاعتراف بأمور لم يرتكبها . ولو أن الأمر اقتصر على ذلك لكانت هذه الحادثة مجرد حادثة من حوادث الانحراف الفردية التي يمكن أن تقع في أي دولة وفي أي جهاز. ولكن هذا الانحراف مرتبط في الواقع بطبيعة جهاز المخابرات حينما يتسلط على القائمين عليه طلب السلطة والرغبة في الاحتفاظ بها، وحينما يجدون أن خير وسيلة إلى ذلك هي إثبات وجودهم ومدى حاجة الدولة إلى خدماتهم . ومع تشعب اختصاصات هذا الجهاز وتغلغلها في جميع النواحي فتتسلط الروح البوليسية عليه ويندفع إلى التشكيك وإلى الاتهام وإلى تنصيب نفسه حارسا على المجتمع ويتحول إلى دولة لها سلطانها ونفوذها ونظرتها الخاصة للأمور وإلى الأشخاص. وهو يجد دائما تبريرا لانحرافه في الدفاع عن أمن الدولة والمجتمع.”
الأهرام، ٨ يناير ١٩٦٨
وإن كنا نرى أسلوب هيكل المميز في هذا التحقيق الهام، فيجب ألا نغفل حقيقة إدراك عبد الناصر نفسه لخطورة الوضع ولكون النظام الذي أرسى هو قواعده يعتريه خلل هيكلي. ففي خطابه العام يوم ٢٣ نوفمبر ١٩٦٧ الذي حاول فيه شرح ملابسات وأسباب الهزيمة الثقيلة التي مني بها الجيش قبلها بخمسة أشهر، وللوضع الخطير الذي وجدت البلاد نفسها فيه بعد محاولة الانقلاب، كاد أن يعترف بأن ما حدث في إدارة المخابرات وانكشاف دور صلاح نصر في مؤامرة الانقلاب علامة على فساد النظام من ساسه لراسه. على أن اعترافا كهذا كان من شأنه أن يدينه هو نفسه، وهو الأمر الذى كان يجاهد على أن ينفيه منذ وقعت الواقعة يوم ٥ يونيو وأن يلقي باللائمة على بعض العناصر الفاسدة. وقبل أن نستمع لهذه الخطاب بدقة، أو بالأحرى لجزء منه (الخطاب استغرق أكثر من ساعتين ونصف)، يجدر التنويه إلى دلالة الاسم الذي تقرر استخدامه للإشارة لما حدث في إردارة المخابرات. فالإسم الرسمي للقضية التي حوكم بها صلاح نصر لم يكن “قضية فساد المخابرات العامة” بل “قضية انحراف المخابرات العامة”، وكأن كان من الضروري التأكيد على أن ما كان يشهده هذه الجهاز الخطير ليس فسادا مؤسسيا يشير بدوره إلى فساد النظام برمته، بل مجرد انحراف بعض أفراده الذين “تسلطت عليهم طلب السلطة والرغبة في الاحتفاظ بها.” حسب كلام هيكل التبريري.
[embedded content]
في هذا المقطع الدال من واحد من أهم خطب عبد الناصر يعترف فيه بخطورة “انحراف” جهاز المخابرات العامة ويقول إنه كان يعلم بأن الناس تتساءل “إزاي انت  ما كنتش عارف؟إزاي الريس ما كنش عارف بالجاري وبهذه الانحرافات؟ وأنا بقول إن النهارده فرصة إن أنا أرد على هذه التساؤلات… إذا كانت الانحرافات حصلت في المخابرات، وإذا كانت المخابرات المفروض إنها تقول لي على الانحرافات اللي تحصل في البلد، ما كنش ناقص غير إني أعمل مخابرات على المخابرات، وأعمل مخابرات على جهاز رقابة المخابرات، وهكذا لا ننتهي.  ولكن أتل بقول إن اللي حصل برضه كان نتيجة الاتجاه نحو مراكز القوة والاتجاه نحو خلق مجموعة تستطيع أنها تحكم ونسيت نفسها فانحرفت وموصلتش، قبل ما توصل للهدف اللي هو الحكم وجدت إن سهل الانحرافات فانحرفت…. أنا بأقول لكم بصراحة إن أنا كنت أري بعض مظاهر هذه الانحرافات قبل ٥ يونيو ولكني لم أكن أتصور مداه. حاولت بكل ما أستطيع، نجحت أحيانا ولم أر الحقيقة كلها في أحيان أخرى. وأنا فعلا كنت أشفق على البلد من تكتات القوى ومراكز القوى ، وكان حديثي دائما أمام انتخابات الرياسة وبعد كده عندكم هنا [أي في مجلس الأمة] ومرة جيت لكم وقلت لكم نعمل حزب أو نعمل حزبين … وكان حديثي عن الديمقراطية والمزيد من الديمقراطية، لأن دا كان السبيل الوحيد إن احنا نغطي على الانحرافات … أنا أيضا مرة اتكلمت معاكم على أساسا إن احنا في حاجة لمجتمع مفتوح . لكن طبعا بتوع المخابرات كانت وسائل الإخفاء [عندهم] مباحة بالنسبة لدولة المخابرات اللي تغلغلت واللي انحرفت  أنا باعتبر أن هذه الدولة سقطت.”
ما يقوله عبد الناصر هنا في غاية الأهمية، إذ أنه يقر ويعترف بأنه كان يدرك وجود فساد في المخابرات، ولكنه يدعي بأنه لم يكن يعي المدى الذي وصل إليه هذا الفساد. ثم هو يعترف بأن  الدولة التي أنشأها كانت تفتقر لآلية تحد من فساد أجهزتها الرقابية (أو ما نسميه الآن “الأجهزة السيادية”)، فإذا كان جهاز المخابرات من المفروض أن يكشف الفساد، ماذا عساه يفعل إذا كان هذا الجهاز نفسه فاسدا؟
***
Quis custodiet ipsos custodes?
هذا بيت شعر لاتيني معناه “مين يحرس الحراس؟” هذا سؤال أزلي ويرجع حتى لما قبل الرومان. أفلاطون في جزء كبير من جمهوريته كان يطرح  هذا السؤال، والفكر السياسي الغربي، والإسلامي، طرح هذا السؤال بأشكال مختلفة. وهو سؤال طرحته أنا هنا علي مدونتي في إشارة للمأزق الذي يجد السيسي نفسه فيه الآن. وعودة لخطاب عبد الناصر، ما نراه هنا هو أن عبد الناصر اكتشف أن دولته لا يوجد لديها جواب علي هذا السؤال، فكما اعترف هو نفسه تكمن الإجابة الوحيدة في الديمقراطية، أي تفعيل الأدوات التي يمكن بها للشعب أن يقوم بدور الرقابة المحوري الذي بدونه سينتشر الفساد في جسم الدولة . ولكن بالرغم من إدراكه لضرورة إقامة الديمقراطية كان يعلم أن النظام الذي أنشأه عام ١٩٥٤ كان سيؤدي إلى استغلال دولة المخابرات لأي انفراجة ديمقراطية قد تحدث. وبالتالي كان عليه أن يقضي على هذه الدولة، وكأنه كان يقول “النظام يريد إسقاط الدولة”، أي دولة المخابرات.
أما لماذا لم يشرع عبد الناصر في إقامة حياة ديمقراطية بعض قضائه على دولة المخابرات، ولماذا جاء بيان ٣٠ مارس بالهذالة التي جاء بها وفشل في تحقيق ديمقراطية حقيقية فلذلك الموضو ع مقال آخر. أما ما يجب توضيحه هنا هوعلاقة فساد المخابرات الذي كان من أهم علاماته استشراء التعذيب على أيدي “زوار الفجر” — علاقة هذا الفساد بقانون الأحكام العسكرية وبتخويل الشرطة العسكرية سلطة الضبطية القضائية بالنسبة للمدنيين.
ولتوضيح ذلك يجب الرجوع لتفاصيل قضية الدكتور الشرقاوي، فهذه القضية هي التي لفتت أنظار المسؤولين لعلاقة التعذيب كعلامة من علامات فساد المخابرات بفساد قانون الأحكام العسكرية وضرورة تعديلة.
فالدكتور الشرقاوي لم يكن عسكريا، ولكنه قُدم لمحاكمة عسكرية. وإن كانت المحكمة العسكرية قد برأته فإن القضية أظهرت مشكلتين لولاهما لما مثل الدكتور الشرقاوي أمام المحكمة أصلا.
أما المشكلة الأولى فكانت فساد جهاز المخابرات وتفشي التعذيب فيه كممارسة منهجية. ولا داعي للإفاضة في شرح هذه النقطة فيكفي ما سبق قوله.
أما المشكلة الثانية فهي الثغرة القانونية التي سمحت لمدني مثل الدكتور الشرقاوي أن يمثل أمام محكمة عسكرية دون ارتكابه جرم يمس كيان المؤسسة العسكرية.
تمثلت هذه الثغرة في قانون الأحكام العسكرية الذي صدر في ٢٢ مايو ١٩٦٦. هذا القانون كان واحدا من سلسلة من القوانين التي دفع بها عبد الحكيم عامر وأراد بها توسيع قاعدته في الدولة وتحويل الجيش الذي سيطر عليه لـ”دولة داخل الدولة”، كما انتشر وأشيع وقتها.
***
في مقال للدكتور جمال العطيفي نُشر في الأهرام بتاريخ ١٢ يناير ١٩٦٨ توضيح لأوجه الخلل في هذه القانون الذي سمح بمقاضاة المدنيين أمام القضاء العسكري.
جمال العطيفي عندما كان وكيل مجلس الشعب يقلد حسني مبارك وساما تكريما له على دوره في حرب أكتوبر، ١٩ فبراير ١٩٧٤
في مقاله  الهام يقول العطيفي إن قانون الأحكام العسكرية الصادر عام ١٩٦٦ كان ضروريا لتلافي أخطاء القانون السابق عليه، وهو قانون صدر عام ١٨٩٣. ولكن بالرغم من ضرورة إصدار قانون جديد إلا أن قانون ١٩٦٦ حمل الكثير من العيوب التي أصابت منظومة العدالة برمتها وليس فقط حقوق مواطن مثل الدكتور عبد المنعم الشرقاوي.
يقول الدكتور العطيفي أن قانون الأحكام العسكرية كانت تكتنفه ثلاثة عيوب رئيسية. أول هذه العيوب هو انتهاكه لمبدأ تجانس القضاء، فتاريخ القضاء المصري الحديث ينم عن اتجاه نحو توحيد جهات القضاء و التخلص من التعددية القضائية التي كانت تشهد تواجد قضاء أهلى بجانب قضاء شرعي بجانب قضاء مختلط. ويضيف العطيفي إن ثورة  ١٩٥٢ أحسنت صنعا عندما ألغت القضاء الشرعي في خطوة مهمة نحو توحيد القضاء، ولكن إذ بقانون الأحكام العسكرية يضيف قضاءا عسكريا إلى القضاء العادي. لذا طالب بأن تندرج المحاكم العسكرية تحت لواء القضاء الموحد على أن تنشأ محكمة عليا تشرف على حسن تطبيق القانون وتفسيره (وهو ما حدث بالفعل بإنشاء المحكمة العليا التي سميت لاحقا بالمحكمة الدستورية العليا). أما قانون ١٩٦٦ فليس فيه ما يضمن نشر أحكام المحاكم العسكرية حتي يمكن مناقشة أسبابها والتعليق عليها ومراجعة ما تتضمنه من مبادئ قانونية. بل الأخطر، حسبما أفاد الدكتور العطيفي، فإن هذه المحاكم العسكرية تنفرد في ظل قانونها الحالي بتقدير ما يدخل من جرائم في اختصاصها. وأضاف “لو افترضنا أن محكمة عسكرية تجاوزت اختصاصها المنصوص عليه في القانون أو أخطأت في تقدير حدود هذا الاختصاص ورأت مثلا أنها مختصة في نظر جريمة قتل عادية …. أو غيرها من الجرائم التي لا جدال في اختصاص المحاكم العادية بها فإن المحاكم العادية لا تملك مجادلتها في ذلك.
أما ثاني العيوب التي كانت تعتور قانون الأحكام العسكرية الصادر عام ١٩٦٦ فهو انتهاك مبدأ استقلال القضاء. هنا يؤكد الدكتور العطيفي إن ما يقصده ليس ذلك التعريف الضيق لمصطلح استقلال القضاء، حيث يعني أن يُنظر للقضاء كسلطة مستقلة أو ينظر لهذا الاستقلال من زاوية كرامة القضاء، بل ما يعنيه هو ألا يُحاكم الشخص إلا أمام قاضيه الطبيعي، وإلا يسلب من القضاء الطبيعي اختصاصه. ويوضح العطيفي مقصده قائلا “إن هذا الاستقلال يعني المواطن قبل أن يعني القضاء ذاته، فهو ليس ولا يجب أن يُنظر له على أنه ميزة أو حصانة خاصة للقضاء، بل أنه ميزة وحصانة للمواطن.”
أما ثالث العيوب فكان غياب الضمانات الكافية التي يقدمها قانون الأحكام العسكرية لمحاكمة عادلة.  والمقصود هنا حماية حريات المواطنين وأمنهم. فمقارنة بسلطة الحبس المقيدة في القضاء العادي والتي لا تسمح للنسيبة باحتجاز متهم بالقتل إلا لمدة خمسة وأربعين يوما وإلا عرضت القضية لجهة تحقيق أعلى، يتيح قانون الأحكام العسكرية للقضاء العسكري أن يحتجز مواطنا لمدد غير مقيدة وأن يحرمه من حريته بشكل تعسفي. ويشرح العطيفي قائلا “أما إذا اتهم مدير شؤون العاملين بإحدى المؤسسات مثلا بأنه استخدم شخصا دون أن يقدم الشهادة الدالة على أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها، فإنه يحاكم أمام المحكمة العسكرية ومتى تقرر ذلك فإنه يجوز حبس المتهم احتياطيا ، ولم يحدد القانون أقصى مدة لهذا الحبس الاحتياطي كما أنه لم يحدد جهة للتظلم أمامها، فكأنه في الواقع لا يوجد أي ضمان للمواطن.”
***
لم يشر جمال العطيفي في مقاله الهام بشكل مباشر لقضية الدكتور عبد المنعم الشرقاوي، ولكن المتصفح لما تناولته الجرائد والمجلا ولخطب عبد الناصر في الشهور والأسابيع التالية لهزيمة يونيو يدرك أن الدولة نفسها كانت بدأت في التنبه لحقيقة أن للهزيمة القاسية أسبابا هيكلية وغير عسكرية. فعبد الناصر نفسه يشير لوجود “انحراف” في جهاز مهمته كشف الانحرافات في الدولة، كما يعترف بأن هذا الانحراف وصل لأن يشترك رئيس هذا الجهاز في محاولة قلب نظام الحكم. ثم هناك الاعتراف بأن انحرافات هذه الجهاز، وإن كان بعضا من أسبابه ترجع لفساد الذمم وانحراف بعض الرؤساء، إلا أنه كانت هناك أيضا أسباب هيكلية بل قانونية، منها الثغرات الكامنة في قانون الأحكام العسكرية التي سمحت لهذا الجهاز الفاسد أن يقدم مدنيين لمحاكمات تنعدم فيها أبسط وأهم ضمانات المحاكمات العادلة. ثم هناك أخير الاعترف المبطن من رأس الدولة أن خير ضمان لمحاربة الفساد، أو الانحراف، هي الديمقراطية. كل هذه الشواهد تدل على أن الشهور التالية للهزيمة وحتى فبراير – مارس ١٩٦٨ كان هناك إدراك متزايد بأن الهزيمة كانت لها أسباب هيكلية كامنة داخل النظام السياسي برمته وليس فقط في المؤسسة العسكرية، بل يمكن القول بأن عبد الناصر نفسه كان يدرك أن “الانحراف” وغياب الديمقراطية كانا من أهم العوامل التي أدت للهزيمة، فهو كان يعرف أن المخابرات كانت تتجسس على المواطنين وتعذبهم بدلا من التجسس على العدو وتعرف نواياه، وأن هذا الانحراف في جهاز المخابرات كان سببه عدم وجود آلية ديمقراطية يمكن أن تراقب هذا الجهاز الحساس، وأن القوانين المنظمة للمؤسسة العسكرية كان هي الأخرى ضالعة في هذا الخلل المؤسسي.
***
ومن المؤسف حقا أن نجد أنفسنا بعد خمسين سنة من هزيمة يونيو الثقيلة، وبعد ست سنوات من ثورة شعبية سلمية حاولت بجدية أن تنقذ هذه الدولة الفاسدة من الانهيار، من المؤسف أن نجد أنفسنا خاضعين لنظام يحاكي بدقة يحسد عليها كل السياسات والتدابير التي أدت بنا إلى واحدة من أفجع المصائب التي منينا بها في العصر الحديث.

شارك هذا الموضوع:

معجب بهذه:
إعجاب تحميل…

Related

المصدر : موقع الدكتور خالد فهمي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...