السفير علاء الحديدي

هل ينقسم العالم إلى معسكرين متضادين؟

السفير علاء الحديدي، كتب مقالا جديدا في جريدة “الشروق المصرية” تحت عنوان “هل ينقسم العالم إلى معسكرين متضادين؟” بتاريخ “2017-09-12”

انتهت أعمال القمة التاسعة لتجمع دول الـ«بريكس» الخمس فى الصين الأسبوع الماضى، والتى شاركت فيها مصر ضمن خمس دول أخرى دعيت لهذه المناسبة المهمة. وقد حفلت وسائل الإعلام المصرية بالعديد من التعليقات والتحليلات حول دور البريكس على الساحة الدولية، وأهمية المشاركة المصرية فيها. وكانت القمة المذكورة قد جاءت بعد أسابيع قليلة من إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على استقطاع جزء من المعونة الأمريكية المقدمة لمصر، وتجميد أو إرجاء جزء آخر، وهو القرار الذى أثار العديد من علامات الاستفهام والكثير من الغضب والاستنكار. وكان للقرب الزمنى بين هذين الحدثين ما دفع البعض إلى العمل على إيجاد علاقة بينهما، وكأن المشاركة المصرية فى القمة المذكورة قد جاءت ردا على هذا القرار الأمريكى، وأسهب البعض فى الحديث عن اعتراض وتخوف واشنطن من انضمام مصر إلى هذا التجمع. وزاد البعض وبما يوحى بأن تجمع البريكس يمثل تكتلا مضادا لأمريكا، وأننا بصدد معسكرين متضادين، ونعيش أجواء حرب باردة جديدة بين واشنطن من ناحية وبين الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب إفريقيا من ناحية أخرى. فهل نحن فعلا مقدمون على حرب باردة جديدة بين معسكرين متضادين؟قبل أن نجيب على هذا التساؤل، فيجب علينا أولا العودة إلى الماضى لعقد مقارنة مع ما يحدث الآن. فلقد انتهت الحرب العالمية الثانية بظهور ما بات يعرف باسم القوتين الأعظم؛ الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من الدول الأوروبية الغربية التى انضوت جميعا فى تحالف عسكرى باسم الناتو، وتجمع اقتصادى بين الاقتصاديات الأوروبية الغربية تحولت إلى السوق الأوروبية المشتركة وقتذاك، فضلا عن سيادة النظم السياسية الديمقراطية والثقافة الرأسمالية والإيديولوجية الليبرالية. على الجانب الآخر الاتحاد السوفيتى مع حلفائه من دول أوروبا الشرقية الذين انضووا بدورهم فى حلف عسكرى مضاد عرف باسم حلف وارسو، كما تجمعت اقتصاديات دول شرق أوروبا فى منظمة الكوميوكون وتدين بالنظام السياسى والإيديولوجية الشيوعية. وهكذا ظهر المعسكر الشرقى الشيوعى بقيادة موسكو فى مواجهة المعسكر الغربى الرأسمالى بزعامة واشنطن. هذا، وقد انتهى الصراع بين هذين المعسكرين كما هو معلوم بانهيار الاتحاد السوفيتى وانتصار الولايات المتحدة.يقود ذلك إلى التساؤل عن أوجه الشبه والاختلاف بين ما حدث أمس وبين ما يحدث اليوم، وهل وجود بعض مظاهر التنافس والصراع بين موسكو أو بكين من ناحية، وبين واشنطن من ناحية أخرى يعنى أننا مقدمون على معسكرين متنافسين كما كانت عليه الحال فى السابق؟ الاختلاف الأول يدور حول استمرار حلف الناتو فى ممارسة عمله ونشاطه، بينما لا يوجد حلف عسكرى يجمع بين موسكو وبكين، ناهيك عن الدول الثلاث الأخرى فى البريكس. بل إن التوتر العسكرى يسود العلاقات بين الهند والصين، وكان من آخر مظاهرها ما شهدته منطقة الحدود بينهما على جبال الهيمالايا من حشود واستنفار كادت أن تتحول إلى مواجهة عسكرية قبل أسابيع قليلة من عقد قمة البريكس. أما البرازيل أو جنوب إفريقيا، فإنهما أبعد ما يكونان عن الدخول فى تحالف عسكرى مع روسيا أو الصين أو حتى الهند. فإذا تحدثنا عن البعد الاقتصادى، فرغم ما يتمتع به اقتصاد كل دولة على حدة من مواطن قوة أو ضعف، وهو ما عرضت له بشكل أكثر تفصيلا فى مقالى السابق الأسبوع الماضى بعنوان (لماذا الـ«بريكس»؟)، فإن العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما لا تعادل أو تقارن بالعلاقات الاقتصادية والتجارية التى كانت تجمع دول منظمة الكوميكون سالفة الذكر فى السابق، أو تجمع دول الاتحاد الأوروبى على سبيل المثال أو حتى دول الأسيان ببعضهما البعض حاليا. حقيقة أن هناك بعض المؤسسات المالية التى تم إنشاؤها مثل بنك التنمية الجديد برأسمال مائة مليار دولار، ولكنها لا ترقى إلى أن تكون بديلا أو منافسا (على الأقل فى المستقبل المنظور) عن المؤسسات والبنوك الدولية والغربية الأخرى. وحتى مبادرة الصين لطريق الحرير الجديد، فقد أعربت الهند صراحة عن شكوكها إزاء أهداف هذه المبادرة ونواياها. أخيرا وليس آخرا، فلا توجد أيديولوجية واحدة تجمع دول البريكس فى مواجهة الأيديولوجية الرأسمالية الديمقراطية الغربية، حيث مازال النظام الصينى يتمسك بالأيديولوجية الشيوعية (وإن كانت على الطريقة الصينية)، بينما يتسم النظام الروسى بالقيم والتوجهات القومية فى مواجهة القيم والتوجهات الليبرالية الغربية. أما الدول الثلاث الأخرى، الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، فإنها تحظى بنظم ديمقراطية تقوم على تداول السلطة وتنافس الأحزاب فى ظل انتخابات مفتوحة للجميع. ولهذه الأسباب مجتمعة، فإن القول أو الإيحاء بوجود تكتل مناوئ أو منافس أو مضاد للولايات المتحدة فيه قدر كبير من المبالغة، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار حجم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين كل دولة من دول البريكس على حدة مع واشنطن، سواء تحدثنا عن الهند أو الصين أو البرازيل. وهو ما يجب معه وضع الأمور فى نصابها الصحيح. لا يعنى ما سبق التقليل من أهمية الـ«بريكس» كتجمع لبعض الدول، خاصة إذا كانت هذه الدول هى الهند والصين وروسيا والبرازيل وبما يتمتعون به من ثقل ووزن نسبى على الساحة الدولية. وهو ثقل ووزن لا يستهان به. وقد سبق أن أشرت فى مقالى السابق إلى الآمال والأحلام التى صاحبت إنشاء هذا التجمع، إلا أن التباين الشديد بين دوله فى نظمها السياسية والاقتصادية، فضلا عن التنافس بين الهند والصين، قد حال دون تحقيق هذه الآمال والطموحات. وتحول التجمع تدريجيا عن هدفه الاقتصادى ليصبح أكثر منها سياسيا. فهل يعنى ذلك عدم أهمية المشاركة المصرية فى هذا المحفل أو التخلى عن طلب الانضمام أو المشاركة فى أنشطته؟… بالقطع لا.يعود ذلك إلى أن السياسة الخارجية لأى دولة تعمل على توسيع دائرة الأصدقاء والحلفاء، وذلك من أجل كسب الأصوات المؤيدة لها فى مختلف المحافل والمنظمات الدولية. يضاف لما سبق العمل على فتح الأسواق وتشجيع التجارة والاستثمار مع جميع الدول والتجمعات الاقتصادية. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال إقامة ونسج علاقات مع مختلف الدول والقوى الدولية. هذه العلاقات لا يتم نسجها أو تحقيقها عبر لقاء أو زيارة واحدة، ولكن عبر جهد متواصل ودءوب يعمل على تنميتها وإدارتها بما يعظم المكاسب المشتركة، ويقلل من مساحة الاختلاف فى الرؤى والمصالح حين يحدث ذلك. فليست كل المصالح متطابقة تماما، وليست كل الخلافات تقطع العلاقات بين الدول، ولكن هناك مساحة لكليهما، وهو ما ينطبق على العلاقات بين دول مثل الهند والصين كما ذكرنا من قبل، ولم يمنع ذلك الهند، التى تتمتع أيضا بعلاقات ممتازة مع الولايات المتحدة، من الحضور إلى الصين والمشاركة فى قمة البريكس. لذلك فإن تلبية الدعوة الموجهة من الصين للمشاركة كضيف فى الحوار مع دول البريكس، لا تأتى من باب المناوأة للولايات المتحدة، ولا يجب تحميلها بتأويلات تثير من الشكوك لدى دول البريكس ما يجهض الغرض من المشاركة فى هذه القمة.

المصدر : الشروق المصرية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...