ايجي بوست
البروفيسور / مراد وهبة

رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (195) كوريا الشمالية فى السُبات الدوجماطيقى

الدكتور مراد وهبة، كتب مقالا في جريدة الأهرام المصرية، ويمكن الان قراءته عبر موقع مقالات مصرية

أظن أننى على صواب إذا ارتأيت أن ثمة دولاً فى هذا الزمان يمكن أن يقال عنها إنها تمتلك حقيقة مطلقة ترادف المعتقد أو «الدوجما» باللغة اليونانية. وأنا أوثر هذا اللفظ لأنه أكثر شيوعاً. وإذا كان ذلك كذلك فيمكن أن يقال عن هذه الدول إنها دوجماطيقية. وكان الفيلسوف الألمانى كانط يقول عنها إنها تغط فى سُبات دوجماطيقى، وأنه ليس فى الإمكان إيقاظها إلا إذا مارست نقد عقلها لكى تكتشف أن للعقل حداً لا يمكن تجاوزه، وهذا الحد هو المطلق، إذ ليس فى إمكان العقل قنصه بحكم نسبيته، ومع ذلك فإنه لا يتوقف عن محاولة قنصه. بل لن يتوقف إلا إذا توهم العقل، فى لحظة معينة، أنه قد قنصه، ومن ثم تسمى هذه اللحظة لحظة الوهم.

والسؤال بعد ذلك:

أين تكمن لحظة الوهم لدى كوريا الشمالية؟

عندما توهمت أن أمريكا هى العدو الذى يرقى إلى مستوى المطلق الذى يدخل فى تناقض حاد مع المطلق الشيوعى. وإذا كان التناقض الحاد يعنى ضرورة إقصاء طرف لآخر فمعنى ذلك ضرورة إقصاء كوريا الشمالية لأمريكا. ومن أجل إنجاز هذا الاقصاء اتجهت كوريا الشمالية إلى تطوير أسلحتها النووية لكى تنتهى إلى صناعة قنبلة هيدروجينية يحملها صاروخ باليستى عابر للقارات. هذا مع ملاحظة أن القنبلة الهيدروجينية تفوق القنبلة الذرية ألف مرة، وأن الإشعاع الناتج عن انفجارها يصل إلى مساحة قطرها 200 كيلومتر.

وقد تصادف أننى لمحت هذه اللحظة، لحظة الوهم لدى كوريا الشمالية فى عام 1970 عندما اختفت مؤلفات ماركس وانجلز وكان البديل مؤلفات الزعيم الكورى كيم إيل سونج الذى أصبح مرادفاً للمطلق.

وفى 28 أغسطس من عام 1988 التقانى رئيس الجمعية الفلسفية الكورية حيث كان انعقاد المؤتمر العالمى الفلسفى الثامن عشر ببرايتون بانجلترا، وكنت فى حينها رئيس الجمعية الفلسفية الأفروآسيوية. فى هذا اللقاء أبدى رئيس الجمعية رغبة فى الانضمام إلى الجمعية الفلسفية الافروآسيوية فوافقت مرحباً. وفى 12 أكتوبر 1988 تسلمت منه خطابا ينبئنى فيه بدعوتى إلى كوريا الشمالية. وفى حالة الموافقة يرسل الدعوة. وأنا بدورى أرسلت له خطاباً فى 31/10/1988 أنبئه فيه بالموافقة. وفى 16/1/ 1989 تسلمت منه خطاباً يفيد بأن تكون زيارتى فى هذا العام إن كان ذلك فى الإمكان، وإن لم يكن بسبب ارتباطاتى المتعددة، على نحو ما ارتأى، فهو على استعداد للحضور إلى القاهرة. واختتم خطابه بملاحظة أذهلتنى وهى أنه لم يصله منى أى خطاب للرد عليه.

وفى 9/4/1989 أرسلت خطابا أنبئه فيه بأننى قد أرسلت ثلاثة خطابات أنبئه فيها بقبول الدعوة مع ملاحظة عابرة وهى أننى أبديت احتمالاً بأن ثمة عقبات بريدية تقف حائلاً أمام تسلم خطاباتى. ومع ذلك فقد أخبرته بأن المستشار الثقافى بالسفارة الكورية قد التقانى فى الكلية التى أعمل بها، وبعد ذلك التقانى فى السفارة. كان ودوداً فى اللقاء مع سرد أفكار كيم ايل سونج واهدائى بعض مؤلفاته. وفى نهاية الجلسة وجه سؤالاً واحداً: هل زرت أمريكا؟ أجبت: نعم زرتها عدة مرات بدعوات أكاديمية. فعلق بلا تردد: خذ جواز سفرك وانتظر منى اتصالاً تليفونياً لتحديد موعد لمنح التأشيرة. لم أفهم ولكنى لم أعلق وغادرت السفارة، ولم يحدث أى اتصال، وبالتالى ألغيت الزيارة التى لم أطلبها أصلاً وإنما الذى طلبها هو الجانب الكورى. وأظن أن المغزى واضح وهو أن أمريكا هى العدو المطلق ولهذا فتدميرها أمر لازم، والترياق الفعال هو المزيج من القنبلة الهيدروجينية والصاروخ الباليستى. ومن هنا فإن أى تحرك سياسى من قِبل أمريكا أو مَنْ يساندها تجاه الأمم المتحدة أو مجلس الأمن هو من قبيل لحظة الوهم المقابلة للحظة الوهم لدى كوريا الشمالية ومَنْ يساندها من دول أخرى وميليشيات أصولية مسلحة. والمغزى أن الكل فى حالة وهم بسبب التعامل اللاعقلانى مع المطلق. ولكن الذى يعنينى فى هذه الحالة هو البحث عن النخبة لأنها وحدها القادرة على إزالة الوهم ومن هنا ورد إلى ذهنى السؤال الآتى:

أين النخبة فى كوريا الشمالية؟

فى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى تأسست فى كوريا الشمالية منظمة اسمها «تضامن المثقفين» أو بالأدق «تضامن المنشقين» إلا أن هذا التضامن تبخر بسبب هجرة هؤلاء المثقفين إلى كوريا الجنوبية ليناضلوا منها. وهذا وهم آخر وهو النضال من الخارج وليس من الداخل، ومن ثم لم يعد لمن تبقى من النخبة القدرة على الفعل الثقافى من أجل التغيير، ومن ثم دخلت النخبة فى زنقة ليس فى إمكان أحد إخراجها منها فى سياق نظام شمولى لا يسمح بالاختراق. ولا أدل على ذلك من توهم الجمعية الفلسفية لدى كوريا الشمالية أن فى مقدورها التعامل معى بمعزل من السلطة السياسية، بل يبدو أنها توهمت أن وجودها عضواً فى الاتحاد الدولى للجمعيات الفلسفية قادر على تحريكها خارج النسق السياسى المغلق. لأن الاتحاد نفسه فى ذلك الحين كان فى زنقة بسبب الصراع الحاد بين النظامين الشيوعى والرأسمالى خاصة أنه مع بداية عام 1989 بدأ الجدار الفاصل بين النظامين يتهاوى لمصلحة النظام الرأسمالى ودعوتى لزيارة كوريا الشمالية كانت فى نهايات عام 1988 وهو العام السابق مباشرة لعام 1989 الأمر الذى يدعو النظام الكورى الشمالى إلى الالتزام بالدوجماطيقية إلى أبعد الحدود مع عداء خفى لأمريكا بسبب أنه كان فى بداية الطريق إلى التسلح النووى دون إعلان. والمفارقة هنا أنه مع انتخابى عضواً باللجنة التنفيذية العليا للاتحاد العالمى للجمعيات الفلسفية لمدى خمسة عشر عاماً لم يقترب منى أحد من الجمعية الفلسفية لدى كوريا الشمالية.

المصدر : الاهرام المصرية

تعليقات
Loading...