صورة الكاتب محمود عبد الشكور

«العسل عسل».. حكايات بيرم العابرة للأزمان

الكاتب الصحفي “محمود عبد الشكور” كتب تحت عنوان “«العسل عسل».. حكايات بيرم العابرة للأزمان” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2017-09-15”

تُغنى المطربة المدهشة فاطمة محمد على فتبعث الشجن والأسى بكلمات بيرم التونسى:
«عطشان ياصبايا / عطشان يا مصريين/ عطشان والنيل فى بلادنا / متعّكر مليان طين»، وتعود فتغيّر أنشودة بيرم وسيد درويش الفريدة فى نفس الاتجاه، لتتحول «أنا المصرى كريم العنصرين» إلى «أنا لوحدى كريم العنصرين».

تقدم مسرحية «العسل عسل» التى أعدها سمير العصفورى عن مقامات وأشعار بيرم التونسى، وأخرجها إميل شوقى، فرجة شعبية ظاهرها السخرية والبهجة، ولكنها مؤلمة ومزعجة، ذلك أن أخطاءنا التى لمسها بيرم ما زالت كما هى، وكأن كل جيل يتسلّم مع بقايا التركة، نفس المشكلات، ونفس طريقة التفكير السقيمة التى دفعت شاعرنا العظيم أن يقول: «يا شرق فيك جوّ منوّر والفكر ظلام».

لحقتُ الليلة الأخيرة للعرض، فاستعدتُ معه ذكريات العرض القديم الذى أعدّه سمير العصفورى أيضًا فى الثمانينيات، وحقق نجاحًا مدويّا فى مسرح الطليعة، كانت المسرحية القديمة وعنوانها «العسل عسل.. والبصل بصل» أول عمل مسرحى أشاهده فى سنوات الدراسة الجامعية.

أتذكر أن ليلة العرض هذه حضرها يوسف شاهين، وأتذكر أن نجوم العرض القدامى، ومنهم أحمد حلاوة، داعبوا شاهين بالحديث عن فيلمه الجديد وقتها «اليوم السادس»، وأتذكر أننا عدنا مشيا على الأقدام بعد العرض الممتع من العتبة، حيث مسرح الطليعة، إلى بين السرايات، حيث مدينتنا الجامعية، فقد تأخر الوقت بسبب المسرحية، فاختفت أتوبيسات النقل العام!

ولكننا عدنا أيضا ببهجة الفرجة، وبهجة الفكر والإسقاط على الواقع الحاضر، وعدنا كذلك ومعنا تلك الأغنية التى تمثل قناع الفنان للفضفضة بالحديث عن «زمان يوقد المصباح فيه بنور الزيت لا بالكهرباء»، وهى نفس الكلمات التى استخدمها العصفورى فى عرضه الجديد، فاللوحات والمواقف فى زمن الملك فؤاد، ومن خلال هذا القناع يتم انتقاد ارتفاع الأسعار، والأنانية، وتحول الجدل السياسى إلى حرب، وافتقاد الزعامة الحقيقية، والخضوع للمستعمر، وإن سقط القناع فى لوحة «الوحدة العربية»، التى كانت مباشرة تماما.

فكرة العرض القديم والجديد هى استدعاء بيرم وأشعاره العابرة للأجيال من أجل الحاضر، لكى نفصل بين الصواب والخطأ، فلا يختلط العسل بالبصل، وقد وصل المعنى فى العرضين، وإذا كان العرض القديم أكثر تنوعا وطولا وعمقا فى تناول أشعار ومقامات بيرم، فإن العرض الجديد لا يعدم لوحات لامعة، وممثلين أكفاء، وصوتا بديعا هى فاطمة محمد على التى تمتلك أيضا حضورا وقدرات تمثيلية جيدة، وتستحق مكانة كبيرة فى عالم الغناء الفردى، وفى عالم المسرح الغنائى والاستعراضى.

وقد ساهمت ألحان الموهوب حاتم عزت، فى استغلال إمكانيات صوتها، وفى التعبير دراميا عن الموقف المختلفة، وقد أعجبنى أن حاتم احتفظ بلحن «زمان يوقد المصباح فيه» من العرض القديم، فقد صار هذا اللحن أيقونة مرتبطة بالمسرحية التى وضع ألحانها فى شكلها القديم الموسيقار على سعد.

على مسرح ميامى، كان هناك جمهور كبير فى ليلة العرض الأخيرة، وجيل من الشباب ولدوا بعد سنوات من العرض القديم، نجح إميل شوقى فى فهم روح النص كفرجة شعبية أقرب ما تكون إلى كوميديا سوداء، وإن تمنيتُ استخداما أفضل وأكثر تأثيرا لشاشة العرض السينمائى، يظهر الممثلون (علا رامى، ومفيد عاشور، وحسان العربى، وفاطمة محمد على، وزملاؤهم) فى البداية بأسمائهم كأعضاء فى فرقة تريد تقديم تراث بيرم، يكسرون الإيهام لكى تكون هناك مسافة للتأمل، يزعمون أنهم يريدون الضحك والفرفشة والرقص والغناء، يفعلون ذلك وأكثر أثناء العرض، بل ويرقص رجل مثل أمهر الراقصات مثلما حدث أيضا فى المسرحية القديمة، هذه المرة الرقص الرجالى على أطلال الوطن العربى، وبالأمس كان الرقص على أغنية للراقصة سحر حمدى.

لم نعد نعيش فى زمان يوقد المصباح فيه بنور الزيت لا بالكهرباء، وإن كنا ننتمى فعلا لهذا الزمان فكرا وعقلا وثقافة، وهذا بالضبط ما يجعل حياتنا فوضى كاملة، لا فرق فيها بين العسل والبصل.

المصدر : الشروق المصرية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...