عمرو حمزاوي

عندما نرجع كالريح!

تحت عنوان :عندما نرجع كالريح! كتب الدكتور ” عمرو حمزاوي ” هذا المقال بتاريخ : 2017-09-16 في جريدة الشروق المصرية

==

للمكان الجمال المعقم لمعاطف الأطباء البيضاء. بيوت بيضاء الواجهة تطل على بحيرة صغيرة تلفها الحدائق ومتنزهات الأطفال والملاعب الرياضية. وعلى صفحة المياه تتهادى المراكب البيضاء الصغيرة، حاملة الفارين من موجة الحر الشديدة التى ضربت شمال كاليفورنيا فى خواتيم صيف ٢٠١٧. يفرون فى صمت، لا صوت لهم ولا لمراكبهم. يستغرقنى المشهد قليلا، إلى أن أتذكر المراكب النيلية فى ليالى القاهرة بأنوارها الملونة المباغتة لعتمة المياه وأصوات البهجة التى تخرج منها كأنشودة حب للحياة وتحدٍّ لظروفها الصعبة. تعصف بى الذكريات، وتأخذ عينيى بعيدا عن بحيرة مدينة فوستر سيتى الواقعة فى شمال كاليفورنيا. أتشبث قليلا بأطراف البيوت البيضاء وابتسامات الأطفال الصامتة، غير أن نهر الذكريات يفيض ويغرقنى بلا رحمة.

***
أستعيد تفاصيل الرحلة النيلية الأخيرة مع بعض الأصدقاء فى القاهرة، ورائعة سيد درويش «والله تستاهل يا قلبى» التى لم نستمع لسواها فى ذلك المساء الذى بات يفصلنى عنه أكثر من عامين. أشاهد مجددا سعادة وانبهار وَلَدَىَّ طوال أيام رحلتنا النيلية بين مدينتى الأقصر وأسوان فى ربيع ٢٠١٣، وجمال البدر وهو يتوسط السماء وينير وجه الناظرين إليه. ولأننى دوما ما عشقت رؤية الصنادل النيلية وهى تستطيل لتخضع المياه الواصلة بين ضفتى النهر العظيم لمسيرها الهادئ، تداهمنى هى الأخرى دون هوادة.

***

أبحث عن مرفأ يخرجنى بعيدا عن نهر الذكريات، فأتابع السير على امتداد البحيرة، وأعاود الاستماع إلى بودكاست (تترجم القواميس العربية هذه الكلمة إلى نشرة صوتية) حول ميثولوجيا وتاريخ الإغريق والرومان وبها كنت قد بدأت يومى، وأجاهد أذنى لكى تنصت للراوى صاحب الصوت الرخيم وأضغط على عقلى لكى يهتم بحكايات آلهة اليونان والرومان وعوالمهم على قمم الجبال وتحت الأرض. تفشل المحاولة، تنهار مقاومتى، أجلس مجددا، أوقف البودكاست، أستسلم لسطوة الأيام التى ولت.
***

أتذكر أن البديعة ريما خشيش شدت درويشيا بـ«والله تستاهل يا قلبى» فى حفل موسيقى حدث فى بيروت عام ٢٠١٠، وكنت من بين مرتاديه. تسعفنى منصة «ساوند كلاود»، ويأتينى صوت ريما حاملا معه جمالا خالصا ومحملا بعامية بليغة (والكلمات هى كلمات الشاعر الراحل أمين صدقى). والله تستاهل يا قلبى / ليه تميل ما كنت خالى / انت أسباب كل كربى / انت أسباب ما جرى لى / إيه بقى اللى هيواسينى بعد ما انهدت آمالى / إذا كان حظى ناسينى مين أروح له أشكيله حالى / إن شكيت.. قلبى وحواسى يعملوا مؤامرة عليا / وإن بكيت الحب قاسى.. تشتكى منى عينيا / أعمل ايه واحنا فى غربة؟ والأغراب دول زى اليتامى / مين يواسيهم فى كربه؟ ياما بيقاسوا وياما / يا رب كل من له حبيب وطال بعاده ولا قريب.. ما تحرموش منه وهاتهولو بالسلامة.
***

وبين هيام بالصوت واستغراق فى الكلمات، أجدد الاستماع مرات عديدة. لصوت ريما فى أذنى ذات عذوبة وشجن صوت أسمهان، وإجادتها للغناء بالعامية المصرية دون «لكنة شامية» تقترب من القدرات المذهلة التى كانت لصباح. وبجملة «إن شكيت.. قلبى وحواسى يعملوا مؤامرة عليا» تجبرنى الأغنية على استساغة ترديد كلمة «مؤامرة» المنفرة، وتعقد لسانى بجمل الغربة واليتم والدعاء بعودة الحبيب. وعندها يعاود نهر الذكريات العبث بى، قادما هذه النوبة من ينابيع بعيدة عن ليالى القاهرة ورحلاتها النيلية.
***

أشاهد محمود درويش على خشبة المسرح الرئيسى فى بيت ثقافات العالم ببرلين، حين قدم العاصمة الألمانية فى منتصف التسعينيات لتقديم سلسلة من القراءات الشعرية. أتذكر التفاصيل كلها، يغمرنى صوت درويش وهو يلقى «إلهى أعدنى»، يطالعنى وجه ذلك العجوز العربى الذى كانت عيناه تنتحب ويأمرها حياؤه ألا تبكى. إلهى أعدنى إلى وطنى عندليب / على جنح غيمة / على ضوء نجمة / أعدنى فلة / ترف على صدرى نبع وتلة / إلهى أعدنى إلى وطنى عندليب / عندما كنت صغيرا وجميلا / كانت الوردة دارى والينابيع بحارى / صارت الوردة جرحا والينابيع ضما / هل تغيرت كثيرا؟ / ما تغيرت كثيرا / عندما نرجع كالريح إلى منزلنا / حدقى فى جبهتى / تجدى الورد نخيلا والينابيع عرق / تجدينى مثلما كنت صغيرا وجميلا.
***

لم أكن فى منفى حينها، ولم تستوقفنى حينها كلمات درويش عن العودة كالريح إلى المنازل والأوطان كما هى تستوقفنى وتضنينى الآن. فقط الأموات هم من يرجعون كالريح إلى منازلهم التى كانت، فقط الأموات الذين ترضى عنهم الآلهة هم من يعود إليهم جمال العمر الصغير. ألهذا كان العجوز ينتحب دون بكاء، لأنه علم أنه لن يرجع إلى منزله إلا كالريح؟ ألهذا يتشبث نفر من الغرباء حين تدنو أيامهم الأخيرة بأن يدفنوا فى أوطانهم لكى تعود ريحهم مع أجسادهم، ومن يدرى ربما ترضى عنهم الآلهة وتمنحهم جمال السنين التى ولت؟ ألذلك يشتد فيضان نهر الذكريات كلما أيقن الغرباء أنهم لن يعودوا إلى منازلهم إلا كالريح، وأدركوا أن الريح تحتاج إلى الذكريات حتى لا تضل الطريق؟ أهذا هو ما يحدث معى اليوم؟

لا، لا. أنا لا أريد الرجوع كالريح، ولا يعنينى العمر الصغير، ولست من عشاق صوت العندليب. أكررها بصوت مرتفع، لن أرجع كالريح. ثم أنهض مبتعدا عن هذه الجزيرة الصامتة وعن بيوتها البيضاء. يتحول السير إلى خطوات متسارعة فركض، هربا من كلمات محمود درويش ومن عالم هاديس تحت الأرضى.

لا أريد الرجوع كالريح.

==
هذا المقال نشر في جريدة الشروق المصرية والرابط الأصلي له
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=15092017&id=43a0cdac-b86d-4aa6-8e57-eb3f4a27005c

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...