ايجي بوست
د. محمود خليل

الغالبية تحب «السُحت»

د.محمود خليل كتب مقالا في جريدة “الوطن المصرية” تحت عنوان “الغالبية تحب «السُحت»” وذلك بتاريخ “2017-09-16” ويمكن قرائته الأن عبر موقع مقالات مصرية.

فواتير الكهرباء تعد الأزمة الأكبر فى حياة المصريين حالياً، يستوى فى ذلك المواطن مع الحكومة، المواطن يعانى من التهاب تكلفة استخدام الكهرباء بصورة غير مسبوقة، والحكومة تبرر رفع السعر بتغطية التكلفة من ناحية، وتعويض «سرقات الكهرباء» التى يقوم بها بعض المواطنين من ناحية أخرى، المواطن يزعم أن الحكومة تسرقه عبر الفواتير المبالغ فيها، والحكومة تؤكد أن بعض المواطنين يسرقونها من خلال تمرير خطوط من وراء «العداد» تنجى المواطنين من سياسة «التشريح» التى تعتمد عليها الحكومة فى تحديد قيمة القاتورة، السرقة ضد الأخلاق أياً كان الطرف الذى يقوم بها، خصوصاً إذا كانت تنصرف إلى «المال العام»، وللأسف الشديد يبرر البعض لأنفسهم سرقة المال العام، انطلاقاً من أن الحكومة تسرقهم، وكأن السرقة حلال إذا كان محلها جيب أحد «الحرامية»، وهو منطق يفتقر إلى العقلانية.

الشىء العجيب أن الكثير من المؤسسات الدينية المطالبة بتوضيح وتبيان الفساد الشرعى لهذا النمط من التفكير تكف يدها عن الأمر، ولا تجتهد فى إصدار الفتاوى التى تحرم سرقة المال العام، وأخشى أن يكون هناك ميل لدى البعض لتبرير سرقة المال العام بفكرة الاحتياج، والاحتياج مسألة نسبية بشكل أكيد، قد تجد البعض يبرر الأمر استناداً إلى قاعدة «إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد»، وبالتالى لا تثريب على الجائع الذى يسرق رغيفاً ليأكله، وهو منطق غير واع بالأصول الأخلاقية للشريعة الإسلامية، بإمكان الفرد أن يتخذ ما يشاء من مواقف ضد الحكومة إذا تأكد له يقيناً أنها تسرقه، على أن تكون هذه المواقف بعيدة عن فكرة «سرقة الحرامى»، فى كل الأحوال يتمتع المال العام بحرمة، يجب أن تغل يد كل من المسئول والمواطن عن الاقتراب منه.

من الأشياء التى تستحق الالتفات إليها ذلك الاهتمام الواضح الذى أبداه السيناريست الكبير محمد جلال عبدالقوى بمعالجة موضوع «حرمة المال العام»، وتساهل البعض فى التعامل معه والسطو عليه، والآثار الاجتماعية الناجمة عن ذلك، تجد هذا الأمر حاضراً فى الكثير من أعماله، وعلى رأسها مسلسل «المال والبنون» الذى يحكى قصة الصراع على خبيئة أثرية عثر عليها بطلا المسلسل، سلامة فراويلة وعباس الضو، وأراد الأول أن يقتسمها مع الثانى فرفض، وطالبه بتسليمها للحكومة، فسخر «فراويلة» من الطلب انطلاقاً من أن الحكومة هى الأخرى ستسرقها، وظلت أحداث المسلسل تتدفق إلى أن استولى «سيد السُحت» -مشاويرجى خان يوسف- على الثروة، بإمكانك أن تستطلع آراء من شاهدوا هذا المسلسل، وستجد من بينهم من يرى أن عباس الضو كان على حق، لأن هذا المال «عام» وكان يجب تسليمه للحكومة، وستجد من بينهم أيضاً من يرى أن موقف «فراويلة» كان واقعياً ومنطقياً، لأنه استمتع وأمتع أولاده بهذا المال، فى حين أشقى «الضو» نفسه وأبناءه عندما رفض أن يأخذ نصيبه من الخبيئة، أما الشخصية التى ستجد أن الأغلبية تأملتها بعمق أساسه الإعجاب باحترافيتها، عندما سطت على المال واستثمرته، وبنت به أمجاداً استثمارية.. فهى شخصية «السحت»، لذا أخشى أن تكون «الغالبية» قد وقعت فى غرام «السُحت».

المصدر : الوطن المصرية

تعليقات
Loading...