ايجي بوست
الإقتصادي مدحت نافع

نحن أزمة الاستثمار وأعداؤه

الإقتصادي ” مدحت نافع ” كتب مقالا جديدا علي موقع ” مصر العربية ” بعنوان ” نحن أزمة الاستثمار وأعداؤه ” بتاريخ ” 2017-09-16 ” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية .

الاستثمار في مصر تواجهه عقبات كثيرة يراها الجميع كما يرى الطفل البرئ الملك عارياً لكنّ قلة فقط تتصدّى للكشف عن تلك العقبات، وندرة من تلك القلة تشتبك مع التفاصيل الدقيقة المتسببة في شلل الاستثمار وأقل من تلك الندرة هم أصحاب الرؤى والحلول الناجعة.
 
لا جديد في هذا الكلام، لقد ملّه القارئ ويكاد كاتب تلك السطور أن يملّ بدوره، لكنّ الجديد يكمن هنا في أرض الفيروز حيث ينعقد مؤتمر اقتصادي مصرى عربي تحت عنوان مصر باب الوصل.
 
وبعيداً عن عنوان المؤتمر وأچندة جلساته بل وبعيداً عن أهدافه الحقيقية فقد سعدت كثيراً من جلسته التي انقلبت فجأة إلى ما لم يرده المنظمون!
 
لقد اعتلى المنصة عدد من المتحدثين كان من بينهم رجل يرتدي الغطرة والعقال وسيدة أوروبية المظهر خليجية الجنسية. السيدة تترأس مجلس أعمال للسيدات العرب والرجل يدير استثمارات عربية وأجنبية ضخمة ويترأس كياناً يحمل عنوان “خليجيون فى حب مصر”.. انتظرت أن تسير الجلسة كما بدأ المؤتمر بعبارات الحب والتآخي والثروات المنهوبة والمؤامرات التي اتضح أن أكبرها يكمن فينا نحن وليس الغرب!  السيدة بدأت بشكل عملى وبأسلوب غربي يعكس مظهرها تسرد وقائع سلبية تعرّض فيها مجلس الأعمال الذي تديره لخيبات أمل متتالية لدى التفكير في إقامة مشروعات بمصر.
 
المشروع الأول كان يهدف إلى إقامة معهد متخصص في إعداد وتأهيل الممرضات على مستويات عالمية مُقرَّة بأن أزمة الصحة في مصر لها أسباب كثيرة منها ضعف مستوى التمريض الذي يتنافى مع احترافية ومهارة الأطباء المصريين المشهود لهم بالكفاءة عالمياً. المشروع مقدّم بدراسات الجدوى وبدائل التمويل ومختلف المتطلبات لكن الجهات “المتعددة” المنوط بها ترخيص المشروع بعد أن استلمت الأوراق وفحصت وطلبت وماطلت.. أبدت رفضها للمشروع لأن أحد الأطباء المصريين قد تقدّم به قبلهم والنتيجة أن المشروع لم يقم ولم يظهر هذا الطبيب المزعوم ولا مشروعه ولم يخرجا إلى النور إلى يومنا هذا!
 
المشروع الآخر كان تطوير حديقة الأسماك التي تدهورت ولم تعد تجتذب أياً من الزوّار والسيناريو تكرر بالحرف ومنذ عام ٢٠٠٢ لم يظهر المستثمر المصرى الذي زعمت جهات الترخيص أنه سوف يقيم المشروع وأنه صاحب الفكرة الأصلي! سرقة الأفكار ودراسات الجدوى هو التوصيف المباشر والمعذّب الذي وصفت به المتحدثة ما تعرضت له في المرتين وفي غير ذلك من محاولات لا تريد منها عائداً لبلادها ولا البلاد الخليجية للعضوات الأخريات وإنما تقديم مشروع ذى جدوى اقتصادية واجتماعية كبرى لمصر. 
 
تعرضت المتحدثة لموجة دفاعية غير مقنعة وغير مؤسسة على حقائق وأدلة سادت بها نبرة تحيا مصر والعزة للمصريين ..لكن المنصة أعطت الكلمة للمتحدث الخليجى زميلها في المنصة والذي أخذ يقص بدوره كيف أنه بات يشعر أنه يحب مصر أكثر من المصريين! سرد واقعة واحدة قام خلالها بالوساطة لاستضافة مستثمر بلغاري ملياردير يريد إقامة مصنع للإطارات في مصر فكان وبعد أن استطاع أن يوفّر يومين من وقته بصعوبة للحضور شخصياً إلى بلادنا وكأنما وقع أسيراً لفخاخ من البيروقراطية العقيمة بدأت مع أول لحظة لنزوله في أرض المطار حيث طلب منه مبلغ بالدولار للحصول على التأشيرة ولم يكن يملك نقدية فرفض المسئولون تلقى المبلغ المطلوب عن طريق بطاقة الائتمان فراح يسحب النقدية من ماكينة الصرّاف الآلى فلم تصرف سوى العملة المحلية التى رفضها مسئول “التعجيز” في المطار! الرجل لم يعرف ماذا يفعل في هذا البلد الذي لا يقبل الدفع الآلى ولا يقبل الدفع بعملته الوطنية!! ولم يغادر المطار إلا بعد أن رقّ له قلب إحدى المصريات التي دفعت له مقابل التأشيرة بالعملة الصعبة وحصلت منه على المقابل بالجنيه!. خرج المستثمر المحتمل بصحبة أشقائنا من الخليج بعد خيبة أمل أفقدته قدراً من الحماس الذي أتى مشحوناً به من بلده، ولما توجّه تلقاء وزارة العدل لعمل تفويض مطلوب لإتمام مشروعه الضخم لم يستطع إتمامه إلا باللغتين العربية والإنجليزية وحينما أراد الاستعانة بمترجم رفض الموظف العام بل ورفض أن يقوم بالترجمة رفقاؤه من الخليج وأرادوا مترجماً معتمداً من الوزارة ولما طالبهم بمترجمهم المعتمد قالوا غير متوفّر!! ما هذا الخبل؟! كيف نشخّص أزمة الاستثمار بأنها أزمة قانون ونغمض أعيننا عن تلك الممارسات التخريبية اليومية التي لا أستبعد أن تكون متعمّدة لإفقار البلاد والعباد! نعم فالمؤامرة محلية جليّة واضحة والتعلل بأن الأزمة في نص أو تشريع هو حجة البليد الذي يخشى الاشتباك مع الواقع والتفاصيل الخطيرة.
الإيجابي في الأمر أن القاعة كانت شديدة التعاطف مع المتحدّثين العربيين أكثر من أى تعاطف مع شعارات ووعود جوفاء ..بالتأكيد لا يستحق الإنكار أى تعاطف أو تأييد. المنطق الذي يتحدث به بعض النافذين في مصر يخلو من أى حجة أو مهنية أو مصداقية. الإقرار بالمشكلة والاعتراف بها هو أول عتبات الحل وليس العتبة الوحيدة. لكن النفي والإنكار وعدم الإنصات إلى الآخر المستهدف بدعايتك وتسويقك لمنتجك هو الذي يحوّل مؤتمراتنا إلى مكلمات وعرض إعلامي ضعيف المستوى.

المصدر : مصر العربية

تعليقات
Loading...