ايجي بوست
الكاتب الصحفي جمال الجمل

أيها الأوغاد.. أطالبكم بسجني ومحاكمتي

الكاتب الصحفي جمال الجمل كتب مقالا في موقع “عربي21” بعنوان “أيها الأوغاد.. أطالبكم بسجني ومحاكمتي” بتاريخ “2017-10-12” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية.

(1)
في السنوات الأخيرة لم أكن أتحمل الحياة في القاهرة لأسباب صحية ونفسية، ربما كان شعوري تجاه القاهرة قديماً منذ ظهر إعجابي المبكر بديوان “مدينة بلا قلب” الذي هجا فيه الشاعر الريفي عبد المعطي حجازي “العاصمة الطاحونة” التي تقهر القلوب الخضراء كما يقهر شعاع الشمس المسنون ثمر الليمون، ويعرف كل أصدقائي حلم “البيت الريفي” الذي تعلقت به لقضاء ما تبقى من حياتي في الهدوء والتأمل الذي أتوق إليه، لكنني لم أستطع مغادرة القاهرة إلى الريف، لأسباب تتعلق بالدور الثقافي والسياسي الذي تحتكره القاهرة، بحيث يصبح الخروج منها خروجا من التأثير والفعل والتواصل مع الناس، فالقاهرة تحتكر النوافذ والمنابر والخدمات والمناصب، وكل شيء، وهكذا تعثر حلم العودة إلى الطبيعة وظل أمنية تتعارض مع الواقع، ولهذا السبب لم أخرج من القاهرة إلا فترات قصيرة، ولهذا كنت ضد السفر إلى الخارج حتى عندما كنت أحتاج إلى المال، لكن شيئا ما تغير فخَرجتُ، وخَرَجَتْ من داخلي أسئلة شغلتني كثيراً: ماذا تغير لكي اقبل اليوم بما عشت أرفضه؟.. ولماذا لا أعود إلى القاهرة إذا كنت أتوق لبلدي ولا أطيق الغربة؟

(2)
حتى لا “أفبرك” إجابة جديدة أتحايل بها للتكيف مع ذاتي السائلة، فتشت عن مقال لي كتبته عن موقفي من النضال داخل الوطن، والنضال خارجه، وقلت في مقدمته:

“التاريخ أمزجة، فأنا مثلا أحببت «مصطفى كامل» أكثر من «محمد فريد»، وليست لدي أسباب وجيهة يمكن أن أقنعكم بها.. لدي مجرد «تكَّات»، لكن هذا الموقف النفسي لا يصدر عن مزاج أعمى خال من المعنى، وهذه «التكات» الصغيرة، تستطيع كعادتها أن «تعمل من الحبة قبة»، و«التكة» التي أعرفها جيدا في الفرق بين كامل وفريد، هي نضال الأول في الداخل، وهروب الثاني إلى أوروبا، ونضاله من الخارج.

(3)
توقفت أمام كلمة “هروب” في مقدمة المقال وشعرت بالامتعاض من التعبير، فأنا أكره “الهروب” ككلمة وكفعل، لكنني أكملت قراءة المقال:

“كانت حالة الحرية بعافية، كما هي عليه الآن، وتم استدعاء محمد فريد بتهمة كتابة مقدمة ديوان شعر!، ولما تأكد أن النية مبيتة لحبسه والتنكيل به، هرب إلى فرنسا، وقيل إنه سافر بالصدفة فلما بدأت محاكمته غيابياً، نصحه بعض الأصدقاء بالبقاء في الخارج، وبقي فعلاً، وهذه هي «التكة» التي لم تعجبني صبياً، وكانت الأزمة قد نشأت بسبب ديوان «وطنيتي» للشاعر على الغاياتي، الذي حُكم عليه بالسجن لمدة عام، فهرب إلى إسطنبول ومنها إلى سويسرا في رحلة منفى طويلة، كما تم الحكم على فريد بالسجن 6 أشهر، بسبب كتابته للمقدمة التي قال فيها: «إن استبداد حكومة الفرد أدى إلى إماتة الشعر الحماسي، وحمل الشعراء (بالعطايا والمنح) على وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال… كما كان من نتائج هذا الاستبداد: خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا، والحض على الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل»، والمضحك المبكي في هذه القضية أن المحكمة حكمت على الشيخ عبد العزيز جاويش حضوريا بالسجن ثلاثة أشهر “لتقريظه للديوان”!

(4)
قبل شهور كنت منهمكا في مراجعة مخطوطة كتاب استقصائي للصديق محمد شعير عن زمن نجيب محفوظ، واستوقفني نص رسالة كتبتها فريدة (ابنة محمد فريد) لحث والدها على العودة إلى وطنه، حتى لو دخل السجن، ملأني شعور بالفخر من نص الرسالة، وهتفت في نفسي: تعيش فريدة محمد فريد.

ونقلت من الرسالة قول فريدة لوالدها: «لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم. وأختم جوابي بالتوسل إليكم باسم الوطنية والحرية، التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن!».

(5)
الله الله.. تعجبني هذه الطريقة في التفكير، وفي النضال، فقد أحببت الدراما الرائعة التي تصاعدت بعد ذلك، وأحببت معها محمد فريد الذي عاد، ودخل السجن فعلا، ليقضي فترة عقوبته ستة أشهر كاملة.

(6)
توقفت عند هذا الحد من المقال، وقلت: لابد أن أحجز تذكرة طيران في الصباح وأعود إلى القاهرة، لابد أن أعود باسم الوطنية والحرية لأتحمل آلام السجن، وانتبهت فجأة وسألت نفسي: أي سجن؟ فأنا لم أهرب، ولست مهدداً بالسجن، كل ما هناك أنني سأعود إلى “جمهورية الحجب” حيث أقبع على مكتبي بلا دور ولا تأثير، أكتب مقالات في مواقع محجوبة يتفوق على محتواها أي بوست يكتبه الأصدقاء في “فيسبوك”، وبينما يزداد إحساسي بالانكسار والعجز، يزداد إحساس نظام الفوبيا بالتفوق والسيطرة والنصر، وأنا لن أقبل بأن أعيش ما تبقى من حياتي مجرد “كيس جوافة” بلا إرادة تحت سيطرة نظام القمع، ولذلك فإن سؤال بقائي في الخارج أو عودتي للداخل مرتبط دائما بالإجابة على أسئلة الحرية والكرامة والنضال، ولهذا أقدم عرضاً صريحاً للنظام إذا قبل به سأحجز تذكرتي وأعود في اليوم التالي:

إذا لم يكن متاحا لي أن أكتب وأعبر عن آرائي بكامل حريتي، فلتوجهوا لي عريضة اتهام، وتأخذونني من المطار إلى السجن، بشرط واحد أن يتم نشر محاضر التحقيقات وجلسات المحاكمة بشفافية، وبيني بينكم الله والدستور والقوانين ومصلحة الوطن وضمير الناس..

(7)
أيها النظام الفاسد الغبي الجاحد/ هذا هو عرضي للعودة الفورية، وأنتظر استجابتكم لمحاكمتي بفرح واشتياق، حاكموني على مقالاتي وتصريحاتي وانتقاداتي الغاضبة ضدكم وضد سياساتكم، لأنني لن أقبل بكم حكاما ولا مسؤولين، ولن أقبل بالدخول في بيت طاعتكم نظير لقمتي وإقامتي، لن أقبل بمذلة القمع، لن أقبل بصمت العاجزين.. هذا لن يكون أبداً ما دمت قادرا على الكلام وعلى الكتابة

(بعد الختام)
بعد انتهائي من كتابة المقال، أضفت تعبير “النظام الفاسد الغبي الجاحد”، ووضعت في العنوان وصف “الأوغاد”، ربما تساعدكم هذه التوصيفات في توجيه الاتهامات، فلا تفوتوا الفرصة.

tamahi@hotmail.com

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “عربي21”

المصدر : عربي 21

تعليقات
Loading...