ايجي بوست
الدكتور زياد بهاء الدين

الدستور وضوابط تجديد حالة الطوارئ

الدكتور “زياد بهاء الدين” كتب مقالا جديدا في جريدة “الشروق المصرية” تحت عنوان “الدستور وضوابط تجديد حالة الطوارئ” بتاريخ “2017-10-17”

نشرت الجريدة الرسمية فى عددها الصادر بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠١٧ القرار الجمهورى رقم ٥١٠ لسنة ٢٠١٧ والذى أعاد فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر جديدة تبدأ من يوم الجمعة ١٣ أكتوبر، أى بعد يومين فقط من انتهاء العمل بحالة الطوارئ التى امتدت مرتين متعاقبتين مدة كل منهما ثلاثة أشهر من ١٠ إبريل هذا العام إلى ١٠ يوليو، ثم من ١٠ يوليو حتى ١٠ أكتوبر الحالى.
والقرار الأخير ــ فى رأيى المتواضع ــ مخالف للمادة (١٥٤) من الدستور والتى تنص على أنه.. «تجب موافقة أغلبية عدد أعضاء مجلس [النواب] على إعلان حالة الطوارئ، ويكون إعلانها لمدة محددة لا تجاوز ثلاثة أشهر، ولا تمد إلا لمدة أخرى مماثلة، بعد موافقة ثلثى أعضاء المجلس..». فالنص واضح وصريح فى أن فرض حالة الطوارئ لا يكون لأكثر من مدتين متعاقبتين لا يتجاوز كل منهما ثلاثة أشهر. والقول بأن فوات يومين أو ثلاثة كافٍ لبدء احتساب مدة جديدة يعنى واقعيا إلغاء الحظر الدستورى بالكامل لأنه يمكن بهذا المنطق أن تمتد حالة الطوارئ لسنوات عديدة على نحو ما عرفته مصر قبل ثورة يناير مع مجرد مراعاة تفويت بضعة أيام كل ستة أشهر. وهذا بالتأكيد ليس المعنى المقصود من النص الدستورى.
البرلمان هو صاحب القرار فى إعادة العمل بحالة الطوارئ، وعليه الموافقة على القرار الجمهورى أو رفضه خلال أسبوع من تاريخ العمل به، أى قبل يوم الجمعة المقبل، وإن كنت لا أتوقع أن تستوقفه كثيرا المسألة الدستورية، إلا ربما من جانب العدد المحدود من أعضائه ذوى المواقف المستقلة. وكذلك فإن هناك احتمالا أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا المختصة بالرقابة على دستورية التشريعات، فتنتهى إلى الحكم بعدم دستوريته على نحو ما فعلت منذ يومين فقط حينما أصدرت حكما ببطلان المواد التى تجيز إحالة المدنيين للمحاكمات العسكرية وفقا لقانون حماية المنشآت العامة الصادر عام ٢٠١٤.
ولكن فى كل الأحوال، وفى انتظار ما تسفر عنه المناقشة البرلمانية أو ما قد تقرره المحكمة الدستورية، فإن تجديد حالة الطوارئ يثير العديد من القضايا المهمة الجديرة بالنقاش.
تجديد الطوارئ مرة تلو الأخرى يرسخ الاعتقاد بأن القانون العادى غير صالح لمواجهة الارهاب أو التعامل مع جرائم العنف. وهذا تصور غير صحيح لأن القانون الجنائى المصرى العادى فيه من العقوبات الرادعة ما يكفى لمواجهة كل أشكال الجرائم بما فيها الارهاب والعنف. وكلما استقر الاعتقاد فى المجتمع بأن القانون العادى غير كافٍ وأن المحاكم المدنية غير حازمة، كلما كان ذلك باعثا على المزيد من إضعاف النظام القانونى والقضائى، وتراجع قيمة العدالة فى المجتمع، وعدم الاكتراث باحترام القوانين والمحاكم العادية من منظور أنها غير ملائمة لفرض الأمن والاستقرار.
كذلك فإن ما يترتب على إعلان حالة الطوارئ هو تعليق جانب من الحقوق والضمانات القانونية التى يفترض أن يتمتع بها المتهم أثناء اعتقاله والتحقيق معه ومحاكمته، وهى حقوق وضمانات كفلها الدستور ليس لتشجيع التسيب والفوضى ولا من قبيل الاستهانة بخطر الارهاب، وإنما لأنها تحقق التوازن بين حق المجتمع فى الردع والعقاب وحق المتهم فى محاكمة عادلة وفى افتراض أنه برىء إلى أن تثبت ادانته. ولذلك فإن حالة الطوارئ ــ إن كان لها مبرر قهرى ــ يجب أن تظل حالة استثنائية ولا تتحول إلى الأصل.
صحيح أن بلدانا كثيرة فى العالم تعرف النظام القانونى للطوارئ وتطبقه وقت اللزوم على نحو ما شاهدناه عدة مرات خلال هذا العام حيال الجرائم الارهابية الكبرى. ولكن تظل حالة الطوارئ محكومة بقاعدتين: الأولى أن تكون مؤقتة فلا تمتد بلا سقف زمنى ولحين اتخاذ الاجراءات الضرورية والعاجلة تمهيدا للرجوع إلى القانون العادى، والثانية أن يكون فرضها وتطبيقها وتجديدها خاضعين للضوابط والضمانات الدستورية واجبة الاحترام فى كل الأحوال. بمعنى آخر فإن فرض الطوارئ ــ متى كان ضروريا ــ يجب أن يعبر عن الانتقال المؤقت من القانون العام إلى قانون استثنائى له ضوابطه وأحكامه وليس الانتقال إلى حالة من اللا قانون التى لا تعرف أى حدود أو ضوابط.
تجديد حالة الطوارئ موضوع شديد الحساسية فى ظل الارهاب المستمر وفى ظل التضحيات التى يقدمها الشهداء وأهلهم كل يوم. ولكن ما نحتاجه هو الاقتناع بأن توفير الأمن والاستقرار للمجتمع يجب أن يتواكب مع حماية الدستور والقانون والعدالة كى يكون استقرارا حقيقيا ومستداما.

المصدر : جريدة الشروق المصرية.

تعليقات
Loading...