ايجي بوست
الدكتور مصطفي الفقي

الثقافة والتحول الاجتماعى

الدكتور “مصطفي الفقي” كتب مقالا بعنوان ” الثقافة والتحول الاجتماعى ” في جريدة “الأهرام المصرية” ويمكن الأن قراءته عبر مقالات مصرية .

إن الثقافة هى الخلفية الطبيعية للسلوك البشرى ولذلك فهى المتغير المستقل الذى يحكم التحول الاجتماعى وإذا تأملنا تاريخ الأمم وحياة الشعوب سنجد أن المجتمعات تأثرت تلقائيًا بالنمط الثقافى السائد فى كل مرحلة، ولا يتوهم البعض أنه يمكن أن تكون هناك ثقافة إيجابية واعدة بينما يصاحبها تخلف اجتماعى كما أنه لا يمكن أن تكون هناك ثقافة متراجعة متدنية يرتبط بها تحول اجتماعى إيجابى يعبر عن مستقبل أكبر انفتاحًا وأجيال أكثر وعيًا، لذلك ما يهمنى فى هذه السطور هو أن أجلى العلاقة الطردية بين الثقافة المسيطرة ودرجة تقدم المجتمع أو تخلفه فضلًا عن الأهمية المتزايدة للعامل الثقافى فى العلاقات الدولية المعاصرة بل ونظم الحكم ومختلف أنواع الأنشطة المرتبطة بحياة الناس، من هنا برزت أهمية الثقافة وتزايدت قيمتها وأصبح علينا أن نطرح التساؤلات الآتية:

أولًا: إن الحضارات التى عبرت فى تاريخ البشرية كانت تعبر عن نسق ثقافى معين، ولذلك فإن البناء الحضارى فى أبسط تعريفاته يتمثل فى مجموعة النسب المنسجمة بين أطراف البنيان الفكرى والثقافى الذى تتشكل منه شخصية الحضارة أى حضارة، فالفراعنة تميزوا بنسق معين وكذلك كان الإغريق وأيضًا الرومان فالعلاقة وثيقة بين الكيان الحضارى والخلفية الثقافية لكل أمة، فإذا كان المصريون القدماء انخرطوا فى التفكير حول الحياة الثانية بعد الموت، وإذا كان الإغريق قد تميزوا بالتوغل فى فلسفة التعامل مع الحكام وتعايشوا فى ظل مفهوم دولة المدينة مثل (اسبرطة) و(أثينا) فإن الرومان على الجانب الآخر عشقوا الفنون واهتموا كثيرًا بقيمة الجمال الذى اختصوه من بين ثالوث الفلسفة (الحق والخير والجمال)، ولقد ارتبطت كل ثقافة ذكرناها بتشكيل مجتمع على نمط معين قد لا يتحقق إذا اختلفت الخلفية بصورة يتغير معها المشهد ونكون أمام نمط مختلف فى الحياة.

ثانيًا: إن الثقافة والدين يتبادلان التأثير والتأثر بشكل ملحوظ فالمصريون على سبيل المثال لديهم تداخل كبير بين الثقافة والدين ولذلك برزت لديهم فى بعض مراحل تاريخهم نزعات دينية تختلف عن تلك التى تأتى لشعوب لا يبدو فيها الدين مؤثرًا إذ إنه متجذر فى مصر ويصعب تجاهل تأثيره وقد حدث ذلك مع (الإسكندر الأكبر) الذى جاء غازيًا و(نابليون بونابرت) الذى وصل فاتحًا، إن الاشتباك بين الثقافة والدين هو اشتباك بين شخصية الدولة وهوية المجتمع وهو يبدو دائمًا مؤشرًا للعلاقة بين طرفى المعادلة والتى ينجم عنها المجتمع الجديد بخصائصه المختلفة والتى تحاول تحقيق الانصهار الاجتماعى والاندماج السكانى بحيث تصبح إمكانات التحول متاحة أمام الأفراد والجماعات وفقًا لسلم هرمي.

ثالثًا: إن بعض المجتمعات المعاصرة ـ ومنها مصر ـ تتميز بدرجة عالية من الانصهار الاجتماعى فهى دولة لا تعرف القبلية ولا الطائفية وليس لديها أجندات خاصة فى أى اتجاه، كما أنها بلد عاش طويلًا فكان من الطبيعى أن يثقل على كاهله عشرات المشروعات الكبرى وأن تكون لها الريادة والقيادة فى أصعب الظروف وأحلك الأوقات.

رابعًا: إن الثقافة المعاصرة تتأرجح بين الأجيال التى مضت والأخرى التى مازالت قيد التكوين، ولذلك فإن صراع الأجيال هو تعبير معاصر عن تضارب بأجندات العمل الوطنى وأولوياته تطبيقًا للمأثورة التى تقول (إن القاعدة هى أن جيلًا يبنى وجيلًا آخر يجني)، وما أكثر ما رأيت كيف أن المواطن العادى يتمسك بالدرجة الأولى بحقه المباشر بالحياة اليوم وكأنما يردد مع شعر الخيام (غد بظهر الغيب واليوم لي).

خامسًا: إن التقدم التكنولوجى الكاسح خصوصًا فى مجال ثورة المعلومات قد أدى إلى ضياع الخصوصية، ولندرك جميعًا أن التقدم التكنولوجى هو أحد العوامل المهمة فى تفكيك منظومة الثقافة التقليدية، وهنا ينبغى أن نعترف بأن تأثير الثقافة فى عملية التحول الاجتماعى أصبح أكثر وضوحًا بحكم النشاط الذى يزاوله الشباب خصوصًا وأعنى به الإقبال الشديد على أدوات التواصل الاجتماعى وأجهزته الإلكترونية بشكل يبدو مرشحًا للتزايد وليس للتراجع.

إن الثقافة هى النسيج الذى يتشكل منه الرداء الذى يرتديه المجتمع وهى ترتبط دائمًا بمنظومة القيم والتقاليد والأفكار التى ترسخت فى أعماق الشعوب عبر السنين، ونحن لا نجد غضاضة فى تأكيد أن الثقافة هى مؤشر تقدم الدول ومعيار نهضتها وهى تزدهر بتنامى أجواء الحريات العامة التى تحدد قدرة مجتمع ما على الانطلاق لا أن يظل مكبلًا بقيود الماضى وضغوط الحاضر، وإذا ناقشنا عمليات الإصلاح الاجتماعى بل والدينى عبر مراحل التاريخ المختلفة فسوف نجد أيضًا أن العامل الثقافى يختفى وراء التغيرات التى تحدث والتحولات التى تجرى لذلك فإن المجتمعات الإنسانية كانت دائمًا تعتمد على بناء ثقافى ونسق حضارى ولم تكن وليدة الصراعات وحدها بين القديم والجديد، ولنتذكر ما أدت إليه الثورة الزراعية باستقرار الإنسان الأول وانتقاله من الصيد والرعى إلى الاستيطان حول مصادر المياه للزراعة، وهو أيضًا ذاته الذى فرضت عليه الثورة الصناعية مجتمعات أخرى تقوم على تحولات مختلفة بل تمخضت عنها أفكار كبرى فى التاريخ الإنسانى الحديث، ألم تكن النظرية الماركسية هى ابن شرعى لمجتمع الثورة الصناعية والعلاقة القائمة بين أدوات الإنتاج والصدام المفترض بين العمال وأصحاب رأس المال لكى يأخذ التحول الاجتماعى مسارًا جديدًا ربما لم يكن موجودًا من قبل، إن ما نريد تأكيده هو أن يدرك الجميع أن الثقافة هى قاطرة التحول الاجتماعى وهى رأس الحربة فى اختراق أسباب التخلف والضعف للوصول إلى النهوض والتقدم.

المصدر : جريدة الأهرام المصرية اليومية

تعليقات
Loading...