ايجي بوست
الكاتب الفلسطيني ياسر الزعاترة

عن التحرش والجدل الساخن حوله

الكاتب الأردني / الفلسطيني ” ياسر الزعاترة ” كتب مقالا بعنوان ” عن التحرش والجدل الساخن حوله ” في ” جريدة الدستور الاردنية ” بتاريخ “2017-12-01” ويمكن قراءته الأن عبر موقع مقالات مصرية.

قبل أيام، وتعليقا على برنامج في قناة ألمانية حول التحرش في الأردن، كتبت تغريدة في “تويتر” ترفض اعتباره (أي التحرش) ظاهرة، رغم وجود حالات لا يمكن إنكارها، وقلت إن “الشهامة والرجولة ورفض الإساءة للنساء سمات بارزة في المجتمع الأردني”، إلى جانب التدين بطبيعة الحال.
لعلي أخطأت في تهوين الأمر، لكنني أوضحت موقفي في تغريدة تالية رُبطت بالأولى عبر التذكير بآية (19) من سورة النور: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”، والتي تتحدث عن سبل معالجة هذا اللون من القضايا.
مئات التعليقات وردت على التغريدة الأولى، وكانت النسبة الأكبر منها محتجة، فيما ذهبت نسبة أخرى لا بأس بها نحو تأييد الموقف، وثار جدل طويل وصل حد الشتائم والهجاء، وأحيانا الانقسام بين ذكور وإناث، حيث رفضت أخوات شاركن في الجدل أي رأي من الرجال لأنهم ليسوا من يعانون من الظاهرة، وربما لا يعرفونها (باستثناء من يتورطون طبعا)، مع أن تأييد موقفهن كان من رجال كثيرين، كما رفضته نساء أيضاء.
اللافت أن الجدل عاد وتكرر من جديد بطريقة أخرى بعد يومين، حين كتبت تغريدة أخرى تقول: “الرئيس الفرنسي يدين العنف الأسري الذي تتعرض له المرأة في بلاده، ويقول: “من العار أن تلقى امرأة حتفها كل ثلاثة أيام في فرنسا. ودعا إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواح النساء ضحايا العنف لهذا العام”. وكان تعليقي مقتضبا بالقول “ثم يتهموننا نحن باضطهاد المرأة!!”.
لم يعجب كثيرات هذا التعليق، وعاد الجدل ذاته حول الموقف من المرأة، ولفت انتباهي جملة من النساء اللاتي تحدثن عن وضع المرأة في العالم العربي بكثير من الهجاء، باعتبار أنها مضطهدة ومُهانة.
هكذا اختلط الجدل بين قضية التحرش، وبين قضية الموقف من المرأة عموما، وكان لافتا بالطبع أن يأتي ذلك بعد أسابيع من الجدل الغربي حول قضية التحرش، وعشرات القضايا التي أصابت مشاهير بعد حملة واسعة جدا عبر مواقع التواصل وغيرها سميت “meetoo”، أي “أنا أيضا”، والتي دعت النساء اللاتي تعرضن للتحرش إلى الحديث عما تعرضن له، وعدم الكتمان كما كن يفعلن، وظهرت قضايا عمرها عشرات السنوات.
لا ينتبه كثيرون إلى أن الغرب في كل ما يتعلق بقضايا المرأة، ومن ضمنها “التحرش”، يبدو كمن يكفّر عن ذنوب قرون من اضطهادها، ولوبيات الدفاع عن المرأة هناك أشبه باللوبي الصهيوني الذي يستغل عقدة الذنب الغربية تجاه محرقة اليهود النازية، وهي تجربة لم نعرفها في بلادنا، إذ إن ديننا كان واضحا وحاسما في الموقف من المرأة، وإن لم تُترجم تعاليمه في الواقع على النحو الأفضل.
عودة لقضية التحرش. لا شك أن هناك تحرشا، ولا ينفي أحد ذلك، ولكني حين كتبت التغريدة تذكرت الفارق بيننا وبين دول أخرى تشيع فيها الظاهرة على نحو أكثر وضوحا وقسوة. أما الأهم بالنسبة لي، فأوضحته من خلال الآية التي ذكرت، ذلك أن نظرية “إشاعة الفاحشة” هي نظرية بالغة الأهمية، إذا إن تكرار الحديث عن انتشار واسع لظاهرة ما، لا يحل المعضلة، بقدر ما يشجع كثيرين آخرين على التورط فيها، باعتبارها عادية (مصطلح التطبيع يترجم النظرية أيضا). وحين طالب الشرع بأربعة شهود على واقعة الزنا، فهو إنما كان يستهدف من ينتهكون حرمة المجتمع (المجاهرون بتعبير آخر).
معالجة أي ظاهرة خاطئة لا يكون عبر برامج إثارة توحي بانتشارها على كل صعيد؛ لأن نتيجة ذلك هي تشجيع الآخرين على التورط فيها، بل تكون عبر مؤسسات مجتمعية مهمة قادرة على طرح الحلول ووضعها موضع التنفيذ. وهنا، نضمُّ صوتنا لأصوات المطالبين بوضع القوانين والإجراءات الكفيلة بالحد من التحرش بمختلف أشكاله، وأيا يكن حجم انتشاره، لأن التهاون في مواجهته سيفضي إلى زيادته أكثر فأكثر بمرور الوقت، مع ضرورة تدخل الدعاة وأهل الرأي في معالجة الأسباب، بما في ذلك ما يخصّ دور المرأة نفسها أيضا؛ إن في تشجيع التحرش عبر ممارسات معينة (دون اعتبار تلك الممارسات كما هو حال اللباس تخفيفا لذنب المتحرش)، أم في عدم الدفع في اتجاه العلاج عبر الصمت عن المتورطين.
أما قضايا المرأة عموما، فالحق أنها مكرّمة عندنا؛ بنتا وأختا وزوجة وأمَّا وجدّة. هذا في الغالب، من دون أن ينفي ذلك وجود نسبة لا بأس من الاضطهاد، والذي يكون بعضه نتاج أوضاع الفقر والجهل، مع الخمور والمخدرات وما تفضي إليه من ممارسات.
قضية حقوق المرأة قضية كبيرة، وهناك الكثير من الممارسات التي ما زالت تشيع في مجتمعاتنا، مثل حرمانها من كامل حقها في الميراث (فضلا عن العطاء في حياة الأب)، وقضايا الزواج والطلاق والعمل. وكلها تستحق وقفات أكبر لكي تترجم تعاليم ديننا في تكريم المرأة على النحو اللائق بعيدا عن الإفراط الذي نجده على ألسن وأقلام بعض “المسترجلات” ممن يصورن علاقة الرجل بالمرأة كما لو كانت علاقة حرب، وليس علاقة تكامل وسكن ومودة ورحمة.

المصدر : جريدة الدستور الاردنية

تعليقات
Loading...