ايجي بوست

مُقارَبات مَصِيرية..

تحت عنوان “مُقارَبات مَصِيرية

” كتب “مصطفى حجازي” بتاريخ ” 2017-12-06″ في جريدة جريدة المصري اليوم

مِصرُ تَدور فى دوائر

لا تكاد تَبرح موضع أقدامها إلا ويبدو أنها تَتَقَهقر خُطوتين- أو أكثر- أمام كل خطوة للأمام جادة وحداثية

!

مصرُ كأن جَديدُها كأسوأِ قَديمِها

ليس فيه لجوهر أى فكرة أو موضوع أو مشكلة مكان لا للنقاش ولا للبحث ولا العمل ولا حتى للحيرة

ولكن أصبح عنوانُ كل فكرة واسمُ“ كل موضوع وصَخَبُ كل مشكلة هو الأصل والمآل.
الحديث عن أى تَحَدٍ أو أى أمل.. أى مرفوض أو أى مَرجو.. لم يَعُد أكثر من استدعاء للشخصنة وتنابذ بالأسماء وعناوين الأفكار.. والذى ما يلبث أن ينحدر إلى جُرمٍ مادى مُتَمَثِل فى هدرِ الوقتِ واستنزاف الموارد واغتيال روحِ القانون ومعنى الدولة.. بل استباحة أعراض البشر..!
كل موضوع فى حياة المصريين من سياستهم إلى اقتصادهم إلى تعليمهم إلى إعلامهم إلى زراعتهم إلى مأساة مياههم إلى أمنهم القومى.. هو حلبة صُراخ قبل أن يكون حلبة صِراع..!
كلُ أطراف حَلبةِ الصُراخ يَدَّعِى مِلكية الحقيقة.. وشاهده على ذلك هو فساد طرف آخر أو استبداد ذلك الآخر أو تدنيه أو جَهلِه.. وقد يكون بالفعل كذلك..!
فالحلبة لم تخلُ لعقود طويلة- ولن تخلو بالمناسبة لعقود أخرى- من فسادٍ وجُموح للاستبداد وتَدَنٍ فى الفكر والطرح.. ولكن هذا فى ذاته ليس دليلاً قاطعاً على أن العُدُول من غير الفاسدين- ومَنَ لم تسنح لهم فرص الاستبداد بعد- يَملِكُون ناصيةَ الحقيقة فى أى من مُعضِلاتِ مِصرَ والتى ما زالنا ندفع أثمانها دماً ومستقبلاً كل صباح.
وفى سياق هذا القديم الجديد.. تُخَيِّم على المجال العام- وتملك عليه أولوياته- ظلال الانتخابات الرئاسية القادمة.. بِقَلَقٍ منطقى على استحقاق ديمقراطى يُفتَرض أنه قادر- فى المجتمعات الإنسانية الحُرَة وغَيرِ المُغيَّبَة- على إحداث وعد بالتغييرللأفضل على الأقل.. إن لم يأت بالتغيير ذاته..!
المجال العام كله مُستَدرَج إلى ما ألفِه وهو الشخصنة.. بَعضُه مُتَوَهِمُ أنه بِصَدَدِ تنافس إجرائى حُرٍ على أرضية قانونٍ سَيِّد.. وبَعضُه يُعَمِّى على الناس أن الأمر كذلك..!
أبناء المجتمع الآملون فى غد أفضل ما بين كاظِم لِغَضَبِه أو مُتَخَفٍ فى خَوفِه أو مُجاهر بِسَخَطِه.. جُلُّهُم مُستَدرَج.. مستَغرَقون فى تسمية الوجوه ليس من باب تجسيد أفكار بعينها (كيف هذا والأفكار غائمة وغائبة وغير ذات أولوية)، ولكن من باب تسمية مجالدى الحلبة.
الأملون فى التغيير- إلا من رَحِمَ ربى- تغلبهم المثالية أو السطحية.. يَرون فى تسمية الشخوص سقف الفِعل.. ويظنون أن الدخول فى صراع حلبة المُجالدين- دون فكرة تُظَلِل- نَصرُ فى ذاته..!
وكأن الحديث فى شأن مصير أمة ومستقبلها اختُزِلَ إلى تنافس تسجيل نقاط.. تكفى فيه الهزيمة بشرف وتَمَثُلِ مظلومية الضحية الطاهرة.. وإحراج خصوم ليس من شِيَمِهم الحرج!
فى شأن مصائر الأوطان، وإن بقيت الهزيمة بشرف، أمر نبيل يكون من الخَبَل أن تكون هى الشرف المروم.. كما أن الضحية الطاهرة- وإن تَلقَت الاحترام والتعاطف- ليست وظيفة ولا مجداً فى الحياة..!
وعلى الضِفَة الأخرى.. مَن مشروعُهم السُلطَة وكَفى.. يتميزون لتسمية الشخوص لِكَى تَسهُل مهام الاغتيال المعنوى واستباحة معنى الدولة وإرسال رسائل سد الأفق ونزع الأمل للناس.. وللتمثيل بهذا أو بذاك..!
ولكسر هذه الدائرة الجهنمية.. أظن أن على كل جاد فى قضية مستقبل مصر أن يؤهل نفسه أن نخرج بقضايانا من اللغظ والشخصنة إلى جوهر الأفكار أولاً، ثم تجسيد الأفكار فى شخوص تالياً..! وأن نُوَطِّن أنفسَنا على أن نُنَحِّى أوهامَ القطعِ بإحاطتنا بجوهر مشاكلنا وحقيقة قضايانا.. إلى قدر أكبر من الواقعية- ولن أقول التواضع- بأن قضايا مصر باتت من التعقيد والتشابك والعمق، بحيث لن نستطيع توصيفها إلا بمقاربات تتلمس حقائقها، وتضع توصيفاً- مرناً- غير قاطع لها.. توصيفا يَنضج مع فك بعض عقد ذلك الواقع.. أو عند تجميد أو حتى تبريد بعض من سيولته التى هى أقرب إلى الحِمَم.
ولنبدأ بالمُقَارَبة على الأقل فى ثلاثِ قضايا مصيرية كبرى، وإن فعلنا كانت بذاتها كاشِفَة للعوار مُستَدعِية للأهلية قادِرَة على صُنعِ بدائل الحُكم.
وتلك القضايا هى الزراعة والأمنِ المائى، الاقتصاد الكُلى، ثم الحياة المَحلية.. ولتكن تلك القضايا هى مدخل حوار وجدل عام مُعَمَّق.. يكون هو الخطوة الأولى فى أى حديث حول انتخابات عامة محلية أو برلمانية أو رئاسية أو غيرها.. حالة أو تالية.
ودون السقوط فى شَرَكِ الكيد السياسى أو العِزَة بالإثم فى الدفاع عن سُلطة قائمة أو قادمة.. فلنُحاول أن نُقارِب الحقيقة عن مساحة الرقعة الزراعية المصرية وإنتاجيتها وقدرتنا على إدارتها من أجل كفاية شعبنا وأمننا واستقلال قرارنا.
انشغلنا فى موالد السلطة لعقود.. فاستيقظنا لنجد إثيوبيا والسودان وبفعل سد النهضة يستطيعان- دون تهوين ولا تهويل- إظماء مصر أرضاً وشعباً..!
فلنعلم أن السودان لديها ثلاثون مليون فدان صالحة للزراعة قادرة أن تبتلع حصتنا المائية فوق حصتها.. ناهينا عن مشاريع إثيوبيا الزراعية التى يُنَفذ معظمها باستثمارات أشقاء وأصدقاء وأعداء بلا فرق..!
ولنحاول أن نُقَارِب الحقيقة عن موقف الدَينِ العام الداخلى والخارجى.. وعن طبيعة الاقتصاد الإنتاجى (صناعة وزراعة وبحثاً وتطويراً) لا الخدمى فقط.. وعن الإتاحة والشفافية والتنافسية ودرء الاحتكار المُستَتر.. والذى بغيره لن توجد قاعدة تنمية حقيقية مستدامة.
ولنحاول أن نُقَارِب الحقيقة عن مدننا وأحيائنا التى مات قديمها أو كاد.. ويكاد يختنق جديدها فور ميلاده.. وأن نعى معدل التفاقم الذى يسير عليه الحَضَر- وما بقى حياً من الريف- تخطيطاً وخدماتٍ وقُدرَةً على حركة وعمل وإنتاجية.
آن لمصر أن ترى بعضاً من ملامح مشروع حُكمِها، بعد أن استنزفتها مشروعات سلطة- بائدة بذاتها- لعقود، ولم تزل.. ولا سبيل لذلك إلا بمُقَارَبات تصنع البدائل من رَحِمِ النُدرَة قبل وبعد الهرولة للحديث عن الأسماء والشخوص وعناوين مشروعات سلطة جديدة.
ولو كانت تسمية الشخوص وتسكين مواقع السلطة أولوية.. فتبقى فرعاً على أصل الحُكم الذى يَكفُل لكل سلطة الوجهة والرشد ومسار التقويم والمحاسبة. فَكِّرُوا تَصِحُّوا.

====
هذا المحتوي من جريدة المصري اليوم الرابط الأصلي للمقال :
http://www.almasryalyoum.com/news/details/1227844
للكاتب : مصطفى حجازي

تعليقات
Loading...