مقالات مصرية
موقع مقالات مصرية يحتول علي أهم المقالات الموجودة في مصر للكتاب
الكاتبة آلاء الكسباني

أنوف المجتمع ودولاب النساء

“خلع الحجاب تقدّم، نظرة متطلعة لمستقبل أقل رجعية”، هكذا علقت إحدى الكتابات المعروفات على صورة الفتاة الإيرانية التي خلعت حجابها أمام ممثلين من الحكومة اعتراضاً على الحجاب الإجباري بعد انتشارها على الفيسبوك، وبالطبع قد نالت كثيراً من التعليقات المعجبة بتعليقها، باعتبارها قد نطقت بالحق الذي لا يمكن دحضه طبعاً، فالطريق للتحرر هو بإلقاء الحجاب أو النقاب بعيداً والبحث عن الذات، وهذا الكلام الأبله الذى يروج له بعض مثقفي المجتمع، تعبيراً عن رغبتهم بتحرير المرأة من براثن القيد.

ما كدت أتعافى مما قرأت، حتى صدمني منشور عن تعالي صيحات منتقبات الجامعة الأميركية في مصر برفض تضامن الفتيات غير المنتقبات معهن بارتدائهن للنقاب تعبيراً عن رفضهن للعنصرية تجاه المنتقبات؛ لأنهن بهذا يشوّهن صورة المنتقبات الحرائر، ويشوّهن صورة النقاب النقي بارتدائه على جينز؛ لأجدني أغمغم بحسبي الله ونعم الوكيل، وأغلق الفيسبوك كله؛ لأنه لم يعد لديّ مرارة لتتحمل، فقد نزعتها منذ فترة طويلة.

للأسف يحيرني الموضوع جداً، بكل ما يثيره من نقاشات تعبنا من الرد عليها، تعبنا من أن نحاول أن نجعل المجتمع يصرف أنوفه عن دولاب النساء فيه، وأن يكف عن أن يكون وصياً عليهن بأي شكل، تعبنا من محاولة شرح أنه لا فضل لمنتقبة أو محجبة على فتاة غير محجبة أو منتقبة إلا بالأخلاق، وهو ما يجب أن تفهمه المنتقبات والمحجبات، فهن ليس أفضل لمجرد أنهن قد وضعن أمتاراً إضافية من القماش على أجسادهن، لأن فتاة ترتدي “الميني جيب” لكنها لا تغتاب ولا تكذب وليس في قلبها ذرة مثقال من كِبَر هي أنقى من أخرى تحمل نقابها أو حجابها كأسفار فوق كاهلها بدون أن تعمل به،

كما أن أمتار القماش لا علاقة لها بالشرف، ولا تستطيع أن تستشف الفتاة التي تحترم كيانها عن أخرى لمجرد أنها ترتدي عباءة سوداء طويلة، تعبنا من محاولة شرح أنه من غير الطبيعي أن يُنظَر للنقاب أو الحجاب باعتباره رجعية وتخلفاً، وأنه من غير الحق اعتبار ارتداءهما حقاً، تماماً كما أن عدم ارتدائهما حق، وأنه يحق لكل امرأة أن تذهب إلى السوق، تشتري ما تراه مناسباً لها من ملابس، بدون أن يتدخل أحدهم أو يدس أنفه فيما لا يعنيه بمنتهى الأصولية في الدنيا، فقط ليثبت أن وجهة نظره هي الصحيحة، أياً كانت، مع أو ضد، تعبنا أن نشرح إن لكل امرأة حرية الاختيار، ولكل أنثى رفاهية أن تنتقي، تنتقي أسلوب الحياة والزي الذي يناسبها ويعبر عنها بدون الحاجة لاعتبارها “شمال” أو “رجعية”.

يحزنني أن أرى ردود الفعل على إنسانة قررت أن تخلع حجابها، ما بين مَن يسبّها بأشنع الألفاظ، ومن ينعتها بأنها ساعية للبحث عن الشهرة، ومن يخبرها بأن هذه ليست حرية وإنما مسخرة وقلة حياء، كما تحزنني ردود الفعل على إنسانة قررت بمحض إرادتها أن ترتديه أو ترتدي النقاب، ما بين من يتهمها بالتخلف ومن يصف حريتها بالرجعية، مع أن الأمر في الحالتين حرية، الحرية الحقيقية التي تكمن في القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بين أصوات معارضين ومؤيدين، قرار يعنيها وحدها، لا يجب أن يتدخل فيه أحد، قرار يخص إنسانيتها، ويمس أهم ما يميز كيانها، عقلها، ارتياحها في ملابس بعينها وإصرارها على ارتدائها، طريقة للتعبير عن أنها سيدة قرارها، للتعبير عن رغبتها كإنسان، يحق له تقرير مصيره، وشكل حياته وأسلوبه.

يحزنني أن المجتمع لا يدرك كُنه الموقف، ويحصره ما بين دين وعادات وتقاليد وهو أكبر من هذا بكثير، هو شيء يتعلق بشكل أساسي بالقدرة على امتلاك مفتاح القرار، وهو حق يجب أن يكون مكفولاً لكل إنسان!

وأشد ما يحزنني فكرة أن المتدخلين الأساسيين في هذا رجال، مع أنه أمر لا يخصهم بالمرة، لارتباطه عبر موروثات المجتمع برجولة الرجل ودياثته، مع أنه لا يتعلق البتة إلا بقرار إنسانة واحدة فقط، تحمل شرفها في أخلاقها لا تجرجره في أمتار عباءتها، ولو عكسنا الأمور، ليكون حق تقرير ارتداء السروال أو الشورت للرجل يتم تقريره من قِبَل النساء؛ ليجد الرجل نفسه يومياً يقف أمام المرآة، مجبراً على ارتداء أو خلع شيء معين من ملابسه لمجرد أن يتوافق مع مناظير نساء غيره لا يعنيهن أي شيء في دولابه سوى تكديره، لكان رجال الشرق انتحروا!

أتمنى أن يُخرِج المجتمع أنوفه المتعددة من دولايب النساء، ولا يعبأ بمن قللت أمتار القماش الذي ترتديه أو من أطالته؛ لأنها في النهاية حرية شخصية لا يحق لأحد أن يتدخل فيها، ولا عدم ارتداء القماش عُهر؛ لأنه تعبنا شرح أن الشرف في الأخلاق، ولا أن ارتداءه رجعية؛ لأن التفتح الحقيقي هو في الإيمان بحرية المرأة في علمها وعملها، لا على سرير مَن يدّعون الثقافة والإبداع!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تعليقات
Loading...