ايجي بوست
صورة الكاتبة نيفين مسعد

ليس لكل شيء منطق

الكاتبة “نيفين مسعد” تكتب تحت عنوان “ليس لكل شيء منطق” بتاريخ “2018-01-12” في جريدة “الشروق المصرية”.

كأنها فى جلسة معقودة لمحاكمتها استقرت صاحبتنا أمام زوجها تشرح له ما لا يقبل الشرح وتفسر حادثا عارضا وتافها لا تفسير منطقيا له. كانت قد تواعدت معه على اللقاء فى نهاية يوم عمل لتناول الغداء والتسكع بين محال المول التجارى الكبير. كانت نيتها فعلا تنصرف إلى لقياه فالأولاد يبيتون ليلتهم عند الأجداد وبالتالى فقد تحررت من مشاوير التوصيل إلى تمارين الباسكت بعد المدرسة، قال أبواها إنهما يشتاقان لرؤية أولادها فأرسلتهم إليهما ومعهم الكتب الدراسية والآيباد ولعبة الأونو وجدول التمارين الرياضية، وهكذا آن لها أن تُمارس شهيقا وزفيرا خاليين من التوتر بفعل تضارب الالتزامات والمواعيد.

***

نعم كانت تنوى لقياه، خرجت من العمل فى الثالثة عصرا كالمعتاد، جلست فى سيارتها وأدارتها كالمعتاد، وضعت أحد سيديهات أم كلثوم فى الكاسيت كالمعتاد، ومضت إلى اللقاء الموعود. عند التقاطع الذى يسبق المول التجارى إياه هاجمها شعور قوى لا تدرى مصدره وألح عليه أن تنحرف يسارا فى طريقها للمنزل، اندهشت من هذا الشعور المفاجئ، رفضته، قاومته، تشبثت بمقود السيارة وكأنها تحميه من تمردها، حاولت أن تمضى فى الطريق الصحيحة، لكن عندما تلونت الإشارة باللون الأخضر وجدت نفسها تتمتم قائلة: الطريق الصحيحة هى الطريق التى يستقر عليها العقل والقلب معا، وهى تدرك بالطبع أن هناك اتفاقا مسبقا مع زوجها على اللقاء لكن لسبب غير مفهوم أبى قلبها أن يطاوعها. انحرفت فى تردد إلى اليسار، علت أصوات الكلاكسات وحاصرت ترددها فحسمت أمرها وخاضت طريق الشمال.

***

الآن هى تجلس أمام زوجها ليمطرها غاضبا بعشرات الأسئلة التى تبدأ بلماذا فتجيب عليها بإجابة واحدة تبدأ بصدقنى لا أعرف. كان بوسعها أن تختلق أى سبب من الأسباب المنطقية لتبرر تغيير وجهتها كأن تقول إن صداعها النصفى المزمن داهمها ولم يسكّنه دواء، أو أن تشتكى من زحام الطريق فى موسم الأعياد وهذا سبب كاف جدا بالمناسبة، كان بوسعها أن تبرر التغيير بالتأخر فى العمل أو..أو.. لكنها لم تجد مبررا لذلك، لم تفهم لماذا عليها ألا تقول الحقيقة. لكن المشكلة فى حالتها أن زوجها لم يكن يقبل إلا الحقيقة المُقنِعة، الحقيقة ذات المنطق الواضح التى تفسر الشيء بسبب مادى ملموس كالمرض أو الزحام أو العمل، ولذلك ظل يسأل وظلت تجيب وضاعت منهما أمسية كان يمكن أن تكون لطيفة إن تم التعامل مع هذا الأمر التافه بشكل مختلف.

***

عندما تتأمل فيما حدث اليوم تجده يختصر رغم تفاهته جوهر الخلاف بين شخصيتها وشخصية زوجها. هو لا يقتنع إلا بالمنطق وهى آفتها التمرد على المنطق، أو بتعبير أدق التمرد بين حين وآخر على المنطق. هى أصلا تحتاج تعريفا دقيقا للمنطق ليس على شكل تلك القواعد المبهمة التى كانت تدرسها فى حصة المواد الاجتماعية وتحفظها لترددها كالببغاء ثم تمتحن فيها وتنجح، لكن على شكل يوضح لها لماذا يكون من غير المنطقى أن تستجيب لرغبتها الأكيدة فى ألا تتناول الغداء فى المول والتسكع بين محلاته التجارية، شكل يشرح لها لماذا يتطابق تعريف المنطق مع رغبة زوجها أو أى إنسان آخر فى أن يفعل ما يريد هو ولا تريد هى. هى تعلم أنها وعدت والتزمت ولهذا اعتذرت عن عدم الوفاء بوعدها وكررت اعتذارها عدة مرات، لكن لم تفهم لماذا رفض الزوج اعتذارها بتغير مزاجها بينما كان يمكن أن يسامح ويغفر لو تعلق الأمر بتغير الظروف الخارجية.

***

سيف مسلط على رقابنا هذا المنطق، نتحول معه إلى آلات يمكن التنبؤ بسلوكها لأن هذا السلوك يصير محكوما بقواعد معلومة ومنضبطة، ومع ذلك فمعظمنا إن لم يكن جميعنا تجيء عليه لحظة يتمرد فيها على المنطق، من منا لم تراوده فكرة أن يغامر بالسباحة والبحر هائج والراية السوداء مرفوعة، أن يغلق المظلة التى يمسك بها ويلتحم بحب ورعشة مع زخات المطر، أن يصل الليل بالنهار ليظفر بلحظتى الغروب والشروق الرائعتين، أن يشترى ما لا يحتاج إليه أو لا يناسبه فى لحظة ضعف، أن يأكل غزل البنات ويرسم هالة حمراء حول فمه المحاصَر بالتجاعيد، من منا حتى لم يفكر يوما أن يتحرر من قيد الوظيفة وهو المسئول عن أسرة وأولاد، كلنا راودته هذه النوازع غير المنطقية وبعضنا استجاب لها. التمرد على المنطق قد يتخذ أبعادا أعمق وأخطر، فماذا نقول عن أم أصيبت بداء عضال لكنها أرجأت جلسة العلاج الكيماوى بضعة أسابيع كى تستمتع بالإجازة التى يقضيها معها ابنها المقيم فى الخارج؟ حدث هذا فعلا وذهبت الأم بعد حين إلى خالقها، نعم لكل أجل كتاب لكن الصِّلة بين سلوك مثل هذه الأم والمنطق هى صلة معدومة، وحدها عاطفة الأم تفسر وشوق الأمومة يفسر أما المنطق العقلانى الرشيد فيعجز عن التفسير.

***

لا تدرى صاحبتنا كم مضى من الوقت والزوج يسأل وهى تجيب، تعلم أنه فى أعماقه يخشى من تقلباتها فالأشخاص المزاجيون أو غير المنطقيين لا يوثق بهم هكذا هو يرى، فكيف تنقل له الإحساس بأن هؤلاء الأشخاص طبيعيون جدا والله، وأن الأصل فى سلوكهم هو الثبات والاستقرار، لكن قليلا من اللامنطق يساعدهم على تحمل مصاعب الحياة. استنزفها طول الجدل فلا هى وصلت لعقل زوجها ولا هو التقاها، وكانت صادقة حين سألها هل تقبل أن يفعل معها ما فعلت معه فأجابت بالإيجاب لكنه تشكك. قررت أن تضع نهاية لهذا المشهد المرهق، انتفضت واقفة فنظر إليها متسائلا فى استغراب، أشارت إلى الساعة فى يدها وقالت: تجاوز الوقت الحادية عشرة مساء وغدا يوم عمل جديد تصبح على خير. حاورته إذن بالمنطق الذى يفهمه وقد تجلى لها فى شخصية طاهر باشا فى فيلم نهر الحب وإن يكن السياق غير السياق، ابتسمت لأنها أفلتت من سيل السين والجيم الذى لا ينقطع، مضت إلى غرفة نومهما وما خطت خطوتين فى الردهة إلا وراحت تطوح سترتها لأعلى فى طفولة وأيضا فى حرية.

المصدر: الشروق المصرية

تعليقات
Loading...