ايجي بوست
الدكتور خالد منتصر

تشككوا تصحوا (١)

الدكتور خالد منتصر كتب مقالا في جريدة الوطن بعنوان” تشككوا تصحوا (١)” وذلك بتاريخ “2018-01-12” ويمكنك قراءته عبر موقع مقالات مصرية .

هل الشك جريمة؟!، يشغلنى هذا السؤال دوماً فى ظل مجتمع أدمن الإجابات الجاهزة، فى وطن تضخمت غدة يقينه حتى أفرزت كماً رهيباً من هرمونات المسلمات الممنوع مناقشتها والتى أصابت جسده المنهك بالتشبع إلى حد التسمم، فأصيب بمرض فرط الإذعان، الطفل الذى يسأل عندنا مشاغب، المراهق الذى يناقش قليل الأدب وعديم التربية، الشاب الذى يشك فيما يصل إليه من الكبار وعبر الأساتذة والشيوخ والكهنة والإعلاميين والجامعيين.. إلخ هو شاب مارق «شايف نفسه» وخارج عن الإجماع!، منذ أن سافر رائد التنوير المصرى طه حسين إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه وتعرف فى بلد النور على فيلسوف الشك ديكارت وعاد إلى مصر محملاً بإعجاب مدروس وانبهار منطقى بشاعر الشك والتمرد أبى العلاء المعرى، الشاعر الذى شارك «طه» العمى وشاركه البصيرة أيضاً، ولم يسمح إلا للعقل أن يكون إماماً فى كتيبة الحفظ والعنعنة الخرساء، درس «أبوالعلاء» وكأنه يدرسه لأول مرة حين نظر إليه من خلال منظار أصحاب علوم اللغة والنقد الحديث الأوروبيين، الذين لا مقدس عندهم إلا الحقيقة، عرف أن الحقيقة ليست بانتشارها وعدد معتنقيها، فمن الممكن أن تنتشر الأفكار الغبية على أنها حقائق، تعلم أن صدق الحقيقة لا تحدده مكانة ومرتبة قائلها مهما كان قدره، تأكد من أن قِدَم الفكرة وإتيانها من الماضى لا يعنى أنها صادقة ولا يمنحها قداسة ولا يسبغ عليها المعقولية ولا يلبسها ثوب الحقيقة، منذ أن عاد وحورب وحوكم طه حسين وذبح له رجال الدين وشباب الأزهر الذين خرجوا فى مظاهرات حاشدة ضده، القطة حينذاك لأنه تجرأ وطبق منهج الشك فى دراسته للأدب الجاهلى، لم يكن همهم هو الحفاظ على قدسية الشعر الجاهلى، ولكن همهم كان الحفاظ على قدسية منهج العنعنة، وأن ما قاله أصحاب تلك العنعنات لا يأتيه الباطل، رعبهم كان من أن يمتد منهج هذا الشاب المارق إلى ثوابتهم ويخترق حصونهم ويسقط قلاعهم ويخصم من رصيد مكاسبهم، منذ ذلك الوقت صار الشك كلمة سيئة السمعة مرادفاً للكفر ومساوياً للردة!، لذلك عندما وجدت كتاباً اسمه «لماذا يجب عليك التشكيك فى كل شىء؟!» للكاتب كى بى هاريسون، سرعان ما التهمته فى يوم واحد، جذبنى العنوان وأعجبتنى الفكرة ووجدت المضمون ثرياً ولابد من طرحه برغم صدمته للكثيرين الذين يركنون إلى اليقين المزمن وينامون غارقين فى كسلهم اللذيذ على وسادة الإجابات المخدرة والتمنيات الكاذبة وأحلام اليقظة الواهمة، الكاتب يحرض على الشك ويشرح لك كيف تكون متشككاً جيداً، وكيف ستكسب راحتك وصحتك وحياتك بهذا الشك، وكيف تدمر الخرافات المجتمعات، يفضح المؤلف كل الخرافات بداية من خرافة الطب البديل حتى الأطباق الطائرة، مروراً بالعلاجات الدينية والوسطاء الروحيين ونهاية العالم ومثلث برمودا.. إلخ، فلنبدأ رحلة الشك.

المصدر : جريدة الوطن

تعليقات
Loading...