ايجي بوست
أيمن الصياد

قضاء السلطة .. وسلطة القضاء

أخشى أن البعض يريده «قضاء السلطة»، لا «سلطة القضاء».. وهو أمر لو تعلمون عظيم.
وأخشى أن هناك من لا يدرك ثمن هذا، حين يغيب عند الناس الإحساسُ باستقلال القضاء، فيغيب الإحساسُ بالعدالة. التي بدونها لا أمن ولا سلام اجتماعيا، ولا استقرار.. ولا دولة.
***

من وقف ضد محاولة الإخوان (أبريل ٢٠١٣) لا يمكنه اليوم أن يقف (في إبريل ٢٠١٧) موقفا مختلفا من محاولة لا تختلف، وإن اختلفت التفاصيل

في نهار الجمعة السابع عشر من مارس ٢٠٠٦، وأمام نادي القضاة المهيب بمهابة من ينتسب إليهم اعتدى رجال الإدارة / الشرطة (أداة «السلطة التنفيذية» الضاربة) بالهراوات على قاضٍ شاب، فأصابوه بكسر في العمود الفقري. لا أعرف لماذا تذكرت الواقعة (التي كتبت عنها في حينه) عندما تابعت المحاولة الأخيرة لتعديل قوانين الهيئات القضائية، مما اعتبره القضاة (ونحن معهم) تغولا للسلطة التنفيذية «صاحبة الهراوة».
بالتعبير القانوني، ربما كان ما شهدناه من تفاصيل بدت برلمانية لم تكن أكثر من وقائع «كاشفة لا منشئة». إذ لعلها في التحليل النهائي لن تخرج عن كونها كشفت، ما تعرفه أدبيات السياسة والتاريخ من موقف للسلطة، حين تصير «مطلقة». وما أدراك ما السلطة حين تكون مطلقة.
بداية، لا أظن أن من وقف ضد محاولة الإخوان (أبريل ٢٠١٣) لتعديل مجتزئ لقانون السلطة القضائية، يمكنه اليوم أن يقف (في أبريل ٢٠١٧) موقفا مختلفا من محاولة لا تختلف (وإن اختلفت التفاصيل) لتعديل القانون ذاته (إلى جانب كل القوانين ذات العلاقة).
على الهامش أن محمود الخضيري اعترض يومها علنا على محاولة الإخوان، وأن أحمد مكي تقدم باستقالته من وزارة العدل.
لن أخوض هنا في تفاصيل تكفل بها من سبقني من شيوخ القضاة رأيا في الموضوع يشرح كيف يفتئت التعديل القانوني على نصوص الدستور (المادة ١٨٥)، وعلى المفهوم «الحقيقي» لاستقلال القضاء، الذي يصبح بالضرورة محل شك، حين يصبح لرئيس السلطة التنفيذية (التي يراقبها القضاء) سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية ذاتها (!)، إذ إن الأمر يتجاوز أن يكون مجرد خلاف حول هذا النص أو ذاك، أو حول «الدلالة القطعية» لتوقيت تعديل القانون. (وفي ذلك سوابق مشهودة) ليصبح، كما أسلفت «كاشفا» لرغبة؛ لا تجد من يكبحها «للاستئثار بالسلطة».
أو كأن هناك من لا يريد أن يكون القضاة «باستقلالهم» بعيدين عن الإصابة بمرض «استرضاء السلطة» المتوطن في المجتمعات المستبدة، التي اعتادت أن تضع مفاتيح «المنح والمنع» في يد الحاكم المطلق؛ رئيسا كان، أو خليفة، أو أميرا للمؤمنين. أو بالأحرى في يد من يكتبون له «التقارير» الأمنية.
***

«سيد قراره»، هل تذكرونها؟ لا شيء تغير. فالشيطان لدينا يكمن عادةً في التفاصيل

«سيد قراره»، هل تذكرونها؟ كانت برلمانات مبارك تدافع بها دائما عن قراراتها التي نعرف كيف صدرت، كما نعرف كيف جاءت البرلمانات التي أصدرتها. لا شيء تغير
رغم ما اكتسبته «العبارة الشهيرة» عبر الزمن من كاريكاتورية، إلا أنها من ناحية «النص» تظل صحيحة، مثلما هو بالضبط بيان اللجنة التشريعية للبرلمان الذي صدر قبل أيام ليؤكد ما لا يحتاج إلى تأكيد من أن «مباشرة المجلس لسلطة التشريع هو التزام باختصاص أصيل أوجبه الدستور لمجلس النواب بغير تعقيب أو منازعة له من أي سلطة أخرى في الدولة..».
«كلام» صحيح. مثلما كانت «سيد قراره» عبارة صحيحة، ولكننا، وكما يعرف القضاة، وغيرهم من القانونيين أهمية تجاوز النص إلى روح النص، ومثلما نقرأ في أدبيات الأحكام عن ما قد يكون من مسافة بين نص التشريع وقصد المشرع، نعرف من تجربتنا الطويلة المريرة كيف أن «الشيطان يكمن عادة في التفاصيل».
أحسب أن أستاذ القانون الجالس على منصة رئاسة البرلمان يعلم أكثر مني (كما لعله كان يُدَرس لطلبته) أنه لا يصح للتشريعات «تعريفا» أن تستهدف أشخاصا بعينهم، وإن بدا في نصوصها غير ذلك. فما بالك وتلك قوانين لهيئات القضاء، الذين اعتادوا بحكم المهنة، وعند التصدي لتفسير «النص» استخلاص «قصد المشرع».
ثم ما بالك حين يغيب المنطق مع ما بدا من عجلة واضحة «فاضحة»، أو حين تغيب القواعد الشارحة. أو بالأحرى حين يكون القصد «واضحا».
أكثر ما سمعته تهافتا في تفسير التعديل القانوني المتعسف، الذي يعلي «واقعيا» التقارير الأمنية، على معايير القضاة أنفسهم. أن «معيار الكفاءة هو الذي يجب أن يسود..» وكأن معايير العمل والترقي في مؤسسة القضاء في مصر يمكنها أن تسمح «بناقص كفاءة» أن يصل إلى أرفع درجاته؛ نائبا لرئيس هذه الهيئة أو تلك. وهو قول أقل ما يقال عنه إنه «لا يليق» بحق شيوخ قضوا عمرهم كله في «المحراب».
إذا كنا بصدد استخلاص «قصد المشرع» كما يقول التعبير القانوني، فلن أستغرب أن يأخذ القانون طريقه إلى «الموافقة» بعد ساعات فقط من إعلان رئيس اللجنة التشريعية في المجلس النيابي «إرجاء مناقشته تفاديا لافتعال أزمات». بالضبط كما لم أستغرب من قبل أن يتجاهل المجلس النيابي (هذا) حكما قضائيا لمحكمة النقض «العليا» بأحقية عمرو الشوبكي في مقعده البرلماني.
إذا كنا بصدد استخلاص «قصد المشرع»، أو بالأحرى صاحب القرار الفعلي. فالسوابق كاشفة، كما يقول التعبير القانوني. ولعلنا لم ننس بعد كيف صدرت قوانين الإعلام والمجتمع المدني. كما لعلنا لم ننس كيف حاول البعض أن يلتف بالبرلمان على الحكم البات «بمصرية الجزيرتين». بل ولعلنا قبل كل ذلك نعود إلى قصة تشكيل المجلس النيابي ذاته، وما نعرفه عنها من تفاصيل. توافرت فيها «الأركان» كلها، فضلا عن «القصد».
البادي من سوابق السنوات الثلاث، «وظاهر الأوراق» كلها أن الأمر لا يخرج كما سوابقه عن تكريس لبسط نفوذ السلطة التنفيذية، وأداتها الأمنية على كل مؤسسات «الدولة» الأخرى. في تجسيد صارخ لمفهوم «السلطة المطلقة» الذي قرأنا عنه في الكتب، والأهم أننا نعرف من التاريخ؛ قديمه وحديثه نتائجه.
بدا الأمر في صورته البسيطة وكأن هناك من يُشرع وكأنه يعرف من هو الباقي في كرسي الحكم للأبد، ناسيا أو غافلا، أو بالأحرى غير مدرك أن «البقاء لله وحده» وأن التشريعات هي بحكم التعريف عامة ومجردة. وأن الرئيس الذي عمل على تعديل الدستور (في مايو ١٩٨٠) ليمد في فترة حكمه، ذهب إلى ربه في أكتوبر ١٩٨١، ليستفيد غيره من التعديل. وندفع نحن الثمن.
***

إذا كنا بصدد استخلاص «قصد المشرع»، أو بالأحرى صاحب القرار الفعلي، فالسوابق كاشفة

تقول الحكمة «المُجربة» إنك إن غضضت الطرف عن ما قد تتصور أن بإمكانك تجاهله، فقد تفتح الباب واسعا لما قد لا يمكنك أن تتحمله. أشاهد ما يجري من افتئات السلطة على أعراف قضائية مستقرة، وأتذكر كيف ربما تجسدت تلك الحكمة القديمة، يوم غضضنا الطرف غير مرة عن كثير مما رأيناه يحدث لهذا القاضي أو ذاك، وليس آخره ما سمعناه عن ما قد يؤدي إلى عقوبة قاضيين كبيرين لا لسبب إلا لكونهما شاركا في الصياغة القانونية «لمشروع» (أكرر: مشروع) قانون يمنع التعذيب في أماكن الاحتجاز. والمفارقة أن نقرأ خبر إحالتهما لمجلس تأديب في الأسبوع ذاته الذي سمعنا فيه عن جريمة قسم الجيزة التي فقد فيها محاسب شاب حياته تحت وطأة التعذيب.
وتقول أيضا الحكمة المُجربة، إن الاستهانة بتقاليد قضائية عريقة، أو بمبادئ وأعراف بدونها لا تستقر العدالة، لن يكون أبدا على المدى الطويل في صالح مهابة نرجوها لمنصة عالية، نربأ بها من شبهة تأثر بمناخ استقطاب أو خطاب كراهية «موجه».
تعلمنا من سدنة العدالة الأجلاء، لا من غيرهم أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته». وأن «الحبس الاحتياطي، ينبغي أن يظل إجراء استثنائيا احترازيا، لا اعتقالا مقننا دون حكم» وأنه «لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس وحبسهم دون وجه حق» (الطعن رقم ٣٥٤٠٨ لسنة ٧٧ ق).
أخشى أن أصدق أن تشويه مؤسسة القضاء، بهذه الوسيلة أو تلك مما رأينا، كان مقصودا أو ممنهجا (كما جرى مع الإعلام، بل ومع البرلمان ذاته) كوسيلة شيطانية لتشويه مفهوم الديمقراطية ذاته عند عموم الناس، بما يعنيه هذا المفهوم من حرية تعبير وحياة نيابية واستقلال مؤسسات. ولكني أعرف أن هناك (بين هؤلاء الناس) من ربما أربك بوصلته، أو هز قناعته المبدئية «بضرورة استقلال القضاء وحصانته» بعضٌ مما طرأ على منظومة العدالة، ويعرفه شيوخها الأجلاء من قبيل ما أوضحته نصوص قرارات لمحكمة النقض بشأن هذا الحكم أو ذاك: الذي «أدان المتهمين جملة عن جرائم لم يرتكبوها» (حيثيات نقض الحكم المعروف إعلاميا بحكم الإعدامات الجماعية)، أو غير ذلك مما نعرف، ويعرفون. إذ يبقى ذلك أو غيره في باب التفاصيل التي لا تغير من حقيقة أن «استقلال» القضاء واجب علينا جميعا أن نصطف دفاعا عنه. وأن هذا الاستقلال المنشود، والذي يحارب القضاة (منذ مؤتمر العدالة الأول ١٩٨٦) من أجل أن يكون «حقيقيا» ليس مزية يمن بها هذا أو ذاك على القضاة، أو ريشة على رءوسهم، بل هو قبل ذلك وبعده حق للمجتمع وللناس في أن يكون لديهم قضاء «مستقل» يحتكمون إليه، ويطمئنون إلى أحكامه.
***

ثم أنها في النهاية ليست أكثر من وقائع «كاشفة» لما تعرفه أدبيات السياسة والتاريخ من موقف للسلطة، حين تصير «مطلقة». وما أدراك ما السلطة حين تكون مطلقة

من نكد هذا الزمان على صاحب الرأي أن يُضطر إلى التذكير بما يُفترض أنه من نافلة القول. من قبيل أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة». أو أن استقلال القضاء لازم ليستقيم العدل. وأن استقامة العدل لازمة لاستتباب الأمن واستقرار المجتمعات.
يحكم القضاء بالقانون، أو هكذا ما ينبغي أن يكون. ولذا يخسر القضاء كثيرا عندما تحيف القوانين، أو بالأحرى يحيف المشرع عن مبتغى العدل. ويحدث ذلك دائما عندما يتماهي المشرع مع السلطة الحاكمة؛ طمعا أو جزعا، أو امتثالا «لثقافة حاكمة». فيصبح الفصل الواجب بين السلطات حبرا على ورق الدستور لا أكثر.
لا يصبح القضاء قضاءً بالتعريف، إلا بقدر ما تتباعد المسافة بينه وبين السلطة الحاكمة، أيا ما كانت طبيعتها، وأيا ما كان ما لها، أو تظنه في نفسها من مكانة «أو حكمة».
في مأثوراتنا كيف حكم شريح «القاضي» لليهودي بالأحقية في الدرع، رغم أن من نازعه في الملكية يومها كان أمير المؤمنين (الحاكم) لا غيره.
وفي تراثنا كيف طلب عمر بن الخطاب من الغلام القبطي أن يضرب ابن عمرو بن العاص (الوالي) قصاصا وعدلا «لأنه ما ضربك إلا بسلطان أبيه».
وفي تراثنا المعاصر الذي نعتز به ما قاله المستشار محمد وجدي عبدالصمد رئيس نادي القضاة لأنور السادات رئيس الجمهورية (رحم الله الاثنين)، مسجلا اعتراض القضاة على محاولة السلطة التنفيذية (وأداتها التشريعية) الافتئات على مفهوم العدالة «العمياء» بإصدار قوانين تستهدف أشخاصا بعينهم. يومها قال القاضي للرئيس «إذا كان في ما حدث في اجتماعنا ما أغضبك.. فلا تغضب إلا من نفسك» مذكرا إياه ببدهية أنه «ما لم يقم على شئون العدالة قضاة فوق الخوف وفوق كل ملامة، فإن الأمر ينتهي أن تسود قوة السلاح وشريعة الغاب… ومن ثمة كان الحرص على استقلال القضاء كسلطة وتوقير القضاة كأفراد وإحاطتهم بكل الضمانات وتأكيد مبدأ الشرعية وسيادة القانون».
***
يبقى أنني لم أرتح لكل ما قرأت من «مناشدة / التماس للرئيس» أن يتدخل لإزالة فتيل الأزمة / الفتنة. فرئيس الجمهورية ليس حكما بين السلطات، ولا «رأسا» لها، كما هو الحال في دولة الرجل الواحد. بل هو، كما تقضي الأعراف الدستورية، وتقول النصوص المتوارثة للفصل الثاني من الدستور «رئيس السلطة التنفيذية»، التي هي إحدى سلطات الدولة الثلاث، لا أكثر ولا أقل.
أما لماذا قد يلجأ القضاة إلى «الرئيس» / رأس السلطة التنفيذية للبحث عن حل لمشكلتهم، التي تبدو «من حيث الشكل» تشريعية؟ فلأنهم، ربما يدركون، في مثل هذا نظام «أو ثقافة» أين هو في النهاية «صاحب القرار». وبعض الحكمة يقتضي ألا تضيع وقتك مع وسطاء.
***

وبعد..
فقد كان أن ذكرني ما جرى في الأيام الماضية، بهذه «الصورة المهيبة»، لوقفة القضاة الشهيرة قبل أكثر من عقد من الزمان (١٧ مارس ٢٠٠٦) بحثا عن «استقلالهم». أو بالأحرى بحثا عن حق المجتمع في أن يكون لديه قضاء مستقل. وهو الأمر الذي لو كان قد تم «لهم ولنا»؛ حقيقيا وواقعيا، ما جرؤ أيا من كان أن يقترب من هذا «الاستقلال»، ولاطمأن القضاة إلى استقلالهم، والناس إلى قضاتهم، وإلى حقيقة أن «العدل ــ لا غيره ــ أساس الحكم» ومن ثم الشرط الأساس لاستقرار المجتمع. ولما كنا قد وصلنا إلى كثير جدا مما وصلنا إليه الآن.
…….
ثم، تبقى الملاحظة اللافتة أن المدون عاليه (أبريل ٢٠١٧) قد لا يختلف إلا في التفاصيل عن ما كتبته في أبريل ٢٠٠٦ (زمن مبارك)، أو في أبريل ٢٠١٣ (زمن الإخوان). إذ يبدو للأسف أن لا نظام حاكم لهذا البلد مهما اختلفت العهود والقبعات يدرك أن استقلالا «حقيقيا» للقضاء، هو شرط لازم للعدالة. وأن العدالة شرط لابد منه لاستقرار المجتمع.
نسأل الله الحكمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة الكاتب:
twitter: @a_sayyad
Facebook: AymanAlSayyad.Page

====
هذا المحتوي منشور في جريدة الشروق المصرية : الرابط الأصلي:

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=02042017&id=a171989a-f2c5-4bdb-bffe-2fd5f2261234

إذهب إلي النسخة الأصلية

تعليقات
Loading...