ايجي بوست

البناية… قصة قصيرة

كان سكان البناية يعانون، أشد المعاناة، من هذا الأمر الذي أصبح من غير الممكن السكوت عنه بأي حال، فالقمامة منتشرة في كل أنحاء البناية، والواجهة أصبحت قبيحة المنظر، وانهار الطلاء في معظم الأجزاء، بل أصبحت الواجهة هى الأقبح من بين كل عمارات الشارع والحي، لكن الطامة الكبرى كانت في مواسير المياه والصرف الصحي، فقد كانت في أسوأ الحالات، ولم يتم إصلاحها وصيانتها منذ زمن بعيد، ناهيك عن حال المصعد الذي نادرا ما يصعد أو يهبط أو يستجيب لأي شيء، بجانب انتشار الرائحة الكريهة التي أزكمت الأنوف فى كل الانحاء، فلم تعد منتشرة فقط على السلالم والطرقات، وإنما أصبحت الشقق السكنية أيضا معبأة بها، مهما استخدم صاحب الشقة من وسائل للتغطية عليها، فلم يُجدِ البخور ولا المعطرات، ولم ينفع إحكام غلق أبواب الشقق، أو وضع مواد عازلة حول الحوافّ في منع دخول الرائحة التي أصبحت لا تطاق، بل أصبحت رائحة هذه البناية تنتشر في كل الشارع، وتزحف كل فترة في المنطقة كلها مما اثار غضب واشمئزاز سكان العمارات المجاورة.
عدد ضخم من السكان والشاغلين في البناية، فهي الأقدم والأضخم والأعرق بين كل بنايات الشارع، بل والحي كله، ويفترض أن فيها اتحاد ملاك وشاغلين، يمثل مجلس الإدارة لكل السكان والملاك لتلك العمارة، ويفترض أن يختار كل مالكي البناية وساكنيها مجموعة تمثل رئيس اتحاد الملاك والشاغلين، بالإضافة إلى عدة مساعدين ومعاونين، بهدف التفرغ لإدارة شؤون البناية وجمع الاشتراكات الشهرية، وإعداد ميزانية للموارد التي تشمل الاشتراكات والإيجارات، بالإضافة إلى المصروفات التي تشمل الصيانة والإصلاحات والخامات وأجور الحراسة والخدمات والنظافة والكهرباء.
ولكنّ هناك شيئا عجيبا، فرئيس اتحاد الملاك الحالى الذى قد تولى هذا المنصب هذا قبل سنوات قليلة قد ملأ الدنيا وعودا بأن يعيد البناية إلى سابق عهدها، وأن يجعلها الأجمل والاعظم والأكثر تطورا بين كل عمارات الشارع، بل بين كل عمارات المنطقة، ولكن مع مرور الوقت لم يتحقق شيء من وعوده الفضفاضة التي أطلقها قبل توليه هذا المنصب التطوعى , بل لقد اصبح الحال هو الأسوأ منذ انشاء البناية.
الأعجب أن وعده الأكبر كان الحفاظ على البناية من الانهيار، لكن السكان وجدوا أنه لايحافظ على العمارة كما وعد بل يحافظ فقط على كل مظاهر الإهمال نفسها التى أدت لتلك الكارثة و التي ستؤدي حتما إلى الانهيار مهما أطلق من وعود براقة وكلام معسول، وكان عندما يواجهه ملاك الوحدات وشاغلوها بتلك الوعود، أو عندما يثور عليه أحدهم، فإنه كان يتفاخر ببعض الإجراءات الروتينية أو بعض اعمال الصيانة الاعتيادية التي كان يعتبرها إنجازات لابد من الفخر بها ، على الرغم من أنها كانت تمثل الحد الأدنى لأعمال الصيانة في أي بنايةٍ محترمة ونظيفة. فكان مثلا يتفاخر بدهان بعض أجزاء الواجهة، على الرغم من أن بعض الحوائط كانت فيها شروخ عميقة، تهدد سلامة البناية والسكان، وكان كذلك كثير التفاخر بالتعاقدات الجديدة والمتكرّرة مع شركات الصيانة والخدمات التي تستنزف موارد العمارة القائمة، في الأساس، على تبرعات السكان، على الرغم من أن كثيرا من تلك التعاقدات كانت إهدارا كبيرا للموارد، فلا صيانة حقيقية، ولا تحديث، ولا تحسين للخدمات،فقط دهانات للواجهات الخارجية او مدخل العمارة بدون تحديث حقيقى لخدمات النظافة والمصاعد والمياة والكهرباء والغاز وركن السيارة.
هذا بالإضافة إلى غياب العدالة في التمتع بالخدمات المستحقة، فقد كان حوّل رئيس اتحاد الملاك مجموعة كبيرة من ذوي المناصب والنفوذ، خصوصا من رجال الشرطة والجيش والقضاء وكبار موظفي الدولة، كان هؤلاء فقط هم من يتمتعون بالخدمات التي يفترض بها أن تكون مستحقةً لجميع السكان، أما باقي السكان الغلابة فكانوا يعانون دائما من مشكلاتٍ متكرّرة، مثل تعطل المصعد، أو انقطاع التيار الكهربائي، أو تسرب المياه أو انقطاع الغاز, او انقطاع الكهرباء بسبب تهالك الكابلات والتوصيلات وانتهاء عمرها الافتراضى.
وفى أوقات نادرة، كان رئيس اتحاد الملاك يقوم بالدعوة الى حملة من أجل الصيانة والتطوير، لكنها كانت حملات صورية ودعائية اكثر منها صيانة حقيقية، وتتكلف من البهرجة والاحتفالات والدعاية أضعاف أضعاف تكاليف الصيانة الأصلية. بالإضافة إلى أن تلك الصيانة الصورية المصاحبة للحملات كانت دائما بعد وقوع كوارث وليس قبلها، فمثلا إذا انهار جزء من احدى الشرفات يبدأ فى اطلاق حملة لجمع التبرعات من اجل دهان وتجميل شرفات العمارة وسط تصفيق وتهليل من مساعديه ومؤيديه,واذا مات احد السكان بسبب سقوطه فى بئر المصعد بعد تعطله فيدعوا فورا الى اجتماع عام لسكان العمارة ليعلن بدء التعاقد مع شركة (يديرها أحد الاصدقاء المقربين كالعادة) للتأمين على الحياة ضد أخطار السقوط فى بئر الاسانسير, ولا يشمل هذا التأمين الذى تم فرضه على السكان ويتكلف اموال طائلة من رواتبهم أى التزامات على الشركة بصيانة المصعد وتأمين الارواح, وفى مثل هذه الاجتماعات لا يسمح لأى فرد من السكان بالتعليق أو ابداءالرأى فى تلك الاجتماعات الطارئة , فقط التصفيق الحاد والدعاء بطول العمر والصحة “للمنقذ البطل” الذى تولى مسئولية ادارة العمارة فى ظروف صعبة ،أو تلك الحملة الكوميدية التى اصبحت مسار سخرية كل سكان المنطقة والمناطق المجاورة , تلك التى دعى فيها سكان العمارة للتحلى بالذوق وروح التعاون وفتح ممرات على السلم وسط اكوام القمامة المتراكمة, وهى الحملة التى أقام لها مؤتمر فاخر وتم توزيع فيه عدد ضخم من المطبوعات والملصقات تكلفت آلاف الجنيهات, رغم انه من الأفضل أن يتعاقد مع شركة لتنظيع العمارة دوريا , أو أن يقوم بشراء صناديق قمامة توضع على السلم وفى مدخل العمارة ويقوم الحارس أو البواب بتنظيفها يوميا ونقلها لصندوق القمامة العمومى بمقابل سيكون أقل بمئات المرات من تلك الدعاية المزيفة.
وبعد كل حملة دعائية وحلول حمقاء من رئيس اتحاد الملاك والشاغلين, يبدأ أنصاره من السكان ذوى المناصب السابقين او الحاليين في تعليق لافتات الشكر والتمجيد والتزلف والنفاق عدة شهور متواصلة كأنه فعل المعجزة,وكانت دوافعهم واسبابهم مختلفة فى ذلك, فبعضهم كان يفعل ذلك طمعا مميزات أو نفحات من رئيس اتحاد الملاك والشاغلين، فهو يفعل ذلك مع كل من تولى رئاسة اتحاد الملاك والشاغلين من قبل, وبعضهم كان دافعه هو الخوف, فشعاره كان فليبق الحال على ما هو عليه, فربما سيؤدى التغيير لأسوأ, خصوصا بعد ان كان رئيس اتحاد الملاك ومساعدوه يقتطعون جزء ليس بالقليل من وقت كل اجتماع او لقاء من أجل سب وتشويه والخوض فى سمعة كل من يتحدث عن مصطلحات مثل إصلاح العمارة أو تغيير اسلوب الادارة , اوكل من يتفوه بكلمات مثل خلونا نجرب وشوش جديدة وافكار جديدة, أو ان السبب فى حال العمارة وانهيارها القريب هو الفساد والاستبداد والغباء.
ولكن اغلبية سكان البناية بشكل عام كان مغلوب على أمره, يذهب للعمل فى الصباح ويعود ليغط فى نوم عميق فى المساء , ولا يلتفت لأى تغير فى حال البناية سواء كان للأفضل أو للأسوأ, وهو ما شجع رئيس اتحاد الملاك على التمادى فى فساده.
ولكن كيف بدأت القصة؟

الأمر ليس جديدا، فهذا الحال المؤسف مستمر منذ سنوات، ربما كانت البداية عندما تولى شخص بليد وعنيد رئاسة اتحاد ملاك العمارة منذ عشرات السنين,فعندما استمر فى رئاسة الاتحاد لمدة طويلة تحول إلى فاسد كبير ولم يعتمد إلا على أسوأ النماذج من السكان واكثرهم فسادا فبدأ الحال فى التدهور والانهيار, وعلى الرغم من أن هذا الشخص البليد العنيد تولى إدارة البناية مصادفة، لكنه قبع على إدارتها سنوات وسنوات، ساءت فيها الأحوال والخدمات، بخلاف الفساد الضخم في ميزانية البناية، وإهدارها بشكل فج، وهو ما أدى إلى انتفاضة سكان البناية ومالكيها ضده فى احد الايام, في مشهد ضخم غير مسبوق في ذلك الشارع، مشهد جذب انتباه كل العمارات في المنطقة كلها، وأدى، في النهاية، إلى عزل رئيس اتحاد الملاك البليد من الإدارة والذى سارع انصاره للحديث عن مؤامرات العمارات الجديدة المجاورة التى لديها احساس بالغيرة من تاريخ البناية القديمة العريقة.
وتولى بعد البليد العنيد أحد السكان الذى كان مشهود له بالتدين والورع, وكان يطلق عليه مولانا الشيخ, استبشر بعض السكان به خيرا في بداية توليه المسؤولية، فقد كان مشهودا له بالتدين وطهارة اليد, ووعد بأن يشارك الجميع فى اتخاذ القرار بدون اقصاء او تمييز, ولكن، عند توليه المسؤولية عمليا، ارتكب أخطاء عديدة في زمن قصير، ما أدى إلى تسهيل مهمة عزله من أنصار البليد العنيد الذي سبقه من قبل في رئاسة اتحاد ملاك العمارة، فالشيخ للأسف كان له هو الآخر أهل وعشيرة ومؤيدون، وأدى اهتمامه بأهله وعشيرته من السكان وتفضيلهم على باقي سكان العمارة إلى تسهيل التآمر ضده.
وتكررت أخطاؤه واستخدم نفس الاساليب البالية القديمة , كما اعتمد على مساعدين من عائلته ولم يف بوعده بأن يتشارك الجميع فى اتخاذ القرار ,وتسبب أسلوب أهله وعشيرته وغرورهم فى نفور نسبةٍ كبيرة من سكان العمارة الذين استبشروا به خيرا فى البداية، وقد أدى ذلك إلى هبّةٍ كان معظمها مفتعلا ومنظما من انصار البليد الذين نصبوا رئيس الاتحاد الحالى, فربما لم يكن الشيخ فاسدا كما كان سابقه ولاحقه, ولكن غرور وصلف مساعدوه وانصاره واقصاؤهم لكل من هو خارج عائلتهم أدى الى تكتل الجميع ضده, وهو ما استغله انصار البليد بامتياز.
ولكن، لم يتحسن الأمر بعد ذلك، بل أصبح أسوأ من كل ما سبق! فرئيس اتحاد الملاك الحالي هو تلميذ البليد العنيد،ومساعدوه وانصاره هم نفس مساعدو وانصار البليد العنيد, لكن رئيس المجلس الحالى ربما أكثر ديكتاتوريةً وفجاجة وحماقة في الوقت نفسه، وربما الأكثر كذبا من كل من سبقوه مجتمعين. ولذلك، لا يشعر بأى حرج عندما يحوّل الإخفاق نجاحا وهميا وإنجازات خيالية. ولذلك، لا يخجل عندما يسعى، هو وأنصاره، إلى طرد مالك أو مستأجر لإحدى الشقق،أو عقاب أحدهم بالضرب عندما يطالب بالمساواة, فهو الآمر الناهى, والمانح المانع,وهو وحده الذى يقرر من يستحق ومن لا يستحق, ولا يناقشه احد, ولا يعلم احد ما الذى يخطط له أو ينوى فعله, بل لا يتوارى في استخدام أساليب الإرهاب والبلطجة ضد كل من يعترض على أسلوب إدارته البناية، أو ضد كل من يتحدث عن المخالفات المالية والإدارية الجسيمة لمعاونيه الذين هم، بالمناسبة، أسوأ من عاونوا البليد العنيد من قبل، وتسببوا في خراب البناية وخدماتها.
وبعد عدة سنوات حدث أمر عجيب, تعجب له كل سكان الحي والأحياء المجاورة سنوات اخرى بعد ذلك، فقد حدث حاجز مفجع وكارثة كبرى عندما بدأت التصدعات والشروخ فى التمدد مما ادى لتساقط وانهيار اجزاء كبيرة ومهمة من البناية يصعب علاجها وترميمها بعد ذلك, وبعد عدة اجتماعات عاجلة لسكان العمارة وانشاء اتحاد موازى للادارة اكتشفوا أنه قام بايجار وبيع الاماكن الخالية بالعمارة لحسابه بدون علمهم رغم انها مملوكة للجميع, بل كذلك قام ببيع شقق باقى السكان بعقود مزورة وبدأ فى طرد بعض المستضعفين من السكان.
ليس هذا هو الامر العجيب الذى تحدث عنه سكان العمارات المجاورة لعدة سنوات بعد ذلك, بل كان انه حدث وثار سكان العمارة ثورة جديدة كانت اكثر عنفا ودموية من سابقاتها بسبب تمسك الاخير بادارته للبناية, ولكن بعد ان جائت الفرصة لتغيير هذا الديكتاتور الاحمق ,كرروا نفس خلافاتهم وتناحرهم واخطاؤهم , حتى أن بعضهم استغل الفرصة لتنصيب البليد العنيد وولديه مرة اخرى, رغم ان جسده قد تعفن, وتحول منذ فترة الى مومياء.

 

===

هذا المقال مكتوب لصالح موقع إيجي بوستس

تعليقات
Loading...