الكاتب محمد المنشاوي

ترامب وإصلاح الإسلام

الباحث السياسي والكاتب “محمد المنشاوي ” نشرا مقالا جديدا بعنوان “ترامب وإصلاح الإسلام” في جريدة الشروق المصرية وذلك بتاريخ “2017-05-19”.

ينوى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التوجه بخطاب عن الإسلام لأكثر من مليار ونصف المليار من متبعى الدين الحنيف من العاصمة السعودية الرياض وذلك خلال قيامه بأولى رحلاته الخارجية منذ بدء حكمه فى العشرين من يناير الماضى. وخلال حضورى المؤتمر الصحفى لمستشار الأمن القومى «هربرت ريموند ماكماستر» يوم الثلاثاء الماضى سمعت الجنرال يقول إن الرئيس ترامب سيدعو «قادة العالم الإسلامى لتطوير رؤية سلمية للإسلام». وكانت الحكومة السعودية قد وجهت الدعوات لأكثر من خمسين حاكما يمثلون أعضاء فى منظمة العالم الإسلامى لحضور لقاء موسع مع ترامب والاستماع لرؤيته حول الإسلام. وأضاف الجنرال ماكماستر أن ترامب يهدف كذلك إلى «تشجيع شركائنا العرب والمسلمين على اتخاذ خطوات جديدة شجاعة من أجل تعزيز السلام ومواجهة هؤلاء، من داعش إلى القاعدة إلى إيران إلى نظام الأسد، الذين يثيرون الفوضى والعنف ويتسببون فى الكثير من المعاناة عبر العالم الإسلامى وخارجه». ولم يفت الجنرال ماكماستر أن يشير كذلك إلى أن ترامب «سيقود الخطوات الأولى نحو شراكة أكثر قوة وقدرة مع شركائنا الخليجيين والعرب والمسلمين، وسيوجه رسالة قوية بأن الولايات المتحدة والعالم المتحضر بأكمله يتوقع من حلفائنا المسلمين اتخاذ موقف قوى ضد الأيديولوجية المتطرفة الإسلامية التى تستخدم تفسيرا خاطئا للدين لتبرير جرائمها ضد الإنسانية».
***
بداية لا أعتقد أن من حق أى رئيس أمريكى خاصة إن كان اسمه دونالد ترامب، أن يحاضر حكام المسلمين ويخاطب الشعوب المسلمة من أجل «تطوير رؤية سلمية للإسلام». سجل ترامب كمرشح وكرئيس حتى الآن لا يؤهله للحديث عن أى إصلاح أو تطوير خاصة إذا ما ارتبط الأمر بعقيدة سماوية يؤمن بها أكثر من مليار ونصف المليار من البشر. لقد ساهم خطاب ترامب وخطاب بعض مستشاريه بصورة مباشرة وغير مباشرة فى ارتفاع الجرائم، خاصة جرائم الكراهية والتمييز ضد المسلمين داخل أمريكا. وخلال حملته الانتخابية تعهد ترامب بالنظر جديا فى موضوع إغلاق بعض المساجد وتشديد الرقابة على بعضها الآخر، كما قطع عهدا باستصدار بطاقات هوية خاصة بالمسلمين. كما يرى ترامب أنه استنادا إلى استطلاعات الرأى المختلفة، على حد تعبيره، فالمسلمون بشكل عام يكرهون الأمريكيين، وأن الإسلام يعادى أمريكا.
وبعد وصوله للبيت الأبيض يحارب ترامب من أجل تطبيق مرسومه الرئاسى بمنع دخول مواطنى ست دول مسلمة للولايات المتحدة رغم معارضة القضاء وعدم دستورية الخطوة حتى الآن.
ولم يترك ترامب موضوع كبار مستشاريه إلا ليؤكد ليس فقط إدانتهم ورفضهم للمتطرفين، بل تمتد تحفظاتهم على الدين ذاته وما يمثله من قوة فى المجتمعات الإسلامية. ووصف مستشاره للأمن القومى مايكل فلين، والذى اضطر للاستقالة على خلفية علاقاته مع روسيا، الدين الاسلامى بأنه «أيديولوجية سياسية تختبئ وراء الفكرة القائلة إنه معتقد دينى»، كما شبه فلين الدين الاسلامى «بسرطان خبيث»، وكتب أن الخوف من المسلمين «خوف منطقى». أما مستشاره الاستراتيجى الأبرز «ستيفن بانون» فوصف الاسلام بأنه «أكثر أديان العالم تطرفا»، وحذر من أن المسلمين يشكلون «طابورا خامسا هنا فى الولايات المتحدة». ثم تجرأ ترامب وقام بتعيين «سيباستيان جوركا» مستشارا لشئون مكافحة الارهاب، وهو الرجل الذى قال إن الأمر ليس نقاشا حول الإسلام وعما إذا كان دينا أم لا، الامر يتعلق بالإرهاب الإسلامى المتطرف. نحن مستعدون أن نكون صريحين حول التهديد الذى يشكله هذا الإسلام. لن نتجاهله كما فعلت إدارة أوباما».
***
أما أن يختار ترامب المملكة السعودية لإلقاء خطابه المهم لمسلمى العالم… فهذا أمر يثير الاستغراب ويطرح الكثير من التساؤلات. فقد دأب ترامب على مهاجمة السعودية أثناء حملته الانتخابية، وربط ترامب بين أحداث 11 سبتمبر ودور للمملكة السعودية فيها على خلفية وجود 15 سعوديا ضمن الإرهابيين الـ 19 ممن نفذوا الهجمات. وقال ترامب إن مقتطفات تقرير لجنة تحقيق 11 سبتمبر، والذى أبقاه سريا الرئيس جورج بوش وأوباما من بعده قبل نشرة أخيرا، يظهر أن المملكة العربية السعودية، حليفة الولايات المتحدة، لعبت دورا مهما فى الهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمى. ثم أضاف بعد ذلك فى حوار تليفزيونى مع محطة فوكس الإخبارية «لقد هاجمنا العراق ونحن كنا نعلم أنهم ليسوا من أسقط مركز التجارة العالمى».
ثم تمادى ترامب فى هجومه على السعودية بالقول إن «السبب الرئيسى لدعمنا للسعودية هو حاجتنا للنفط، ولكننا الآن لا نحتاج كثيرا إلى نفطهم، وبحال تغير الحكم بأمريكا فقد لا نحتاج نفطهم على الإطلاق ويمكننا ترك الآخرين يتصارعون حوله»، وأضاف «أن السعودية دولة ثرية وعليها أن تدفع المال لأمريكا لقاء ما تحصل عليه منها سياسيا وأمنيا، والسعودية ستكون فى ورطة كبيرة قريبا، وستحتاج لمساعدتنا.. لولانا لما وجدت وما كان لها أن تبقى».
ولم تقابل الرياض كلمات ترامب بالغضب أو التهديد بالرد، وحتى بعدما أعلن ترامب صريح دعمه لقانون جاستا (قانون العدل ضد رعاة الإرهاب)، وهو ما يسمح لعائلات ضحايا الحادى عشر من سبتمبر الأمريكيين بمقاضاة الرياض بسبب مزاعم تورطها فى ذلك الهجوم الإرهابى. وخلال زيارته للبيت الأبيض قبل شهرين، أكد ولى العهد السعودى، محمد بن سلمان، أن لدى المملكة معلومات تفيد بأن هناك مخططا سريا ضد الولايات المتحدة، تم الإعداد له فى الدول الست التى منع بعض مواطنيها من دخول أمريكا. ثم تحدث أحد كبار مستشارى الأمير بن سلمان عن فحوى لقائهما الثنائى الأول قائلا «محمد بن سلمان ناقش مع ترامب قضية منع دخول بعض مواطنى الدول الست للولايات المتحدة الأمريكية. وهو متابع للموضوع من البداية وإن المملكة لا ترى فى هذا الإجراء أى استهداف للدول الإسلامية أو الدين، بل هو قرار سيادى لمنع دخول الإرهابيين إلى أمريكا».
***
تحبس واشنطن أنفاسها مخافة قيام ترامب بما لا يحمد عقباه خلال الزيارة، إلا أن قيامه بتوجيه خطاب حول الدين الإسلامى يحمل فى ذاته خبرا سيئا للعلاقات التى تجمع المسلمين كأفراد أو دول مع الجانب الأمريكى.
خلال زيارته للسعودية، يُنتظر أن يشارك الرئيس ترامب فى افتتاح مركز يهدف إلى «محاربة التشدد وللترويج للاعتدال» طبقا لما ذكرته مصادر أمريكية، إلا أن الأمريكيين يتناسون أنه لا حل حقيقيا ولا إصلاح جادا يمكن أن يحدث طالما ظلت أغلب دول العالم الإسلامى تغيب عنها مفاهيم وممارسات الديمقراطية والحريات وسمو حقوق الإنسان، كما أنه من الصعوبة تخيل أى نجاحات ضد الراديكالية والتشدد طالما تعانى مجتمعاتنا من آفات الاستبداد والتسلط والديكتاتورية.

المصدر : جريدة الشروق

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.