ناطقون رسميون باسم الدين

سناء العاجي

في كل نقاش يمس مواضيع يعتبرها البعض جدلية، مثل المساواة في الإرث وحرية المعتقد وحقوق المرأة والحريات الفردية وغيرها، تخرج علينا بعض الأصوات التي تحتج بسبب غياب الرأي الآخر. والرأي الآخر هنا ببساطة هو رأي الفقيه أو عالم الدين.

 

لنتتبه أننا أمام دين أهم ميزاته أن لا وساطة فيه بين المؤمن وربه… لكن المسلمين أنفسهم قرروا أن الفقيه والإمام وحدهم ينطقون باسم الدين. فتجد البعض يسألك عن شخص عارف بالدين، رغم أنه أمام باحث يعرف الآيات القرآنية جيدا، ويحللها ويناقشها…لكن ذلك المؤمن لا يعطيه شرعية المعرفة الدينية ما دام لا يلبس جبة الفقيه. وحده الفقيه والإمام يملك شرعية المعرفة الدينية… فأي تناقض صارخ هذا؟

ثم، لنكن موضوعيين… كم نسبة المنابر الإعلامية التي يمكن تصنيفها في الصف العلماني، مقارنة مع المنابر الإعلامية الدينية؟ كم عدد البرامج الدينية في قنواتنا الحكومية والخاصة؟ لماذا لا يسأل أحد عن الرأي الآخر حين يستحوذ الرأي الديني على المنصة؟ لماذا لا يطالب أحد بتوازن الآراء أمام الكم الهائل من الفتاوى والخطب الدينية؟ علما أن لا وساطة في الإسلام بين الله وعباده. كلنا يقول هذا… لكن الأغلبية تبحث عن الوساطة الدينية في الإمام والفقيه وفي البرامج الدينية.

 

منذ خمسة عشر قرنا، وحدها الأصوات الدينية ارتفعت. كفرت وقتلت أعدادا من الأصوات التنويرية. استحوذت على الخطاب الديني والدنيوي… ولم يطالب أحد بالتوازن. وإلى غاية اليوم، مازالت تستحوذ على أغلب المنابر. تكفر وتنتج الخطابات المتطرفة والفتاوى وتخلط العلم بالدين… وحين يتم فتح نقاش حر عن مواضيع تستفز الخطاب المحافظ، هنا فقط نسأل عن الرأي المخالف وعن التوازن.

 

اسألوا عن التوازن نجوم البرامج الدينية… اسألوا عنه نجوم القنوات الفضائية…

نحن لا نحتاج في كل نقاش لصوت رجل الدين… من حق المؤمن أن يسعى إليه حيث هو… لكنه، حين يغيب، فسيكون من الحيف واللا موضوعية أن نستنكر غيابه في بضعة نقاشات وأماكن… وهو الحاضر في كل المواضيع والأزمنة والأمكنة.

حرامية السعادة

داليا شمس

الكاتبه “داليا شمس” كتبت مقالا بعنوان “حرامية السعادة” في جريدة ” الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-19” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .

الحياة بالقرب منهم أشبه بكمائن العنكبوت. يستدرجونك دوما إلى شباكهم الدقيقة كأنها عمل فنى وهندسى حقيقى. وكلما سعيت للفكاك تطاردك خيوطهم التى غزلوها بحنكة وخبرة وتمرس، مثلما أفضل مصانع النسيج. خيوط متشابكة تلتف من حولك، فلا تلبث تعرف الفارق بين السارق والمسروق، الجلاد والضحية.

سحرة قيد التدريب يلتهمون سعادتك التهاما، ثم يصيحون هل من مزيد؟ هؤلاء سواء كانوا أصدقاء أو معارف أو أقارب أو زملاء أو أحباب يسممون حياتك بآثارهم وتجاربهم وطاقاتهم السلبية، ويقومون إراديا أو غير إراديا بالتشويش على راداراتك الداخلية، فلا تنعم بالراحة فى وجودهم، وبالتالى البعد عنهم غنيمة. لأننا عندما تأخذنا بهم الشفقة ونحاول مساعدتهم، نتورط أكثر وأكثر فى ألاعيبهم، ولا نستطيع النجاة. يطاردونا كما تطارد العناكب فريستها وتنصب لها الأفخاخ.

***

تقول لنفسك: «لا يحق لها أن تسأل لمن الورد الأصفر؟«، لكن فعليا أنت تسمح لها بالولوج إلى عالمك السرى دون استئذان وتعطى لها الحق فى أن تحصل منك على إجابات، حتى لوكنت مقتنعا بالعكس، فهى تملك ذلك التأثير عليك، وتبتزك يوما بعد يوم باسم الصداقة التاريخية، ولا تدع لك مجالا بأن تسأل نفسك: هل كل علاقة قديمة، مرت عليها سنوات وسنوات، هى بالضرورة صحية أو سوية؟ أليست هناك علاقات كانت وليدة ظروف وانتهت؟

تصدق الأكاذيب كالأهبل، وتصدق الأقنعة، مرددا: «الأقنعة لا تعرف الكذب، هى الوجوه الحقيقية، وبما أننا فى أفريقيا السوداء، فلنؤمن بالأساطير مثل أهل القارة، ونقول إنها تشى بالشخوص المتعددين فى كل شخص«.

***

عندما تجلس إلى جوار أحدهم وهو يتمطى ويتثاءب، ثم ينسحب من السهرة ويتركك وأنت لا تعرف بالضبط ما الذى أصابك؟ ولماذا ركبك الهم وسوء الطالع؟ اهرب… اهرب ولا تعد إلى حيثما كنت، فمن الأفضل أن تتعلم الانسحاب من حياة هذا الشخص تدريجيا، فهو من فئة مصاصى الدماء أو حرامية السعادة المحترفين.

شكاء بكاء، لا يقبل بأى حلول سوف تطرحها، لأنه ببساطة لا يرغب فى حل، بل يهوى دور الضحية، ويجعلنا جميعا مسئولين معه عن وحدته أو فشله أو عقده، إلى ما غير ذلك. لا يريد التخلص من أثقاله، بل يريدنا أن نحملها معه على أكتافنا، ونظل نتجرع السم على سبيل المشاركة.
نرثى لحاله ونتفاعل مع ما كتبه على الفيسبوك سعيا وراء المزيد من الاهتمام، ونهرع لمهاتفته بعد أن نظن أنه قارب على الانتحار، ونقع فى الفخ مجددا، فخ العلاقات المريضة والسامة، مع كائنات طفيلية، تتطفل على حياتنا ومشاعرنا وأفكارنا، وتود لو نعيش فى جلبابها وتحت سحرها.

***

اهرب موضحا لهذه الكائنات أنها غير مرغوب فيها. وابحث عن نقطة الضوء بداخلك، عن مصادر جديدة ومتنوعة للطاقة، بعيدا عن الرغبة فى السيطرة والأطماع والراحة على حساب الآخرين والنزعة الاستهلاكية والزيف والتملق والغرور. لا تتوقع للسعادة أن تأتى من أطراف خارجية، بل هى كامنة، نحملها بين ضلوعنا، تنتظر أن تخرج إلى النور وأن نترك لها بابا للخروج، وذلك بعد أن نزيل كل العوائق الذهنية وكل الأشخاص المؤذية، لكى ننعم بالسكينة والراحة من النفس.

المصدر : الشروق المصرية

حرروا الدين من الجهلة والمجانين

سناء العاجي

هل أنت مصابة بسرطان الرحم؟ فلتعلمي أن ذلك عقاب من الله لك بسبب علاقاتك الجنسية المتعددة.

هل أنت وفية لزوجك مخلصة له؟ لا داعي إذن لإجراء أية فحوصات للكشف المبكر عن داء السرطان وغيره من الأمراض الفتاكة.

هل يضربك زوجك؟ هذا واجبه الشرعي لكي يؤدبك، فاشكريه…

أنت مصاب بداء السكري والطبيب يحذرك من مخاطر الصوم على صحتك؟ لا تستمع لكلامه، فقد درس في كليات الطب الغربية الكافرة.

وهلم فتاوى مجنونة… وهلم خطرا على المجتمع وأفراده… وعلى صحتهم وحياتهم.

هذا ما يريده لنا إعلامنا الجديد.

في كل إذاعة خاصة وفي كل موقع وفي كل جريدة، فقيه يفتي ويصدر التحليلات العلمية والفلكية والصحية. آخرها في المغرب، فقيه على إحدى الإذاعات الخاصة اعتبر أن رحم المرأة مبرمج من الله كي يستقبل مني رجل واحد… وأن كل امرأة مارست الجنس مع أكثر من رجل، تتعرض لمرض السرطان (الذي اعتبره عقابا من الله). أضاف الفقيه أن أطباء الغرب الكافر اكتشفوا أن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي مدة العدة في حالة وفاة الزوج، تمثل الزمن الكافي لعنق الرحم لكي يعيد برمجته الداخلية، فيمحو عنه مني الزوج السابق ليستقبل منيا جديدا. طبعا، هذا الفقيه لا يفسر لنا ماذا تفعل المرأة المطلقة وعدتها ثلاثة قروء (أي ثلاث حيضات)؛ وماذا تفعل المرأة الحامل وعدتها حتى تضع؟ وكتب التراث الإسلامي تزخر بتجارب وقصص متعددة في الموضوع منها قصة سبيعة الأسلمية التي نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي، فأذن لها، فنكحت (رواه المسور بن مخرمة).

الفقيه الجهبذ ينسى، أو يتناسى، أن الشرع حدد مدة العدة لسبب وحيد وبسيط، وهو عدم اختلاط الأنساب بعد الطلاق أو الترمل؛ علما أن هذه المسألة نفسها قد تكون اليوم خاضعة لنقاش بما أن العلم يستطيع تأكيد الحمل خلال الأيام الأولى لحدوثه. ومع ذلك، فليكن… ولنقبل بالعدة كحكم من أحكام الشرع. لكن هذا لا يلغي أن التفسير الوحيد للأخيرة هو عدم اختلاط الأنساب، لا غير.

فبأي حق يخرج علينا فقيه بتفسيرات يقحمها إقحاما بالعلم، وهي تناقض العلم؟ ثم، ألا يدرك أنه، بفعله هذا، يعتدي على الإسلام لأنه يصوره لكل عارف بالعلم، كدين متخلف؟

الأخطر من ذلك هو ما أشارت له الدكتورة سمية نعمان كسوس، المتخصصة في علم الاجتماع، من تأثير هذه الفتاوى على العقول؛ بحيث ينتشر في أذهان الناس أن كل امرأة تتعرض للإصابة بمرض السرطان، هي امرأة فاسدة متعددة العلاقات الجنسية؛ وبأن السرطان هو عقاب من الله لها.

علما أن هذا الفقيه لم يقل لنا شيئا بخصوص أشكال السرطان الأخرى التي تصيب النساء والرجال والأطفال. هل يعاقب الله، مثلا، طفلا صغيرا يصاب بالسرطان؟

 

ثم، لماذا كل هذا الهوس بأجساد النساء وبالجنس عندهن؟ لماذا يعتبر الكثير منهم أن كل ما هو خارج عن المتعارف عليه في مرجعياتهم، هو فساد وانحلال وتفسخ؟ وماذا عن بعض الأمراض الجنسية (التي قد يؤدي بعضها للسرطان أو لأمراض أخرى خطيرة) والتي قد تصيب النساء بسبب علاقات أزواجهن مع نساء أخريات؟ في المغرب مثلا، وبحسب وزارة الصحة، 70% من النساء الحاملات لفيروس السيدا، انتقل إليهن الفيروس بسبب العلاقات الجنسية المتعددة للزوج. هل ندرك فداحة النسبة وفداحة الظلم الذي تتعرض له الضحايا؟ 70% من النساء حاملات الفيروس لسن مهنيات جنس، ولسن نساء يمارسن الجنس بدون رادع… هن نساء اخترن الزواج والأسرة، فإذا بالزوج ينقل لهن أحد أخطر أمراض الزمن الذي نعيشه. فهل من العدل في هذه الحالة أن نقبل منطق الفقيه المذكور أعلاه، ونتهم المرأة المصابة، بينما هي في الواقع ضحية بأكثر من شكل؟ يخونها زوجها، وينقل لها فيروس السيدا… ويقول لها فقيهنا العظيم بأن هذا المرض عقاب لها؟

 

سيقول البعض إنها حرية تعبير. لكن، أي حرية تعبير تسمح لنا باتهام الناس في أعراضهم بسبب مرض تعرضوا لهم؟ أي حرية تعبير تسمح لنا بالترويج لخزعبلات لا أساس لها من الصحة، في مجتمع لا تعطى فيه للطبيب والعالم نفس فرص التعبير التي تتاح للفقيه، لكي يصححوا ما بدر من أخطاء؟ أي حرية تعبير تسمح بتهديد حيوات الناس وصحتهم، وبربط الأمراض بعقاب الله؟ أي حرية تعبير تشجع الرجال على ضرب زوجاتهم وأخواتهم؟ أي حرية تعبير تهدد حياة الناس وتنشر التطرف… باسم الله؟

إن حماية الدين نفسه من هؤلاء أصبحت أولوية، لأنهم يقدمون عنه أسوأ صورة. ماذا يحدث للمؤمن حين يعي بأن العلم مناف لما يقوله الفقيه باسم الدين؟ كيف يتعامل المؤمن مع فقيه يتهمه ظلما في شرفه، أو يضع صحته وصحة من يحب في خطر، باسم الله؟

الإيرانيات يخضن معركة الحجاب

دلال البزري

معاني الحجاب متنوّعة ومتناقضة. هناك الحجاب التقليدي الذي ارتدته جداتنا، ولم تلغِه الموجات الحداثية، إنما أبطلته موجة الإسلام السياسي. وهناك الحجاب الرافض للسلطة الحاكمة، كالذي راجَ في سورية، بدءاً من الثمانينات، إثر الحملة التي خاضتها قوات “سرايا الدفاع” التابعة لرفعت الأسد، بانتزاع حجاب كل امرأةٍ في الشارع، بقوة العضلات. وهي حملةٌ أتت بعد المعركة الدموية التي خاضها أخوه حافظ الأسد ضد “الإخوان المسلمين”. ومثله الحجاب التركي في زمن حكم العسكر، وعشية بلوغ الإسلامي، رجب طيب أردوغان، السلطة. وهناك حجاب فرضه المجتمع، وهو أقوى من أي حجابٍ آخر؛ مثل الحجاب الذي أخذ يغزو مصر تدريجياً بعد الفشل الناصري والصعود الإسلامي. وهناك أيضاً حجاب “الهوية”، شاع في بلاد الغرب التي استقبلت مهاجرين أو لاجئين من الدول الإسلامية. وقد عرف من بين صاحباته تيارات إسلامية عديدة، تبدأ بالمفاهيم الداعشية عن المرأة ولا تنتهي عند إمامة مسلمات للصلاة، وبروز “النسوية الإسلامية” التي تضم عضوات غير محجبات. ومثله حجاب هوية آخر، ولكن بمضامين طائفية مذهبية، كالحجاب اللبناني الذي يمكن أن تعرف من بعيد إذا كانت صاحبته سنيةً أو شيعية أو درزية. أيضا: الحجاب بدواعٍ شخصية، مثل رحيل شخص عزيز، أو طلاق، أو فشل؛ أو بالعكس، بحثاً عن عريس، أو نجاح أو تحقيقاً لنذر. وثمّة نوع أخير، يكون للدولة فيه قانون يلزم ارتداء الحجاب تحت طائلة العقوبة. وأبرز الدولتين المتعاملتَين بهذ المنطق مع الحجاب هما المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولكن مع فرق هائل بينهما: الأولى لم تعرف حكماً سياسياً غير الذي يسود الآن، فيما خاضت الثانية مع الشاه معركة إلباس الحجاب، بعدما كان هو شارعاً في نزعه.

وبما أن الحجاب ينطوي على معانٍ بعينها، فإن السفور الذي فرضه الحكم الشاهنشاهي رافقته

مجموعة من القوانين الإيجابية للمرأة الإيرانية، منها: رفع سن الزواج للأنثى من ثلاثة عشر عاماً إلى ثمانية عشر، وضع القيود القانونية على تعدّد الزوجات، تشجيع الاختلاط في المدارس، حثّ النساء على التعليم والعمل البرلماني، (22 نائبة أيام الشاه).. إلخ. من دون أن يعني ذلك أن حكم الشاه كان وطنياً، أو ديمقراطياً، أو “تنموياً”.

ثم جاء الإمام الخميني بثورته الاسلامية (1979)، وكانت أولى قراراته فرض الحجاب بالقانون على الإيرانيات (البند 683 من القانون الجنائي). وقد استتبعته مباشرةً إضراباتٌ وتظاهراتٌ نسائية حاشدة، احتجاجاً على هذا المرسوم، لكنها لم تجد الصدى، ولا الفعل اللازم في وقتها. إذ غلبت الحماسة للثورة، وانقضّ الملالي على السلطة، ليطردوا منها كل من شارك فيها من غير طينتهم: الشيوعيين، الاشتراكيين، الإصلاحيين، الليبراليين، وطبعا النساء. وكانت كل هذه الفئات قد ساهمت في إنجاح الثورة. جميعهم إما أُعدِموا أو لوحقوا أو طردوا أو أُسكتوا أو حُيّدوا. فكانت الإجراءات القانونية ضد النساء، ويتصدرها الحجاب؛ بقوة “شرطة الأخلاق” والمحاكم الدينية، وقد استعادت كل الامتيازات الجنسية والاجتماعية التي كان الرجال يتمتعون بها، قبل أن يصلح الشاه بعضاً منها. منها إعادة سن الزواج إلى الثلاثة عشر، بمجرّد “تكليف” للأب، تسهيل تعدد الزوجات، فضلاً عن زواج المتعة، إقامة الحدود “الشرعية”، مثل الرجم بحق أية امرأة “آثمة”، منع حرية الطلاق على المرأة، إلا بموافقة الرجل، مقابل إطلاق حرية الرجل بالطلاق كيفما شاء، إلغاء قانون حماية العائلة، منع الاختلاط في المدارس والجامعات والمدرجات، وحتى التظاهرات. فضلاً عن التعامل مع المرأة بصفتها نصف رجل، كما في شهادة المرأة في المحاكم، أو فديتها في حال مقتلها. وأخيرا عام 2005، بعدما لاحظت السلطة الدينية انخفاض نسبة المواليد، منعت توزيع حبوب منع الحمل مجاناً، لتضع حول رقبة النساء، الفقيرات خصوصاً، حبل الحمل غير المرغوب، فتكتمل بذلك حلقة البؤس.

الإيرانيات لم يستسلمن. خضن معارك البقاء بما توفّر لهن من فُسْحات. في التعليم، في العمل، في مليون حيلة وحيلة وجدنها لتسيير شؤون حياتهن. ليست حركة خلع الحجاب جديدة تماما عليهن. بدأت بإرخاء هذا الحجاب قليلا، وإظهار بعض من الشعر، والشرطة الأخلاقية تلاحقهن، وتصف حجابهم بـأنه “خاطئ”. وقبل أربعة أعوام، خيضت معركة افتراضية، عبر مواقع التواصل، هي صور لإيرانيات من دون الحجاب، في أماكن مختلفة، على شاطئ البحر خصوصاً، بما يجسده من انطلاق. واسم الحملة “الحرية البطيئة”.
الآن، تقدمت المعركة خطوة، من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي: ففي خضم التظاهرات

الشعبية التي انطلقت في نهاية السنة الماضية، كانت الشابّة الإيرانية ويدا موحد، في “شارع” الثورة، تقف فوق ما يشبه صندوقا ضخما لمولد الكهرباء، حاملة عصا رفيعة، واضعةً حجابها على طرفه، وملوِّحة به أمام المارة. “الشرطة الأخلاقية” قامت بعملها، سحبت ويدا موحد إلى السجن شهرا، أطلقتها من بعده. ولكن الحركة الرمزية هذه اتخذت، أخيرا، حجماً، بحيث إنه بات للشابة مقلِّدات، يكرّرن على الملأ الحركة ذاتها. حجابهن على طرف عصا، يقفن فوق مساحةٍ مرتفعةٍ صلبة، يلوحن بهذا الحجاب، يسجلنه ويرسلنه على “يوتيوب”. ثلاثون امرأة من بين أولئك الشجاعات دخلن حتى الآن السجن، وليس معروفا تماماً إن كن سيقمن فيه، أو يخلَين أو يجلَدن.. ولكن يبقى أن الإيرانيات إرتقَين درجةً نحو ترميز معركتهن، وإيصالها إلى الباقيات من بينهن؛ واحدة من الوقْفات كانت صاحبتها ريفيةً تلبس التشادور الإيراني، تحمل عصا على طرفه منديل، وتقول “أنا أحب الحجاب الإسلامي، ولكنني ضد أن يكون إلزامياً”. والحركة مستمرة، صار لها يوم في الأسبوع، وهو الأربعاء، واسم أيضاً هو “حملة الأربعاء البيضاء”؛ أو الخروج سافرةً كل أربعاء.

ردة فعل السلطة، كالعادة، ألقت اللوم على “عملاء الخارج”، وهدّدت شرطة الأخلاق النساء بالسجن الدائم، في حال استجابتهن للحملة. أما النائب العام، محمد جعفر منتظري، فقد سخّف الحركة برمتها، وصفها بـ”الصبيانية”، وبأن “لا معنى لها، وليس فيها ما يقلقنا”. نضال الإيرانيات النسوي عكس ذلك تماماً. التيار الأعرض من النساء راهن على الجناح الإصلاحي، وكان جمهور محمد خاتمي الإنتخابي، وبعده جمهور حسن روحاني، يعتقد أن بلوغ هذا الجناح السلطة قد يكون أقل سلبيةً إزاء حقوقهن من الجناح المتشدّد. ولكن رئاسة روحاني، بعد خاتمي، خيّبت تطلعاتهن، على الرغم من لسانه الملطَّف، فهو أصلاً ضعيف في التركيبة الحاكمة. ولم يكن له يد في أخطر مشاريع القوانين الصادرة عن دولته: قانون “دعم من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر”؛ بمعنى آخر، قانون زرع أعين السلطة داخل شقوق المجتمع ومتْنه. فما بالك لو تعلق الموضوع بحركةٍ بائنة، غير سرية مثل “حملة الأربعاء البيضاء”؟ تسخيف أمر الحجاب يكشف عن خبث سلطوي ومكر ذكوري. فاذا كان فعلاً بهذه الهيافَة، لماذا إذن يصدر قانوناً بإلزامه، تحت طائلة العقوبات؟ ولماذا يرتبط هذا القانون بحرمان النساء من حقوقٍ مكْتسبة في زمن الشاه؟ كانه، أي الحجاب، هو رمز هذا الحرمان؟

المعركة النسوية في إيران مستمرة، وباتَ لها رمز وكلمات ومشاهد بصرية ونشاط أسبوعي. يبقى كيفية شبْكها مع معارك الحريات العامة، والاقتصاد المهترئ شبه المنهار، واحتكار الحرس الثوري العنف والثروات. وقبل ذلك، أو خلاله، معركة ادخار طاقات إيران من أجل معركة تنميتها، لا بعثرتها في مشاريع إمبراطورية في المشرق، لم تزرع فيه سوى الدمار.

مصنع الأخبار الحلوة

داليا شمس

الكاتبه “داليا شمس” كتبت مقالا بعنوان “مصنع الأخبار الحلوة” في جريدة ” الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-12” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .

طالعت فى الصحف خبر تنظيم مؤتمر حول الإعلام الإيجابى، نهاية شهر يناير الماضى، فى بيروت، ما جعلنى أتوقف مجددا عند هذا المفهوم الذى بدأ فى الانتشار مؤخرا، خاصة على يد جمعيات ومنصات مثل «مراسلو الأمل« التى ظهرت عام 2004 أو «سبارك نيوز« التى لم يتجاوز عمرها ست سنوات. الجمعية الأولى كانت وراء إطلاق المفهوم الذى يشار له أيضا بالصحافة البناءة أو ذات التأثير، أما المنصة الثانية فساهمت بفاعلية فى الترويج له، معلنة عن طموحها فى أن تشكل على المدى القصير الصحافة الإيجابية ما بين 5 و 10% من المحتوى الإعلامى السائد. الأمر يتعلق بالتصدى لأخبار إيجابية حول مبادرات ناجحة قام بها أفراد أو لقصص تحمل حلولا للمشكلات التى يتم عرضها، حتى لا يظل القارئ أسيرا لأنباء الحرب والكرب والقتل والإرهاب والكوارث، التى ملها وصارت تؤثر على حالته النفسية فأحجم عن شراء الصحف ومتابعة الأحداث، وفقا لبعض دراسات السوق والمبيعات. على سبيل المثال بدلا من الاكتفاء بتناول آثار إعصار أو فيضان، تنشر الصحف التى تتبنى هذا المفهوم موضوعات حول التعامل الإيجابى للمواطنين مع الكارثة الطبيعية، وكيف تغلبوا عليها، وبدلا من عمل ريبورتاج حول تأخر القطارات عن مواعيدها يتم طرح حلولا أو بدائل، مع فتح باب النقاش بمشاركة الجمهور، أو تخصص الصحف والبرامج أبوابا ثابتة تقدم من خلالها بورتريهات لأبطال هذا الزمن من البسطاء والناس العاديين الذين أحدثوا فرقا. أى أنها دعوة للتفاؤل والإيجابية أمام طوفان الكآبة الذى لم يعد يحتمله المتلقى. وقد تبنتها أكثر من 55 جريدة حول العالم تحتفل سنويا بيوم «صحافة التأثير«، رغبة منها فى إحداث تأثير بزيادة المبيعات واجتذاب المعلنين.

***

يقلب هذا التصور المفاهيم السابقة، فهو لا يرى أن العالم مجال مفتوح للصراعات، وأن مصائب قوم عند قوم فوائد، وينفى أيضا المقولة السائدة فى الصحافة التقليدية إن « نزيف الدماء يصنع الحدث« أو (If it bleeds, it leads). واللافت أن صحف مشهودا لها بالجدية والرصانة مثل الجارديان البريطانية أو ليبراسيون الفرنسية أو نيويورك التايمز الأمريكية تسير فى الآونة الأخيرة فى هذا الاتجاه، حتى أن الجارديان دشنت منذ أكثر من عام سلسلة من الموضوعات أطلقت عليها «نصف الكوب الممتلئ: حلول وابتكارات وإجابات«، كما قامت ليبراسيون بتخصيص أعداد متميزة على مدار العام لمثل هذا النوع من الموضوعات أسمته « حلول ليبيه« فزادت مبيعاتها بنسبة 22% عن الأعداد التقليدية، أما النيويورك تايمز فقد أثبتت دراسة تحليلية شملت سبعة آلاف موضوع نشر بها أن الإقبال كان أكبر بكثير على المواد التى تنتمى لصحافةــ الحلول، وذلك من خلال حصر المشاركات على البريد الإلكترونى أو شبكات التواصل الاجتماعى.

ينبرى البعض فى تفسير هذه الظاهرة بوصفها ضمن محاولات إعادة كسب ثقة القارئ وتحفيزه بعد أن انصرف عن الصحافة التقليدية، وسأم العاملين بها والتصاقهم بدوائر السياسة والمال، فلم يعد يصدقهم. فى حين يرجع البعض أصولها لتأثير الشركات المتعددة الجنسيات التى استخدمت الإعلام كأداة لبث أخبارها وإنجازاتها، وبالتالى كان من مصلحتها الترويج لهذه النوعية من الصحافة لإبراز هذا المشروع «الإيجابي« أو ذاك. وذهبت تحليلات آخرين إلى القول بأن انتشار شبكات التواصل الاجتماعى وسرعة تداول المعلومات أحدثا تغيرا فى الذوق العام، فلم يعد الناس يفضلون أخبار الحرب والإرهاب كما كانت تظهر الاستبيانات فى العام 2007، فبعد عشر سنوات صارت الأنباء الإيجابية والطريفة هى الأكثر ذيوعا ومشاركة. صحيح أن الأخبار السلبية تدفع بالناس إلى الشعور بالعجز والقلق والخوف والتقوقع، وبالتالى إلى رغبة فى الانفصال عن الواقع، لكن أهذا هو دور الصحافة؟ أتساءل كما يتساءل العديد من المتخصصين، وأرى مثلهم أن حصر الصحفى فى موضوعات إيجابية ووضع حلول للمشكلات يجعله يخرج عن دوره الحيادى، فيصير منخرطا فى قضية أو متبنيا لوجهة نظر، ويتحول بشكل أو بآخر إلى ناشط أو مندوب علاقات عامة، حسب الأحوال. لم يعد سلطة رابعة أو مراقب يقف على المسافة نفسها من جميع الأطراف، بل صار من أنصار هذه القضية أو تلك، ويريد أن يضرب الأمثال ويعطى حلول ويحفز المواطنين ويرفع مبيعات الجريدة، من خلال إقصاء ما هو سلبى والتركيز فقط على الإيجابى.

***

يوتوبيا خادعة، صحافة تقف فى الوسط بين الجد والتسلية، لكنها مطلوبة وفقا لما يحاول البعض إثباته، وهو أمر واجب دراسته، فبالطبع مطلوب إعادة تخيل المحتوى الصحفى على ضوء التغيرات التقنية والفكرية، وبالطبع سأم الناس الاحتيال والمزايدة ومتابعة عدد الضحايا والأموات الذين يسقطون كل يوم، لكن هذا لا يعنى أن نكف عن الكتابة عن اللاجئين لأن قصصهم حزينة وليس لها حل، بل يجب أن نفتح النقاش حول مسارات الصحافة وطرق تكيفها وأشكالها الجديدة وما يفعله بها المتلقى وما تفعله به.

المصدر : الشروق المصرية

حين استعمرَنا الحجاب؟

سناء العاجي

جماعة صغيرة كنا… نتحدث عن تغيرات المغرب خلال السنوات الأخيرة…
نتذكر تفاصيلا مضت وأشياء كثيرة تغيرت: في الممارسات المجتمعية، في السياسة، في العلاقات… الأمر طبيعي في النهاية، فالمجتمعات جميعها تتغير. تسوء فيها أشياء وتتحسن أخرى… لكنها في النهاية، وبشكل طبيعي، تتحول. تتطور. لا تبقى ثابتة..

كانت أعمار معظمنا تتراوح بين الثامنة والثلاثين والخامسة والأربعين. درسنا جميعنا في المدارس الحكومية خلال نفس الفترة تقريبا، في أحياء شعبية أو متوسطة. حينها، كانت المدارس الحكومية توفر جودة لا بأس بها، مكنتنا من متابعة دراساتنا لاحقا لتحقيق حد أدنى من الاستقلال المهني والمادي. اليوم، يبدو هذا الواقع بعيدا لأن التعليم الحكومي أصبح أزمة لا ينجو من ويلاتها إلا من استطاع إلى التعليم الخاص سبيلا.

انتبهنا لتفصيل آخر مهم: في مدارسنا الحكومية تلك، ومنذ السنة الأولى الابتدائية إلى آخر سنة جامعية، لم يدرس أي منا عند أستاذة محجبة… ولم ترتد أمهاتنا الحجاب.

اللواتي كن يضعن منديلا على رؤوسهن، كن يفعلن لأسباب تتعلق بالاحتشام، بدون أي أدلجة لذلك المنديل.

في منتصف الثمانينات، كان الحجاب استثناء في بلدنا. ذكرنا أحد الحاضرين بأن لقب المرأة المحجبة حينها كان: “الإخوانية”؛ لأن معظم مكونات المجتمع كانت تربط الحجاب بتنظيم الإخوان. كان الحجاب انتماء سياسيا وليس دينيا…

لذلك، فحين يحدثنا البعض عن العادات الغريبة عن مجتمعاتنا والمستوردة من الخارج، فلنذكره بأن الحجاب هو عادة غريبة عن مجتمعاتنا استوردناها من إيديولوجيات بدوية تتدثر بالدين لتحقيق مآرب سياسية.

كنا صغارا…وكنا ننتمي لمجتمعات متدينة، لكنها تحتفي بالحياة وبالفرح وبالحب.

كبرنا… فاكتشفنا إسلاما جديدا يختزله البعض في الطقوس وليس في القيم. وأصبح الحجاب رمزا للعفة والتدين.

وأصبح منا من يحتج ضد تأثير العادات المستوردة من الخارج، وهو لا يعرف أن تقصير قميص الرجال وأن حجاب المرأة وغيرها من السلوكيات كثير، مستوردة من خارج مجتمعنا.

فهل كان آباؤنا ومدرسونا كفارا؟ هل جاء حملة الدين الجديد لكي يدخلوهم إلى الإسلام؟ أم أنه زحف سياسي إيديولوجي حول معالم المجتمع؟ لنتأملها بهدوء…

 

المصدر : مونت كارلو

نحن في الطباطب

داليا شمس

الكاتبه “داليا شمس” كتبت مقالا بعنوان “نحن في الطباطب” في جريدة ” الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-05” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .
منذ التاسع من يناير ونحن في شهر طوبة “أبو البرد والعنوبة أي الآلام”، “اللي يخلي الصبية كركوبة”،
المصدر : الشروق المصرية

جهاد الواتساب

واتس أب

هل تغضبك كثرة الرسائل على الواتساب؟

هل انزعجت يوماً من شخص يرسل لك فيديوهات بأحجام كبيرة وصوراً مستفزة بشكل منتظم؟

هل مللت من مجموعات الواتساب المثيرة للغثيان من فرط المثالية والقصص الوهمية والصور غير المعبرة والنقاشات غير المثمرة؟
أياً كانت الإجابة، فأنا تزعجني وبشدة!

أعرف صديقاً لي، يمطرني بوابل من الفيديوهات والصور الدينية عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع؛ كي يريح ضميره الدعوي ويشعر أنه قد أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة على الواتساب، بينما يحاصرني مجموعة أخرى من الأصدقاء بكتيبة من الرسائل اليومية عن تنمية الذات والنكات السخيفة والمقاطع المضحكة والمقالب المبتذلة، بالإضافة إلى أنشودة “صباح الخير”، وترنيمة “مساء الخير”، وهؤلاء يشعرون بمسؤوليتهم في الحياة في إزعاج الآخرين.

لكنّ أحداً لم يستشِرني قبل أن يزعجني صباحاً ومساء، وقبل أن يعلن الحرب على جهازي النقال “المسكين” الذي يحتاج للتنظيف المستمر من هراء الحضارة البشرية على ذلك الكوكب المنكوب.

لا تلُمني في المبالغة، فأنا أشعر -حرفياً- بأن جهازي مُحتل من قِبَل نشطاء الواتساب الذين لا يكلّون ولا يملّون من فرض سياج أمني حولك وحول جهازك المسكين، ويجعلونك لا ترغب في النظر إلى شاشة الهاتف المشبعة بالزخارف والوجوه التعبيرية المستخدمة في غير موضعها الصحيح.

تكمن الخطورة هنا في إحساس الشخص من هؤلاء النشطاء بأنه قام بواجبه في توعية الآخرين على الواتساب دون القيام بذلك على أرض الواقع، وبذلك تتحول جميع قضايانا من الشارع إلى خنادق الواتساب المهملة التي لا يتلفت إليها سوى النفر القليل من البشر بسبب ما تسببه من إزعاج على مدار الساعة، ولا يشعر هؤلاء المجاهدون بالطمأنينة الداخلية إلا بعد القيام بغارات معلوماتية على الواتساب.

والأخطر من ذلك، استخدام الواتساب لتداول الإشاعات والخزعبلات والتخاريف اللامتناهية، ويسارع الواحد من هؤلاء بنقل الأخبار الزائفة والمصائب والكوارث وهو تتملكه مشاعر الفرحة ونشوة الانتصار؛ لأنه صاحب السبق في تداول أخبار كهذه.

أعود إليك -أيها القارئ المحاصر مثلي- وأسألك وأتمنى أن تجيب نفسك بصراحة:
– كم من مجموعات الواتساب التي انضممت إليها وقمت بتحويلها إلى الوضع الصامت بسبب الإزعاج أو فراغ المحتوى؟

– كم مرة فكرت في الانسحاب من مجموعات واتسابية هلامية لا طائل من وجودك فيها، ولكن منعك الحياء الاجتماعي؟

– كم من الأصدقاء يتسلّط على الواتساب الخاص بك وبالكاد تطلع على ما به من كلام فارغ؟

– كم مرة فقدت محتوى رسالة مهمة في وسط هذا الكم الهائل من الهراء البشري؟

الإجابة هي تلك النتيجة المؤسفة التالية:
نجح هؤلاء النشطاء في تحويل أشهر وأفضل تطبيق تواصل اجتماعي إلى صداع مزمن لا يمكن التخلص منه سوى بحذف التطبيق من جذوره والعيش منعزلاً عن الناس؛ كي يستريح هؤلاء المزعجون.

والحل:
تحتم عليّ المسؤولية الأخلاقية هنا أن أشجعك أن تنصح هؤلاء بالتوقف عن هذا العبث اليومي، أو أن تنسحب على الفور من هذه المجموعات الفوضوية، أو هنالك خيار آخر وهو المفضل لديّ:
أن تعطيهم “البلوك” حتى إشعار آخر.

أرجوكم استخدموا التكنولوجيا بشكل رشيد وراقٍ؛ كي لا يضيع مجهود من اخترعوها سُدى، وتعلموا ألا تنتهكوا خصوصيات الآخرين؛ لأن حياتنا اليومية مثقلة بالأعمال والمسؤوليات المتراكمة.

وأخيراً، أقول لمجاهدي الواتساب: “ارحموا اللي خلّفونا”.

فساد الأمكنة

داليا شمس

الكاتبه “داليا شمس” كتبت مقالا بعنوان “فساد الأمكنة” في جريدة ” الشروق المصرية” بتاريخ “2018-01-29” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .

أبراج تناطح السحاب، سواء فنادق أو مراكز تجارية ضخمة، تتخللها بعض المبانى السكنية، وإلى جوارها مطاعم ومحلات صغيرة يشوبها نوع من العشوائية والبدائية المفهومة فى السياق، فتايلاند البلد السياحى منذ عقود تتنازعه الهويات أو بالأحرى طبع ثقافته لتتناسب مع تطلعات الزائرين.

على مرمى البصر، معبدبوذى تنطلق منه رائحة بخور وتباع على عتبته الورود. شيء ما مصطنع يفوح فى الجو وتمتزج رائحته بعطن الرطوبة وتخمر القمامة فى أكياس المهملات وأبخرة أطعمة الشارع بتوابلها القوية وأدخنة السيارات، وفى بعض المدن، بنسيم البحر الذى غالبا ما تتراص على شاطئه فتيات تجارة الجنس بأحجامهن وأعمارهن المختلفة. السياحة التى جعلت العاصمة بانكوك، ثانى قبلة عالمية للسائحين بعد لندن مدينة الضباب، لتتفوق بذلك على باريس، باجتذابها 32.2 مليون زائر سنة 2016، أسفرت عن عمليات ثقافية مختلفة تتراوح ما بين تفاعل واستيعاب وتذويب وتطبيع وتناقض، ما أدى إلى شعور بفقدان الروح الأصلية لتايلاند التى يضرب بها المثل ضمن البلدان التى نجحت فى استخدام مقوماتها السياحية لتنمية الاقتصاد القومى وتحقيق فائضا فى ميزان المدفوعات وزيادة احتياطى النقد الأجنبى.

***

جموع السائحين حول معبدبوذا المتكئ «الوات بو« أو فى الأسواق العائمة الشهيرة التى تتكدس فيها الزوارق والقوارب حاملة البائعين والزوار لعرض بضاعة مكررة… كلها تجليات لآثار السياحة الجماعية التى غيرت طبيعة البلد، بما يشوبها من مظاهر عولمة وأسباب سياسية وتداعيات اجتماعية، فالسياحة ازدهرت فى تايلاند مع حرب فيتنام ومجيء الجنود الأمريكان إليها، فى نهاية الخمسينات وبداية الستينات، للترفيه عن أنفسهم واللهو مع «السيدات الباحثات عن طعام« وهى الترجمة الحرفية لتسمية العاملات بتجارة الجنس فى اللغة المحلية الدارجة. وبالتالى تزايد عددهن بشكل ملحوظ خلال السبعينات والثمانينات حتى قدر بحوالى 2 مليون. خلال هذه الفترة نفسها تم اعتماد مبدأ اللامركزية فى التنمية السياحية، وتحولت فجأة العديد من الجزر النائية وقرى الصيادين الصغيرة مثل باتايا على سبيل المثال لا الحصر إلى مراكز جذب سياحية، ما استتبعه دون شك تغيرات اجتماعية سريعة مسخت الثقافة المحلية، رغم اعتزاز التايلانديين بحضارتهم.

***

خلال الستينات والسبعينات أيضا كانت بداية اهتمام الأنثروبولوجيا والاجتماع بدراسة تأثيرات السياحة على الثقافات المحلية فى المناطق المختلفة من المكسيك إلى جنوب شرق آسيا مرورا بدول المغرب العربى وسواها. لأن اختلاط التصورات والتوقعات والمفاهيم يؤدى بالضرورة على مدار الوقت إلى شيء مختلف. البعض يحسن هضمه وتوجيهه فى المسار المطلوب والبعض يصعب عليه المقاومة، فى حين لا يتداركه ولا يقف عنده آخرون، فينسج الخيال الغربى أو غيره صورا حول هذه الجزيرة البعيدة أو تلك أشبه بلوحات ماتيس وجوجان خلال رحلاتهما، أو بأفلام مثل «مملكة سيام« و«ايمانويل« و«الملك وأنا«. ثم تتلون الصورة وتتبدل وفق ما اختاره أهل البلد، إذ ينجح البعض مثل سكان جزيرة بالى الإندونيسية فى الحفاظ إلى حد ما على الثقافات المحلية المختلفة وخصوصيتها من مكان إلى آخر أو تتلخص الصورة مثلما فى تايلاند فى مشهد فيل داخل الأحراش أو رجل عجوز من بلاد الشمال يصطحب فتاة عشرينية للعشاء وخلافه أو ناطحات سحاب تلامس السماء لتذكرنا دوما أنها بنيت على أنقاض الفقر والعوز.

كل هذه الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يجب التعمق فيها ودراستها بوصفنا بلد سياحى يستطيع أن يحقق ما هو أكثر وأهم وبكثير، لكن مع مراعاة الخصوصية الثقافية وما قد يطرأ عليها، فيظل هناك توازن وفرادة، ولا تفقد الأماكن روحها.

المصدر : الشروق المصرية

الفساد وسحر التواطؤ

داليا شمس

الكاتبه “داليا شمس” كتبت مقالا بعنوان “الفساد وسحر التواطؤ” في جريدة ” الشروق المصرية” بتاريخ “2018-01-22” ويمكن قراءته عبر موقع مقالات مصرية الأن .

“لا تصدق كل ما يأتي على ألسنة المسؤولين في الصحف، فهذا كلام جرائد”، ظللت أردد العبارة نفسها على مسامع والدي، خلال الستة أشهر الأخيرة، في كل مرة يطلعني فيها على تصريحات المحافظين ورؤساء الأحياء ومسؤولي الإدارة المحلية حول التصدي للفساد. هو كالغريق يتعلق بقشة ويحاول إقناع نفسه بأن هناك من سينفذ يوما القانون بفاعلية ويقوم بمعاقبة المخالف أو جارنا صاحب العقار السابق، الذي يرغب في استثمار الجراج دون ترخيص، بما قد ينعكس سلبا على حياة السكان. وأنا أرى بوضوح كيف يجاهر بعض المخالفين بأن لهم علاقات داخل الحي وأن هناك من يبلغهم مقدما بكل ما يحدث وما يجب اتخاذه من إجراءات لتنويم الموضوع والتحايل. كان أبي يستغرب من ردة فعلي أنا التي تعمل بالصحافة منذ أكثر من عشرين عاما، أما أنا فقد كنت استغرب من سحر التواطؤ الذي يجمع الفاسدين، هذا كان أكثر ما استوقفني في هذه التجربة برمتها، كيف كان ينبري كل من نلجأ إليه ومن المفترض أن يساهم في حل المشكلة دفاعا عن المخالف، قائلا ما معناه “إنكم تريدون خراب بيته”، بدلا من التصدي لشخص لا يبالي بأرواح الناس.

***

وجدتني أضحك من كلمات وعبارات الصحف الرنانة: سيف القانون الباتر، الخطر الداهم، التصدي لفساد الأحياء صار مطلبا شعبيا ملحا، استبعاد أي موظف تحوم حوله الشبهات، التلوث البصري، تشوه المدينة، إعداد الكوادر، اللامركزية، الحوكمة،… جميعها تتصدع وتفقد معناها أمام الموظفين عتاة البيروقراطية، ففي مثل هذه المواقف تتعامل فجأة مع أساطير يومية متحركة: المهندسة س. والموظفة ص. ورئيسهما الذي يلتقي بالمواطنين كل ثلاثاء، ثم تأخذك دوامة الخطابات التي لا تصل أبدا أو التي تصاغ بشكل خاطئ فترجع لصحابها كالشتيمة، ويتجلى سحر التواطؤ وينقلب الوضع إلى كوميديا سوداء، خاصة عندما أكتشف أن الحي الذي ولدت فيه والذي صار في أقذر حالاته تم تقييمه في نهاية نوفمبر الماضي كأفضل حي بالمنطقة الشرقية من قبل محافظ القاهرة. وقتها ينطلق صوت داخلي ليأمرني بأن أحمد الله، لأن هناك ما هو أسوأ بكثير، على الأقل لم يشهد حينا بعد برجا مائلا كعمارة الأزاريطة الشهيرة بالإسكندرية التي تصدرت صورها الجرائد المحلية والعالمية كأحد عجائب الدنيا السبع، في شهر يونيو الماضي. والمفارقة أن هذا العقار المخالف، الذي لم يكن مصرحا له سوى بإنشاء طابق أرضي ودورين علويين وصدر له قرار إزالة وإخلاء منذ عام 2004، كان يقع على بعد 120 مترا فقط من مقر حي وسط الإسكندرية، لكن كل ما ركز عليه الخبراء حينها كان ضرورة الانتهاء من قانون البناء الموحد والتبشير بمشروع قانون المحليات الجديد الذي تم تقديمه إلى مجلس الشعب والذي سيقضي على فساد المنظومة بشكل نهائي، لأن القانون القديم به عوار وينتمي للقرن الفائت.

***

نبسط المسائل ونقلل من شأن سحر التواطؤ الذي يجمع من يشبهون بعضهم البعض، في مجتمع صار الفساد جزءا من ثقافته، فأفضل قوانين العالم إذا ما قام على تنفيذها ذات الأشخاص بعلاقاتهم المتشابكة والمعقدة سنظل ندور في دائرة الفساد والبيروقراطية المفرغة، والنتيجة مزيد من المخالفات والكوارث ومزيد من أصحاب المشكلات الذين يحاربون طواحين الهواء إلى أن يموت أحدهم أو يشرد وتكتب عنه الصحف. دون دراسة جادة لهذه العلاقات الاجتماعية المعقدة، جنبا إلى جنب مع وضع القوانين، ستظل تنطبق علينا مقولة الكاتب جورج أورويل الذي يصف الكثير من أمور حياتنا كأنه تخيلها اليوم وليس قبل سنوات عديدة: ” شعب يختار الفاسدين والمحتالين والكذابين والسارقين والخائنين ليس بضحية، بل هو متواطئ مع كل هؤلاء”، فسحر التواطؤ يوحي بنية الإصرار.

المصدر : الشروق المصرية