أسئلة مطروحة على الإسلام السياسى

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “أسئلة مطروحة على الإسلام السياسى” بتاريخ “2018-02-24”.

منذ عدة سنوات والمجتمعات العربية تشهد بروز ظاهرة متنامية ولافتة للنظر. إنها ظاهرة تحليل ونقد مصادر الفقه الإسلامى التاريخية الشهيرة من مثل صحيح البخارى ومسلم وكتاب الكافى، وظاهرة تحليل ونقد منهجية الإسناد ومكونات المتن التى قام عليها علم الحديث، وأخيرا ظاهرة محاولات عدة لإعادة قراءة النص القرآنى بأشكال تختلف عما سبقها من قراءات فى أزمنة عربية قديمة ومختلفة عن حاضرنا.
إن ذلك النشاط الدينى والفكرى والسجالى يجرى فى أوساط المفكرين والكتاب وعدد من علماء الدين عن طريق مئات الإصدارات من الكتب وألوف المقالات فى الصحف وفى أوساط المثقفين والإعلاميين، عن طريق المناقشات والتبادلات العالية النبرة فى وسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية وعن طريق وسائل التواصل الاجتماعى العالمية الكثيرة.
لكن ما يلفت النظر هو غياب الأصوات والمواقف الرسمية، غير الفردية الشخصية، لقوى الإسلام السياسى التاريخى المنظم بشأن ما يثار. وهو أمر يحتاج لطرح الأسئلة بشأن الكثير من التفاصيل وبشأن مواقف تلك القوى المستقبلية. فإذا كانت قوى الإسلام السياسى تطرح شعار «الإسلام هو الحل» فإن من حق الناس والمجتمعات أن يتساءلوا عن المصادر المعتمدة والمكونات المنتقاة والتجديدات المقترحة التى ستدخلها مختلف القوى الإسلامية السياسية على تفاصيل شعار «الإسلام هو الحل»، وذلك على ضوء نتائج المناقشات الجادة التى تجرى، كما ذكرنا، فى أوساط المفكرين والكتاب والمثقفين وبعض علماء الدين وجمهور وسائل التواصل الاجتماعى.
سنطرح هنا بعضا من الأسئلة الكبرى التى تحتاج لإجابات واضحة وصريحة من الذين يؤكدون أنهم سيقومون بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية إذا تسلموا الحكم فى هذه الدولة العربية أو تلك.
***
السؤال الأول يتعلق بموضوع الخلافة الإسلامية فى مقابل الدولة المدنية الحديثة. لقد تأسست الخلافة بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم على أنها سلطة دعوة ونشر للدين، وبالتالى فإن ولاء رعاياها، من المؤمنين على الأخص، يجب أن يكون فى الأساس للدين وحده.
أما اليوم فإن العالم كله يتحدث عن كيان دولة تهيمن على أرض وشعب، وتعتمد دستورا (أى عقدا اجتماعيا) قوامه المواطنة المتساوية أمام الفرص والقانون، دون أى تفريق بسبب الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق. أو الانتماء الاجتماعى. وبالتالى فإن ولاء المواطنين، المهيمن على كل ولاء فرعى آخر، هو للدولة الوطنية.
نحن هنا نتحدث عن الدولة المدنية الديموقراطية، القائمة على الحريات والمساواة والمواطنة والقوانين واستقلالية السلطات الثلاث، والتى لا تستطيع التعايش مع مفاهيم وشعارات من مثل كلمة الذميين، ودفع الجزية، والتكفير، والحاكمية، وعدم الخروج على ولى الأمر، واشتراط موافقة جهات دينية على كل قرارات المجالس النيابية، وولاية الإمام الفقيه، وحصر بعض مناصب الدولة العليا فى أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب، وحجب بعض المناصب عن المرأة المواطنة، وغيرها من مفاهيم فقهية تتعلق بنظامى التعزير ومحاربة المنكر والتى ما عادت صالحة لمجتمعات العصر الذى نعيش، أو من أحاديث مدسوسة على نبى الإسلام، أو من قراءات للنصوص القرآنية التى خضعت فى الماضى للأهواء السياسية وصراعات الحكم.
والسؤال، إذن، هو إن كانت أحزاب وتنظيمات الإسلام السياسى تتابع تلك الكتابات والمداولات، وإن كانت لها آراء ومواقف علنية واضحة بشأن ما تقبل وما ترفض، وذلك على أسس عقلانية وأخذا بالمقاصد الكبرى للدين المتفاعلة مع واقع البشر من جهة والمبنية على أسس العدالة والحق والقسط والميزان والرحمة من جهة ثانية، وكذلك بشأن انعكاس ما تقبل على دساتيرها وبرامجها وشعاراتها الانتخابية ومقدار ممارستها عند استلامها الحكم. ولنا فى تجارب دول من مثل مصر وتونس والمغرب والعراق دروس وعبر.
***
السؤال الثانى يتعلق بموضوع النظام الاقتصادى فى الإسلام الذى يحتوى على ملابسات واختلافات كثيرة. فالبعض يعتقد أن الربا المحرم فى القرآن الكريم يقتصر على علاقة بين فردين يستغل فيها الدائن ظروف المدين. بينما يرى آخرون أنه يشمل أيضا تعاملات المصارف حتى ولو أنها قائمة على أسس قانونية وتعاقدية مختلفة عما كان يجرى فى الماضى.
وهناك من يحرم أى فائدة يحصل عليها الفرد مقابل شرائه أسهما أو سندات بنكية، ويقترح عقود المضاربة. وليس هنا مجال لبحث هذا الموضوع الشائك، وخصوصا محاولة التمييز بين المضاربة والاستثمار وبين عقود الأشخاص وعقود المال وتجاذبات موضوع التأمين.
ويلاحظ أن الإسلام السياسى، وبصورة عامة، يعطى اهتماما أكبر للمواضيع المالية، من مثل الزكاة والصدقة والجزية والخراج والغنائم، بينما يعطى اهتماما أقل لما تأسس عليه النظام الاقتصادى الحديث من إنتاج واستهلاك وأسعار وعمالة وتطوير تكنولوجى ونظم إدارية… إلخ.
ولا ننسى بالطبع السجالات حول النظام الاشتراكى الإسلامى فى مقابل النظام الرأسمالى الذى يتمش مع أسس الرأسمالية. ما يهمنا، فى المحصلة، هو معرفة ما وصلت إليه الأيديولوجيات السياسية الإسلامية من قبول أو رفض لأهم موضوع فى الحياة العصرية، موضوع الاقتصاد والمال.
السؤال الثالث هو ما يتعلق بموضوع مسائل الأحوال الشخصية التى تحتاج إلى اجتهادات مستمرة تأخذ بعين الاعتبار المبادئ الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة من جهة، وتأخذ بعين الاعتبار التغيرات الكبرى فى ظروف وعلاقات الزواج وحضانة وتربية الأطفال وتعقيدات عمل الوالدين وغيرها من عشرات التغيرات من جهة أخرى.
لا يستطيع الإسلام السياسى أن يعزل نفسه فى قوقعة ويتجاهل ما يجرى فى ساحات الواقع الثقافى والسياسى والاقتصادى العربى المتشابك مع الساحات العولمية المماثلة.
آن أن يكون لديه مفكروه ومنظروه ومثقفوه الذين يتفاعلون بحيوية وعلنية وسجاليه موضوعية مع نظرائهم الآخرين، وليطوروا دساتير ومشاريع وأهداف ووسائل أحزابهم وتنظيماتهم. فمن حق المواطنين أن يعرفوا ما ينتظرهم فى المستقبل إن تسلمت الأحزاب الإسلامية الحكم. هذا موضوع يمس صميم الحياة السياسية والاجتماعية العربية فى الحاضر والمستقبل المنظور، وعدم الدخول فى لججه لن يوصل إلى بر الأمان.
dramfakhro@gmail.com

المصدر: الشروق المصرية

عن الرفقة حدثتنى

خولة مطر

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “عن الرفقة حدثتنى” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-19” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

عندما تدرك رحيل الرفاق تحن إلى تلك الرفقة الخاصة، إلى قلب بقى ينبض رغم سنوات العمر.. كانت تقول دوما تلك الحكيمة فى سنينها الأولى «إذا لم تجدى الحب فلا تهملى الرفقة» «فهى علاج لتعب الأيام وهى الكتف الذى يبقى هناك عندما يبحث المرء عن مكان يريح به بعض التعب لسويعات..

***

يحل الصباح مع زخات المطر فتقفين مترقبة لمكالمة وسؤال «كيف أنت اليوم حبيبتى» أو رفيقتى أو صديقتى.. يجرى اليوم منك، فيعود الصوت ليلح هناك فيلم رائع بتلك السينما المستكينة بعيدا عن ضجيج الأطفال وثرثرات الذين لم يتعلموا بعد أخلاقيات وطقوس مشاهدة الأفلام فى السينما.. بعض من الفشار أو الشوكولاتة قبل بدء العرض وفى عتمة الصالة الصغيرة يبحث عن يدك ليدفئها بقلبه.. كانت تقول إنها لا تبحث عن أكثر من ذلك.. عن مساءات تنقشها بالأفلام الجميلة أو حفلات الموسيقى أو عشاء حميم فى مطعم متواضع عند أطراف ذاك الحى المكتض بالمطاعم المزدحمة..

***

هى أو هن لا يبحثن فى هذه اللحظات من العمر سوى عن الرفقة الحميمة بين الأصدقاء والأحبة.. تبقى الرفقة الخاصة ضالتهن وربما ضالة الجميع بعد سنين الحب الجارف والبكاء والنحيب على البعد أو الفقدان أو الهجر.. يتحول الفراق لبعض الوقت مساحة للمراجعة والتحرك بحرية. ففى سنين العمر هذه، بعضهم يحب أن يسميها الربع ساعة الأخير، ولكنها تفضل أن تطلق عليها موسم الرحيل إلى النفس والفضاء المتسع دون أعين المتلصصين أو غيرهم..

***

يرحل المساء والهاتف جامد ألا من رسائل يكتظ بها ويضج منها حتى الهاتف الذكى لكثرة السطحى والتافه منها وقلة المفيد ولكن من قال إن الواتس أب أو الفايبر أو حتى الانستجرام خلقوا لنشر الوعى والمعرفة؟؟ أم أدوات للتسلية القاتلة فى زمن الوحدة… ألم تقم بريطانيا بخلق منصب وزير للوحدة؟؟ شىء جميل ماذا تستطيع الوزيرة المسكينة أن تفعل بعد أن عملت التطورات الحديثة والتكنولوجيا على زيادة الفرقة والفردية المطلقة وبناء الجدران والحواجز بدلا من هدمها… وداعا لنظرياتكم العامرة قبل سنين عندما أطلقتم هذه الهواتف الذكية ووسائل التواصل وأوهمت البشر بأنها كفيلة بتقريب البعيد وردم الهوة بين الأفراد والشعوب!!!

***

تقلب رسائلها لا تفتح معظمها فقد تعبت من قراءة النكت السمجة والرقص الماجن والبوتكس للإبل فى سباق الجمال للجمال!!! ولا تزال عيناها تبتعد عن صفحات تلك الرواية الشيقة بين اللحظة والأخرى بحثا عن رسالة منه.. يطول انتظارها حتما فقد لا تأتى الدعوة لعشاء متواضع أو شرب القهوة فى ذاك المقهى عند ناصية الحى المتخم بالمطاعم والمقاهى والبارات.. تعرف أن هناك فيلما تتوقع لمشاهدته وتردد لماذا الانتظار باستطاعتى أن أذهب وحيدة إلى السينما وهذا ممكن حتما وتبقى الغصة فى إيجاد من يشاركها تلك المشاهدة وينتهون بنقاش ممتع لمشاهد فى الفيلم أو حتى لحبكته أو تصويره أو أبطاله وبطلاته…

***

تسألها صديقتها الحميمة «ألم يتصل» وتعرف الإجابة دون أن تنطق بكلمة، فتطمأنها بأن الانشغالات تحول دون مثل هذا التواصل أو ربما الخوف.. فمع تقدم العمر يصبح التعلق صعبا وسريعا والمشاعر رقيقة جدا بل شديدة الشفافية والقلب لا يتحمل أى انكسار آخر..

***

تحاول صديقتها التى انتقلت مؤخرا لتلك العاصمة الأوروبية العريقة، أن تبعث لكليهما الأمل بأن هناك مساحة ما لرفقة قادمة ولا يزال الوقت «مبكرا» على إغلاق شبابيك القلوب والعواطف وإيصاد الأبواب والاكتفاء بالاستكانة لما يمليه المجتمع الذى هو لطالما أنكر الحب إلا عندما قننه أو مأسسه!! رغم أن كلما وضع الحب فى قوالب جامدة كلما فقد كثيرا من بريقه وانطفأت اللهفة فيه..

***

تعيد النظر إلى هاتفها وما تلبث وأن تعود لبطلة روايتها وتغفى على أصوات التحام حبات المطر بالأرض أو بالبلور الفاصل بينها وبين الاغتسال برحيق الغيم..
كاتبة بحرينية

المصدر : الشروق المصرية

هذا النظام الاقتصادى الاجتماعى الجائر

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “هذا النظام الاقتصادى الاجتماعى الجائر” بتاريخ “2018-02-17”.

لنمعن النظر فى مقولات وممارسات النظام الاقتصادى الرأسمالى العولمى، الذى تقوده وتهيمن عليه الأيديولوجية النيوليبرالية المتوحشة، لنعرف ملامح المستقبل الذى تتجه نحوه البشرية، وبالتالى يتجه نحوه الوطن العربى التابع المغلوب على أمره.
أولا: إن الكينونة الفردية، برغباتها وطموحاتها وحريتها المطلقة فى الاختيار واستقلاليتها عن نفوذ ومطالب وقواعد المؤسسات المجتمعية، هى التى تشكل المجتمع. فى قلب تلك الفردية ضرورة التنافس الأنانى فى الأسواق والنجاح فى تلك المنافسة، وإلا فان ذلك الفرد يعتبر إنسانا فاشلا ويستحق ما يقود إليه ذلك الفشل من فقر وقيمة اجتماعية متدنية وعدم الفاعلية فى حياة المجتمع.
من هنا فإن الظروف والمشكلات الاجتماعية ليس سببها المجتمع، وإنما سببها أخطاء الأفراد أو كسلهم أو عدم قدرتهم على المنافسة فى بحر الأسواق الهائج.
وبالطبع فإن حصيلة ذلك الجهد الفردى هو تصاعد فى الملكية الفردية، دون سقف أو حدود، والتى يجب أن تكون مصونة بكل أنواع القوانين والأنظمة وحماية الدولة.
وباختصار، يكفى أن يحصل الفرد على الحرية، وأن يستعمل العقل فى تصرفاته، حتى يحقق الملكية الفردية المطلوبة. أما تأثيرات وتعقيدات المجتمعات فهى أمور يجب أن تبقى هامشية فى هذا الفكر النيوليبرالى الغريب.
ثانيا: السوق الحرة التنافسية هى قيمة عليا يجب ألا تمس ولا تفرض الدولة عليها قيود، حتى ولو أدت حريتها التنافسية إلى دمار اجتماعى أو أذى بشرى. ففى النهاية ستنتج تلك السوق ثروة تنزل قطرة قطرة من جيوب الأغنياء إلى جيوب الفقراء لتحل مشكلاتهم الحياتية.
ومن أجل ألا يمس ذلك السوق الحرة المقدس ويفقد حيويتها فى خلق الثروة المتعاظمة، حتى ولو كانت فى يد أعداد صغيرة من البشر، فإن النيوليبرالية تضع قيودا صارمة على حرية الدولة فى حكمها للمجتمع. فأنشطة ومشاريع الدولة الاقتصادية يجب استبدالها بالسوق الحرة، وذلك من خلال برنامج الخصخصة لكل ما تقوم به الدولة من مشاريع تنموية صناعية وخدمية، ومن معونات اجتماعية للضعفاء والمهمشين، وذلك من منطلق أن القطاع الخاص هو أكفأ بكثير من القطاع العام فى إدارة أى شىء.
وإذا كان لابد من تدخل الدولة فيجب أن يكون فى الحدود الدنيا وينصب أساسا على تصحيح ما يمكن أن يؤثر على حيويته ونشاط الأسواق مثل السيطرة على الأجور، وتقليل كل أنواع الدعم الحكومى، وتخفيض الضرائب على الأغنياء والشركات.
الاقتصاد يجب تحريره من كل القيود، والملكية الفردية يجب أن تصان، حتى ولو وصل الحال إلى ما وصفته مؤسسة أوكسفام الخيرية أن ثروة (وليس دخل) ثمانية أشخاص فى هذا العالم تساوى ما يملكه نصف سكان العالم الفقراء من ثروة.
***
ومن هنا فليس بمستغرب أن تتفاخر بعض المؤسسات العولمية، مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، بنجاحاتهم المبهرة فى تقليل أعداد الفقر المدقع فى هذا العالم عندما تنجح فى زيادة دخل ملايين الفقراء من واحد ونصف الدولار فى اليوم إلى واحد وتسعة أعشار الدولار فى اليوم.
إنه تفاخر بوصول دخل أفراد أولئك الملايين من الفقراء المعدمين إلى نحو سبعمائة دولار فى العام.فهل حقا أن النيوليبرالية ستقضى على الفقر فى هذا العالم، إذا كانت تحمل ذلك المنظور المتواضع فى مسألة التوزيع العادل للثروة فى مجتمعات العالم؟
والغريب العجيب أن بعضا من مسئولى تلك المؤسستين يطالبون مؤسسات القطاع الخاص والشركات العالمية على الأخص بالمساهمة فى استثمار أموالهم فى دول العالم الثالث، وذلك من أجل حل مشاكل الفقر فى تلك الدول. لكن مرض العقلية النيوليبرالية يفصح عن نفسه فى الحال عندما يؤكدون لذلك القطاع الخاص بأن ما سيستثمرونه من أموال لن يكون قط فى خطر. فإذا ربحوا فى المشاريع التى سيقومون بتنفيذها فإن الأرباح ستذهب لهم، أما إذا خسروا فإن على دولة ذلك البلد الفقير أن تعوضهم عن خسارتهم باستعمال المال العام، الذى جمع بواسطة الضرائب. وبالطبع فإذا استعمل المال العام لإخراج القطاع الخاص الخارجى من أزماته فإن ذلك سيعنى مزيدا من تخفيض الخدمات العامة الاجتماعية للفقراء فى ذلك البلد.
إنها اللعبة القديمة إياها. الأغنياء يزدادون غنى فى أيام اليسر وأيام العسر. أما الفقراء فيحصلون على القليل فى أيام اليسر ويدفعون الثمن من قوتهم فى أيام العسر.
***
باختصار، هل يحق لهكذا نظام جائر مجنون بأن يسمح له بأن يمسك رقبة هذا العالم ويتمكن من كل عوامل الإنسانية فيه، وذلك باسم الفردية المجنونة، وباسم حرية الأسواق التنافسية، وباسم تقييد يد الدولة فى تحمل مسئولياتها الاجتماعية والإنسانية؟
الجواب واضح: آن الأوان لإنهاء هذا النظام الجائر أو تعديله بصورة جذرية. هذا المستوى من التوحش الرأسمالى والفكر السياسى الأنانى ما عاد مقبولا.
لقد تربع هذا النظام على عرش هذا العالم الاقتصادى والاجتماعى بصورة مجنونة عبر العقود الأربعة الماضية وأثبت أنه سيقود هذا العالم إلى الأزمات التى لن تتوقف. إن نظاما يفاخر بأن يكون أحد إنجازاته وصول بليون من البشر إلى دخل سنوى لا يزيد على سبعمائة دولار، فى حين يملك ثمانية أشخاص ثروة تساوى ثروة نصف سكان هذا العالم من الفقراء والمهمشين، لا يحق له أن يبقى.
إن كتب وتخريفات منظرى هذا النظام من أمثال مدرسة شيكاغو والعراب ملتون فريدمان يجب أن توضع فى زبالة التاريخ.
dramfakhro@gmail.com

المصدر: الشروق المصرية

هنا المقاهى فأين الرفاق؟

خولة مطر

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “هنا المقاهى فأين الرفاق؟” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-12” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

تمر بالمقاهى كثيرا، ربما باحثا عن أولئك الذين قال عنهم محمود درويش أن تعيد المقاهى ولكن هل تستطيع أن تعيد الرفاق.. كانوا يقولون إن فى كل مدينة مقبرة ولم يقولوا إن فى كل مدينة مقهى أيضا، وهو الذى كان الفضاء الذى يجتمع فيه الشعراء والأدباء والسياسيون والناشطون وكل المعنيين بالشأن العام والنائمون فى بحور من القلق على مستقبل وطن كان أو أمة فتتتها النزاعات والمصالح الضيقة والخيانات المتكررة ليس للوطن فحسب بل حتى للتاريخ والدين وكل المنطق …

***

كلما حللت بمدينة عدت لتبحث عن ذاك المقهى وكأنك تنبش فى كراسة الذكريات ربما محاولا أن تبقى ذاكرتك حية وأنت تعلم كم من الأصحاب والرفاق قد سقطوا ضحية الـ«ألزهايمر» وأمراض فقدان الذاكرة أو ربما بحثا عن مساحة من الجمال كانت وبعض الأمل فى سماوات الظلمات الحاضرة والقادمة…

***

بتلك المدينة العريقة وأنت فى ساعات الجرى الصباحية بين اجتماع وآخر، تتوقف عند ذاك المقهى وتبحث عن الوجوه المتعبة من عبق الأيام أو زحمتها.. لا يحزنك أن وجوها جديدة قد احتلت تلك الكراسى المرتصة ولا أن «الشيشة» غزت هذه المقاهى العريقة أكثر وأكثر ولا أن البعض قد رحل سريعا فترك خلفه كرسى مع بعض قصاصات كتب وكثير من الأحاديث والنكت.. ما يحزنك حقا أن بعض أو كثير من تلك المقاهى قد تحول إلى عدم أو مسخ مقهى أو حتى هدم لمحو آخر ما تبقى من الذاكرة وفى مدن أخرى طاردت البنوك والشركات المقاهى العريقة فاستولت عليها وحولتها إلى مجرد مقر جديد أو مساحة لتداول الأوراق النقدية أليست هى الأهم الآن من أى جهد ثقافى أو حضارى فى أى بلد عربى؟؟؟؟؟

***

شوهت المقاهى أو سقطت فى بحر ثقافة الاستهلاك المادية البحتة.. يقول ذاك الصحفى المحبط «كلما أغلق مقهى فتح مطعم للوجبات السريعة وهو الأكثر ربحية لأصحابه كلهم يبحثون عن الربح السريع.. بل ربما كلنا..» يسكت قليلا ويأخذ رشفة من كوب شايه منزوع السكر ذى المذاق الغريب ويحمل بعض كتبه ويرحل بعيدا ربما فى بحر اكتئابه أو ربما حتى يبقى بعض الصور الجميلة نابضة فى الذاكرة المتهالكة..

***

بين هذا وذاك يبقى الأصدقاء أو ما تبقى منهم يحملون أوراقهم ويرتحلون بين مقهى ومقهى آخر فلم تعد المقاهى تحب الجالسين طويلا بل تحب «الزبائن» الخفيفى الظل الذين يصرفون أكثر ويجلسون أقل.. ثقافة جديدة على ثقافة المقاهى الكلاسيكية التى هى فى مجملها الجلوس مطولا وتأمل المارة والبحث عن قادمين جدد للبدء فى حوار يتنوع بين السياسة والثقافة والفن وكثير من الموسيقى والجمال الإنسانى النادر..

***

فى الأيام الصعبة يبحث الصديق عن آخر حقيقى، هو ذاك الذى قيل دوما إنه مرآة الآخر الذى يعكس صديقه دون كذب أو نفاق وهو القادر على فهم ما يدور بذهن صديقه أو بقلبه وهو الذى يجمع ما تبقى من الأصدقاء لمساعدة ذاك الرفيق الذى يمر بظرف طارئ صعب وهو الباقى الذى يرافق صديقه كالظل حتى ولو كان من بعيد فالظل لا يترك صاحبه وقت الشدة والظل لا ينكر صديقه لأى سبب كان..

***

سيقولون لك إن الصداقات قد شحت كثيرا وأن الرفاق لن يعودوا، ولن يعود من يعوضهم، ويرشدوك إلى دليل المسكين فى زمن السكين !!! ويكثرون من العبارات حول سذاجة تلك المرحلة وذاك الجيل وأن المصالح هى التى تحكم العلاقات بل سيسعون لإقناعك بأنه حتى فى ذاك الزمن الجميل لمقاهى الرفقة الطيبة كانت المصلحة هى من تجمع الرفاق.. صعب أن يصدق أو أن يقبل المرء أن فى زمن التمزق رحلت الصداقات ولم يبق لك سوى القبيلة والطائفة لرفقة الزمن المتبقى.. صعب أن تصدق أن الاختلاف فى الرأى السائد قد عمق الشرخ ورحل كل إلى سربه يغرد مع باقى الغربان وليس الطيور بغنائها الشجى.. صعب أن تصدق أنه عندما وقعت لم تجد اليد التى تمتد نحوك ترفعك من الأرض فتعود لوقفتك الشامخة.. صعب أن تتصدع العلاقات إلى درجة تصبح هى والمقاهى مواد لحنين دائم.. صعب وصعب أن تبكى غزيرا فى مساءات عربية شديدة الظلمة فلا صدى إلا لنحيبك وأنغام موسيقى ذاك الزمن الجميل عندما كان الصديق يدرك تعبك من نبرة صوتك عبر الهاتف فيرحل مسافات ليكون هنا معك…

***

رحلت المقاهى ورحل الرفاق فلم يبقى لك إلا أن تقبض على صور الذاكرة الجميلة حتى لا تفقد الأمل بأن زمنا آخر أجمل قادم كما قال ناظم حكمت وكررها مرارا حتى صدقته أو حاولت…

المصدر : الشروق المصرية

الاستزلام السياسى فى أرض العرب

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “الاستزلام السياسى فى أرض العرب” بتاريخ “2018-02-10”.

هناك فرق شاسع بين العبودية والاستزلام. فالعبودية بالنسبة للفرد أو الجماعة هى فرض إرادة الآخرين عليهم دون رضا منهم. وفى العموم فإن الفرد العبد مثلا لا يقبل عبوديته، وهو عادة يقاومها إلى حين استرداده لحريته وكرامته الإنسانية.
أما الاستزلام فهو عبودية زائد رضا طوعى تام لتلك العبودية لأسباب انتهازية نفعية. إن الاستزلام يمارس عادة بلا خجل وبلا قيم تحكمه، بل إن ممارسه يعتقد أن ذلك شطارة وحنكة وفهم ذكى واقعى للحياة.
الأمر نفسه ينطبق كليا على الدول، والذى نراه الآن منتشرا بصورة لافتة فى طول وعرض بلاد العرب. فالاستزلام الكلى أو الجزئى من قبل هذه الدولة العربية أو تلك لهذه الدولة الأجنبية أو تلك قد أصبح ظاهرة محيرة تنبئ بكارثة قومية فى المستقبل المنظور.
إن مثل الممارسات الآتية، وهى منتقاة من بين العشرات المماثلة، لا يمكن فهمها إلا من منطق الاستزلام، إذ إن تلك الممارسات لا دخل لها بالمصالح الوطنية العليا، ولا بالالتزامات القومية العروبية، ولا حتى بمنطق السياسة الحصيفة.
مثلا، كيف يرتبط العرض الأمريكى، المسَمى «صفقة القرن»، والذى يراد من خلاله تكريس الهيمنة الصهيونية التامة على أرض وشعب فلسطين، وفتح أبواب الوطن العربى كله للاقتصاد والتعاون العسكرى والاندماج السياسى التدريجى للعدو الوجودى الصهيونى، ليصبح جزءا مقبولا فى المنظومة الإقليمية العربية. كيف يرتبط بدولة عربية لم تخوَل من قبل بقية الدول العربية للتحدث باسمهم، ولم تخول من قبل الفلسطينيين، أصحاب الشأن وأصحاب المصلحة وضحايا العنصرية الصهيونية، لمناقشة العرض الأمريكى الاستعمارى باسم سلطاتهم الرسمية أو باسم الملايين المهجرين اللاجئين؟ هل هناك تفسير غير القبول بالاستزلام البائس لأمريكا وللكيان الوظيفى الصهيونى من قبل جهات تنصب نفسها وصية على أمة العرب؟
فإذا كانت الصفقة هى فى كل تفاصيلها المعروفة ضد المصالح العربية فى فلسطين وفى خارجها، وكما أكدته القيادة الفلسطينية، فإن المنطق يقول بأن المروج والمسوق للصفقة لا يمكن إلا أن يخدم مصالحه غير المعلنة، وذلك على حساب أمته العربية والشعب الفلسطينى.
***
مثال ثان، هل يحق لأى دولة عربية، دون تخويل من قبل الغالبية الساحقة من الدول العربية، الجلوس مع أمريكا، التى لم تراع الحق والأخلاق والتوازن فى المصالح فى كل تعاملاتها مع العرب طيلة السبعين سنة الماضية، ومع دول أوروبية، التى لها تاريخ استعمارى أسود مع عدة شعوب عربية ولها يد فاجرة فى تقسيم الوطن العربى عبر فضيحة وجريمة سايكس – بيكو الشهيرة… هل يحق لها أن تجلس مع مسئولين من تلك الدول لترسم خريطة المستقبل السياسى لشعب عربى آخر؟ لو كان الأمر يتعلق بالحرص على مصلحة ذلك الشعب العربى المنكوب فلماذا إذن لم تجر تلك المبادرة الغريبة المشبوهة بوجود ممثلين شرعيين لذلك الشعب، أو من خلال الجامعة العربية؟لكن الأمر ليس كذلك. وهو ــ مرة أخرى ــ لا يمكن فهمه إلا كاستزلام ذليل إما من أجل مصالح أنانية قطرية ضيقة أو من أجل رضا تلك الدول عن هذا النظام أو ذاك.مثال ثالث، إذا كان العرب قد ارتكبوا حماقة القرن عندما باركوا ودعموا ومولوا حلف الناتو الاستعمارى، سواء بقصد أو بغير قصد، لتقوم قواته بدك مدن ومنشآت بلد عربى وبقتل شعبه الأعزل وبتمزيقه إلى قطع متصارعة متناثرة، فهل يحق لأية دولة عربية بعد أن انكشفت النوايا والمؤامرات، أن تقحم نفسها فى دعم هذا الفريق أو ذاك، بدلا من انتظار أو دعم مبادرة إقليمية قومية أو على الأقل قرار من هيئة الأمم المتحدة من أجل وحدة أرض وشعب ذلك البلد العربى المنكوب، وإخراجه من المحنة التى أدخله فيها الطامعون من جهة وقصيروا النظر من جهة ثانية؟
ألا تتم كل التدخلات المريبة، التى تمارسها بعض الدول العربية، بدون تخويل من أحد وبدون مظلة إقليمية قومية عروبية، بغير تنسيق وتناغم مع أعداء هذه الأمة الخارجيين أو الداخليين؟ وهذا التنسيق، ألا يعتبر كنوع من الاستزلام الوظيفى لخدمة هذه الجهة أو تلك؟
يسأل الإنسان نفسه كل يوم:ألا يكفى الأمة العربية أن تعانى مصائب التجزئة، والفساد، والاستبداد، وابتلاع المجتمعات المدنية فى جوف الدول، وضمور التنمية الاقتصادية والإنسانية، وتدخل كل من هب ودب فى شئونها الحياتية، وضعفها المعيب أمام الجرائم الصهيونية، حتى تضاف إلى فواجعها ومآسيها ظاهرة الاستزلام الوظيفى من قبل هذه الدولة أو تلك لهذه الدولة الاستعمارية أو تلك؟ وهى ظاهرة تزداد كل يوم انتشارا وتفنُنا فى التكوين والأساليب ووضع ألف قناع وقناع لإخفاء مباذلها ومطابخ عرابيها.
***
ما يجب أن يعيه المواطنون العرب، المنهكون المغيبون التائهون فى طرقات الأمور الطائفية والقبلية الصغيرة العبثية، إن الاستزلام هو مثل رذائل السرقة أو الكذب أو النفاق، تبدأ صغيرة، وتُبرر بألف سبب مخادع للنفس والضمير، لكنها مع الوقت تصبح عادة وسلوكا مقبولا عند من يمارسها، ثم تصبح أمرا عاما عاديا فيه وجهة نظر، بل يدل على الذكاء والفطنة.
يخطئ من يعتقد أن ممارسة الاستزلام الوظيفى ستكون مؤقتة فى أرض العرب، إذ أصبحت موضة علاجية سهلة ورخيصة للوقوف فى وجه هذا المد الإقليمى الإيديولوجى أو ذاك، أو لحسم الصراع مع هذه الدولة الإقليمية أو تلك.
ما عادت هناك حاجة للنظر فى النواقص الذاتية العربية وإصلاحها عند هؤلاء. الأسهل أصبح تدنيس كرامة الأمة والقضاء على ما تبقى لها من استقلالية وحرية، حتى أصبحنا فى هلع من أن ننتقل قريبا إلى ممارسة رذيلة الدعارة السياسية فى وجه هذا المد الإقليمى أو ذاك الذى يهدد المصالح العربية العليا أو المصالح القطرية الضيقة فى هذا الموقع أوذاك، ذلك أن تدنيس كرامة الأمة واستقلاليتها هو ممارسة للدعارة السياسية.لن يستطيع المتحذلقون والانتهازيون إقناعنا بأن ما يجرى اليوم فى أرض العرب هو ممارسة للواقعية وللتوصيات الماكيافيلية الشهيرة للتعامل مع السياسة. لو قام ماكيافيلى من قبره فإنه سيحار فى تصنيف ما تمارسه بعض الجهات العربية، فهو لم يدع قط لممارسة الاستزلام السياسى ولا الدعارة السياسية.
dramfakhro@gmail.com

المصدر: الشروق المصرية

رهبة الكرسى أم غوايته؟؟

خولة مطر

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “رهبة الكرسى أم غوايته؟؟” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2018-02-05” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

عيش يا ابن آدم بكر.. زى الشجر

المصدر : الشروق المصرية

حملات تدنيس التاريخ العربي

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “حملات تدنيس التاريخ العربي” بتاريخ “2018-02-03”.

مثلما حدث لحقل الفقه الإسلامى الذى أقحم كل من هب ودب نفسه فى التحدث باسمه من خلال نشر ادعاءات دينية خاطئة، وبلادات تخالف العقل والمنطق والقيم

المصدر: الشروق المصرية

تلك اللحظة

خولة مطر

الكاتبة البحرينية “خولة مطر” كتبت مقالا بعنوان “تلك اللحظة” في جريدة “الشروق المصرية” بتاريخ “2018-01-29” ويمكن قراءه عبر موقع مقالات مصرية.

قال لى وأنا أحزم حقائبى مغادرة بيروت إلى القاهرة: سنحزن لبعدك ولكنك ستحضرين الثورة فهنيئا لك.. ولأنه أستاذى كما هو أستاذ للعديد من الصحفيين والصحفيات العرب فقد خجلت أن أسأله عن أى ثورة يتحدث وبهيئة مجهدة من عناء سنين من النهب والتعب والفقر والظلم..

***

دخلت مدينتى القاهرة كما كل مرة بكثير من الفرح على الرغم من قساوة المشهد وعشت كعادتى فيها وبها منذ سنى الطفولة كثير من دفئها النادر.. تبقى القاهرة وكل مصر فينا نحن ذاك الجيل الذى ربما يكون قد شهد بعض لحظات من الكرامة أو الفرح الحقيقى..
***
لم يمض سوى أقل من عام وكان ذاك المشهد المؤثر عند كوبرى قصر النيل، وكنت فى تونس مع فريق من الأمم المتحدة للوقوف على الثورة هناك والانتهاكات التى تمت بحق أبنائها وبناتها.. كانت تونس تعيش نشوة الانتصار الأولى والجميع فى حالة من الاحتفال بنصر لم يتوقع أن يتم وبهذه السرعة.. جاءت المكالمة فى الثامن والعشرين وطلب منى العودة على وجه السرعة إلى القاهرة للوقوف على ما يجرى هناك ومتابعة تفاصيل الميادين! كانت الرحلة شيئا من المغامرات التى اعتدتها وقت تغطيتى لبعض الحروب هنا وهناك ولكن بنكهة أخرى..

***

فقد تم إعلان حظر التجول بعد الساعة الرابعة وكانت طائرتى تصل عند الرابعة تماما.. حطت الطائرة فى مطار تسوده حالة من الفوضى فأفواج سياحية حائرة إلى أين ستنقل وركاب لا يعرفون كيف يصلون إلى بيوتهم.. كانت النصيحة من موظفى المطار ثم الزملاء فى الأمم المتحدة أن أذهب لأحد الفنادق القريبة من المطار حتى صباح اليوم الثانى..

***

شىء من تلك الصحفية الشقية حضر لحظتها فحملت حقيبتى.. درت فى مواقف السيارات حتى عثرت على سيارة بها شابان كان يبدو عليهم «السطلنة» الكاملة وعلى الرغم من ذلك فقد حزمت أمرى أن أكون فى بيتى فى ذلك المساء وهكذا كان تفاوضت مع الشابين وانتقلنا فى مغامرة بين أزقة وحوارى شىء شبيه بأفلام هوليوود.. مرت لحظات كانت تبدو طويلة فى شوارع خالية من أى مصدر للحياة لا عربات متراصة ولا أصوات «الزمامير» ولا الباعة عند الأرصفة ولا.. ولا حتى الحيوانات فرت.. مررنا بالكثير من المناطق بأحياء لم يلتزم سكانها بحظر التجول ربما سمعوا به ولكنهم قرروا المضى فى حياتهم كما هى، وهذا ما أضاف بعض الاطمئنان خاصة أنه قد تأكد لى ونحن نمضى فى طريق لا نعرفه بأن السائق وصديقة قد تعاطيا شيئا من المخدرات قبل أن يفكروا فى توصيلتى هذه التى قد تساهم فى أن يكملوا «جلسة السطلنة»!!!
الحوارى الضيقة كانت مكتظة كالعادة بجلاس القهاوى على الأرصفة والشيش وأكواب الشاى المسكر وبائعى الفول والطعمية… كل المشاهد هنا لا توحى بأن البلد يمر بأكثر مراحل تاريخه الحديث خطورة..

***

عند وصولى للعجوزة اتضحت الصورة أكثر ومبنى الحزب الوطنى يحترق أمام أعين المارة… مع مرور الأيام بعدها وحتى تنحى الرئيس حسنى مبارك كان ميدان التحرير مصدر السعادة اللامتناهية لثورة بدت وكأنها شىء من «اليوتوبيا»… المشاهد فى الميدان لا تزال راسخة فى الذاكرة كما دونها وسيدونها كثيرون كانوا هناك وآخرون راقبوها من بعيد مع شديد التعاطف بالتأكيد… كسر الميدان كل الحواجز وكل القناعات المترسخة عبر السنين ليس فقط لدى المصريين وإنما لدى كل العرب بل ربما العالم بأجمعه… تلك الصورة ستبقى ولن ترحل أبدا

***

وكنا أنا وبعض الصديقات والأصدقاء نلتقى عند نفس الكوبرى أى قصر النيل وندخل الميدان آمنين، سعداء بل منتشين بتلك اللحظة !!! نبقى لساعات طويلة نتجول بين حلقات النقاش ونهتف بين… وبين… ونساهم فى فهم المطلوب لتقديم الدعم والمساعدة لمن جعلوا من الميدان منزلهم وكعبتهم..

***

وفى ذاك المساء ونحن نهم بالخروج من الميدان ربما متعبين بعض الشىء ونحن نردد متى سيرحل وإذا بعربة صغيرة تتقدم من مدخل الميدان عند مبنى الجامعة العربية قبل الحاجز الأول لحراس الميدان الذين التزموا بأن تكون الثورة سلمية فوقفوا ليمنعوا أيا من المتسللين لتشويه ذاك المشهد الرائع.. كانت تلك السيدة المنتقبة والممتلئة ونصف جسدها خارج من شباك السيارة التى بدت وكأنها محشورة بها لصغر العربة أو ربما لكبر حجم السيدة.. راحت تصرخ بأعلى صوتها «رحل» رحل.. رحل.. وبفرح وقفنا لم نعرف ماذا نفعل جلست أنا وصديقتى حضنا بعض طويلا وبكينا بكاء دافئا.. فجأة وكأن الشوارع لم تعد تتسع لسكانها الجدد رفعت الأعلام وعلا صوت الزغاريد..
أمسكت بهاتفى واتصلت به هو أستاذى جاءنى صوته الدافئ قلت معك حق لقد شهدت الثورة.. هى تلك اللحظة.
كاتبه بحرينية

المصدر : الشروق المصرية

أمام شباب وشابات العرب الكثير ليتعلموه

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “أمام شباب وشابات العرب الكثير ليتعلموه” بتاريخ “2018-01-27”.

يخطئ من يعتقد أن مجتمعات الوطن العربى ستقبل صاغرة أو متعبة بالأوضاع الحالية المزرية التى وصلت إليها، بعد أحداث وفواجع الحراكات الجماهيرية العربية الكبيرة التى اجتاحت الأرض العربية عبر السنوات الثمانى الماضية. هذا قول يتناقض مع تاريخ المسيرة الإنسانية ومع المنطق ومع رياح التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والتواصلية الكبرى التى تهب على العالم كله.وبالطبع فإن فترات لعق الجراح وتضميدها تتصف عادة بالهدوء الخادع، لكن ما يحمله المستقبل لا يمكن إلا أن يحمل فى أحشائه ما يصحح الحاضر. ولذلك فإن مظاهرات الجياع والعاطلين عن العمل والمهمشين التى جابت شوارع العديد من عواصم العرب وأريافها ما هى إلا النسائم التى تشير إلى عواصف الأفق البعيد.ولأن شباب وشابات الأمة العربية هم الذين سيصنعون ذلك المستقبل فإن الحاجة ماسة لأن يُذكروا بأهمية دراسة ووعى مسيرات بعض الأنساق السياسية والفكرية التى صنعت عالم اليوم. فى مقدمة هذه الأنساق النسق الذى صنعته الأيديولوجية الليبرالية عبر مسيرتها خلال القرنين الماضيين. لقد ولدت تلك الأيديولوجية من رحم الحداثة، التى بدورها ولدت من رحم الثورتين الفرنسية والأمريكية اللتين رفعتا شعارات تغييرات راديكالية اجتماعية وسياسية.لكن الليبراليين أصابهم الذعر من إمكانية حدوث فوضى وصراعات دموية. ولذلك قرروا أن تكون أيديولوجيتهم وسطية، بين الراديكالية اليسارية واليمينية المحافظة. فى قلب تلك الوسطية كان شعار الإصلاح التدريجى وعدم اختصار الوقت. وقدم الليبراليون صفقة متوازنة تقوم على تقليص امتيازات الطبقة المحافظة القديمة، ولكن دون اجتثاثها، وعلى تحسين أوضاع الطبقات العاملة والفقيرة من خلال السماح بوجود تنظيماتها المدافعة عن حقوقها من جهة، ومن خلال القبول بدولة الرعاية الاجتماعية فى حقول التعليم والصحة والإسكان والبطالة ومن جهة ثانية.***وعلى الرغم من قيام الثورات الاشتراكية هنا أو هناك، وعلى الرغم من محاولة الانتقال إلى النظام الشيوعى فى الاتحاد السوفييتى السابق، فإن النسق الليبرالى فى الحكم والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ظل هو السائد والثابت عبر قرنين كاملين.. من هنا ساد المجتمعات الغربية الهدوء والسلم الأهلى بصورة عامة.لكن الليبرالية انقلبت على نفسها عندما انتقلت من أصولها الكلاسيكية إلى صورتها الجديدة: الليبرالية الجديدة العولمية البالغة التوحش والاستقطاب، بل وحتى المعادية لبعض جوانب الديموقراطية.لقد تم كل ذلك خلال الثلاثين سنة الماضية، بعد أن ادعى الليبراليون من أمثال السيدة المتوفاة، مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، وأمثال المتوفى رونالد ريجان، الرئيس الأمريكى السابق، بأن العمال والفقراء قد بالغوا فى مطالبهم وأنهم بنقاباتهم القوية المنظمة يعرقلون الاقتصاد الرأسمالى الإنتاجى.اليوم يجرى الحديث عن نهاية الليبرالية، بعد أن فشلت فى تحقيق وعودها من خلال الإصلاحات البطيئة وقيام دولة الرفاهية الاجتماعية. فالإصلاحات تتراجع ودولة الرعاية الاجتماعية بجرى بناء حيادها الكاذب من خلال تخليها عن مسئولياتها الاجتماعية ومن خلال هيمنة متطلبات حرية الأسواق التجارية على كل تصرفاتها.أى أن الليبرالية أصبحت، بقصد أو بدون قصد، تعادى الديموقراطية الشاملة العادلة، التى تشمل السياسة والاقتصاد، والتى تصرُّ على التوزيع العادل للثروة ولا تكتفى بوجود انتخابات وبرلمانات فقط.***ما الهدف من سرد تفاصيل تلك المسيرة على شباب وشابات الأمة العربية؟ الهدف هو تحذيرهم من الأهداف الخفية وراء الناقدين والشامتين لما جرى فى الأرض العربية وذلك بقصد إقناع الناس بالتخلى عن شعارات الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، التى نادت بها حناجر الملايين من شعوب الأمة العربية، وأن يستبدل بها شعارات غامضة تبطئ، بل تعيق، انتقال المجتمعات العربية من أوضاعها المتخلفة الدموية الحالية، ومن علاقاتها الاجتماعية التسلطية الاستغلالية السابقة، إلى أنظمة ديموقراطية تقوم على أسس الحرية والكرامة والمساواة والعدالة والمواطنة الحقة.سيكثر الحديث عن العقلانية والسلم الأهلى ومخاطر الفوضى وجهالة الغوغاء، وتدمير فرص الاستثمارات الخارجية وحركة السياحة… إلخ. ولكن سيجرى القفز فوق قيم العدالة فى توزيع الثروة والسلطة والجاه، وفجيعة الاستباحة الاستعمارية والصهيونية لكل الأرض العربية، وتصدع التضامن العربى، وتجديد الثقافة العربية والفقه الإسلامى، وغيرها الكثير الكثير.للشباب العربى عبرة فى مسيرة الأخطاء والخطايا لليبرالية الكلاسيكية الغربية، التى لا تزال تنقل تلك المجتمعات من أزمة إلى أزمة، ومعها مجتمعات العالم كله.وإذا كنا قد فصلنا مسيرة الأيديولوجية الليبرالية فلأنها النسق المطلوب فى عصرنا. لكن هناك دروس وعبر فى مسيرة الأيديولوجيات الكبرى الأخرى. وهى الأخرى، تحتاج إلى أن يؤخذ ويترك منها.مسيرة هذا العالم التاريخية مليئة بالوعود والأحلام الكاذبة. والذين يريدون أن يتصدوا للمستقبل من شباب وشابات هذه الأمة عليهم دراسة ذلك التاريخ، إذ حتى الآن ظلت تلك الأحلام والوعود وراء ألف قناع وقناع، والنتيجة هى عالمنا المريض التائه المأزوم الذى نراه أمامنا.dramfakhro@gmail.com

المصدر: الشروق المصرية

السرية المريبة

علي محمد فخرو

الكاتب والسفير البحريني “علي محمد فخرو” يكتب في جريدة الشروق المصرية تحت عنوان “السرية المريبة” بتاريخ “2018-01-20”.

أصبحت السرية المريبة صفة ملازمة للمشهد السياسى العربى. كما أصبحت ممارستها من قبل بعض القيادات السياسية العربية إدمانا مرضيا خطرا.
لنأخذ على سبيل المثال موضوع «صفقة العصر» التى تتناولها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعى العربية ليل نهار.لا أحد يعرف على وجه التأكيد من الذى طبخها فى مهدها، ومن الذى ينتقل فيما بين العواصم العربية ليسوقها، ومن الذى قبل بأن يأكلها ومن رفض أن يمسها. هناك تخمينات كثيرة، ولكن ليس هناك حقائق رسمية مؤكدة.الأمر نفسه ينطبق على موضوع الادعاء الأمريكى بوجود العديد من الحكومات العربية التى جرى إعلامها والحصول على موافقتها، وذلك قبل أن يأخذ الرئيس الأمريكى قراره الفضائحى المشين بالاعتراف التوراتى بالقدس كعاصمة للكيان الاستعمارى الاستيطانى فى فلسطين العربية المحتلة. من هم القادة العرب الذين نصبوا أنفسهم كسماسرة للجهات الأمريكية المتصهينة، وعلى أى أساس فعلوا ذلك، وما هى المكاسب، إن وجدت، التى وعدت أمريكا بتقديمها لدول تلك القادة أو لوضعها تحت تصرف طموحات هذا القائد أو ذاك المحلية؟
الأمر نفسه ينطبق على التلاعب الاستخباراتى التدميرى الأمريكى فى سوريا. فبعد أن فشلت أمريكا فى تجزأه العراق وسلخ أقاليمه الشمالية عن الجسم الوطنى العراقى التاريخى الواحد، فإنها تحاول الآن القيام بنفس التآمر التجزيئى، الذى لا تتعب من القيام به لصالح الكيان الصهيونى، فى الشمال السورى. إنه محاولة أخرى لفصل ذلك الإقليم وشعبه عن الجسد الوطنى التاريخى السورى، ويقدم كقرار لما يسمى بالتحالف الذى تقوده أمريكا. والسؤال، هل حقا أن الدول العربية المشاركة فى ذلك التحالف المشبوه قد استشيرت؟ ومن هم القادة، فى أرض أصبح فيها القادة مساوين للدول، الذين باركوا ما تريد أن تفعله أمريكا بدولة عربية شقيقة وضربوا عرض الحائط بالتزاماتهم العروبية القومية التى تقوم على الرفض التام المطلق لأى نوع من التجزئة لأى قطر عربي؟
قضايا بالغة الخطورة، وتمس المصالح القومية العربية الكبرى، تبحث فى غرف مغلقة، ويتحدث عنها القاصى والدانى، تخمينًا وظنونا وهلعا، ونسمع غمغمات عنها من فم هذا الموظف العربى الصغير أو ذاك بينما يبقى متخذو القرار صامتين كصمت القبور، وكأنهم ليسوا معنيين بالإجابة عن تساؤلات شعوبهم وعن مخاوف مجتمعاتهم.
***
إن هذا الوضع برمته، وهذه الطريقة التى يتعامل بها مع القرارات المصيرية الكبرى، أصبحت تثير الكثير من الريبة وتكاد تؤكد ما يقوله البعض من وجود مؤامرات خفية تستهدف مستقبل الأمة والوطن العربى كله.
نحن نعرف، بالطبع، إن ظاهرة السرية فى اتخاذ بعض القرارات من قبل الحكومات هى ظاهرة عالمية. ولقد وصلت إلى أحقر درجاتها فى الأكاذيب والسرية التى رافقت اتخاذ حكومتى أمريكا وإنجلترا قرار غزو العراق واحتلاله. لكن هناك، فى الدول الديموقراطية، وسائل إعلام تكشف المستور فى النهاية، وهناك مجتمعات مدنية قوية تحاسب متخذى القرار وتجعلهم من المنبوذين ومنكسى الرءوس.
لكن ماذا عن دولتنا العربية، غير الديموقراطية، وحيث سلطات الدولة بلعت فى جوفها مؤسسات المجتمع المدنى، وحيث الإعلام يخضع لسوط الجهات الأمنية؟
هل سنستمر فى السماح لأفراد قلائل، خاضعين هم بدورهم لفرد متسلط واحد، باتخاذ قرارات كبرى دون مناقشات مجتمعية مسبقة، ودون مداولات فى مؤسسات الجهات التشريعية، إن وجدت، ودون عرضها فى النهاية على الاستفتاء إن احتاج الأمر لذلك؟
إن ما يثير الاشمئزاز هو أن الجماهير العربية على استعداد لأن تخرج فى مظاهرات حاشدة صدامية عندما تتخذ قرارات فى غرف مغلقة تمس أسعار الخبز والغاز والرسوم المختلفة، ولكنها تقف ساكنة غير مبالية عندما تتخذ قرارات مصيرية كبرى فى الغرف المغلقة ومن قبل أفراد قلائل.
لنذكُر هذه الجماهير المتثائبة بأنها كانت تخرج بالملايين فى الشوارع لإسقاط معاهدة أبرمت مع هذه الدولة الاستعمارية أو تلك دون علم الناس، بينما يجرى الحديث الآن عن «صفقة القرن» فلا تحرك ساكنا لمعرفة جهات وأسماء ووسائل المتبنين لها والمتبرعين بنشر فضائل تلك الصفقة والعمل على قبولها.
***
مرة أخرى نعود إلى موضوع الديموقراطية بمبادئها ومؤسساتها. من مبادئها حق الناس فى المعرفة التامة لما تقوم به الدولة وما تتخذه من قرارات. ومن مؤسساتها هو عدم السماح لأية سلطة بأن تستأثر باتخاذ القرار لوحدها.
نذكر الذين يجلسون فى غرف مغلقة ويتجرأون بإعطاء وعود لدونالد ترامب أو ماكرون أو بوتين أو المجرم الصهيونى نتنياهو، نذكرهم بأن هناك شعوبا بحقوق وكرامة إنسانية وشراكة تامة فى كل ما يمس الوطن، وطن الجميع، وليس وطنهم هم فقط.
نذكرهم، بأن الملايين قد خرجت منذ بضع سنوات فى الشوارع، وأنها قادرة على الخروج مرات ومرات.نذكرهم بأن السرية فى الحياة العامة هى مثل السرية فى الحياة الزوجية. إنها مقدمة للخيانة وللطلاق ولدمار العائلة، وفى الحياة العامة مقدمة لدمار الدول والأمم.

المصدر: الشروق المصرية